العنوان الأصلي باللغة الانجليزية: The Imam and the Poet (الإمام والشاعر) [[1]]
اسم المؤلف: Furqan Sayeed (فرقان سعيد) [[2]]
جهة النشر: موقع jadaliyya
من الشائع التفكير في الشرق الجغرافي على أنه مساحة غامضة سحرية وسرمدية استسلمت ببطء لقوى الحداثة من خلال المواجهات الاستعمارية مع الإمبراطوريات الأوروبية. إلا أن التاريخ الحقيقي والمادي الذي كتبه العلماء والسفراء والرهبان، الذين سافروا من وإلى مختلف المدن والبلدان عبر المحيط الهندي، الذي اجتاز خلاله سكان مختلفون من ثلاث قارات مختلفة مساحات شاسعة من المياه لا ترحم للتواصل مع بعضهم البعض، يشير إلى خلاف ذلك.
«الإمام والشاعر» هي قصة سفر خيالية كتبها شاعر متجول تنقل عبر الشبكات الديناميكية للتجارة والصراع والتفاعل الاجتماعي في المحيط الهندي في القرن الخامس عشر. بدأ الشاعر رحلته في الهند التي كان يسيطر عليها المغول وانتقل عبر الحواضر والموانئ الصاخبة في الخليج العربي، ليلتقي في طريقه بمجموعة من التجار والفاتحين والقراصنة والأولياء المتصوفة. ثم يجد نفسه في النهاية في وسط معركة تاريخية محورية في شرق إفريقيا.
أثناء الغزو الإيطالي للحبشة، عثر جنود موسوليني على مكتبة مختفية منذ القرن السادس عشر، احتوت على عدد من المخطوطات التالفة على نحو لا يمكن إصلاحه ومخطوطة واحدة محفوظة في صندوق خشبي مغلق، تم نقلها بعد ذلك إلى إيطاليا حيث تم ترميمها وترجمتها. تصف المخطوطة المكتوبة باللغتين البنجابية والعربية، محادثة بين الشاعر المتجول أمير بابا حسين والإمام والجنرال أحمد بن إبراهيم الغازي من «سلطنة عدل» الصومالية في القرن الخامس عشر. لا يفهم الأكاديميون أين وكيف تم تسجيل المحادثة بين الشاعر والإمام، وما إذا كانت قد حدثت بالفعل أم أنها تنتمي إلى عالم الخيال.
في السطور أدناه النص الروائي مترجمًا بتصرف يسير من اللغة الإنجليزية:
« بسم الله تعالى
بينما الشاعر الجائل أمير بابا حسين جالسًا على درج مسجد القبلتين (مسجد قديم شهير في الصومال) بعد صلاة الفجر، خرج موكب من الوجهاء من المصلى.
اهتم الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي بالزائر ودعاه لتناول الشاي في بيته. ولدى وصوله إلى بيت الإمام، شهق الشاعر من ثرائه وإسرافه. وسال لعابه أمام صواني الفاكهة الطازجة التي أعدها الخدم في مطبخ خارجي.
أشار الإمام الغازي إلى مقعد فخم مبطن في الفناء، منسوج بألياف ذهبية ومزخرف بأشكال هلالية فضية. عندما جلس الشاعر والإمام، وقُدم الشاي في أكواب فخارية صغيرة، ووضعت أطباق الفاكهة، التي كان فيها تمر، ورمان، وببايا (نوع من الفاكهة الاستوائية)، وتفاح عند أقدامهما، سأل الإمام الشاعر من أين جاء؟ وكيف وصل إلى ميناء زيلع (مدينة صومالية على ساحل خليج عدن)؟
الشاعر: ولدت في لاهور، حاضرة إقليم البنجاب المحاطة بالأسوار. قبل بضع سنوات، استولى الإمبراطور العظيم بابر على المدينة وتولى العرش. نشأت في عقار خارج أسوار المدينة. عندما كنت طفلاً صغيراً، لجأ مسافر عربي إلى منزلنا بعد رحلة يوم طويل، وفي المساء أدهشني بقصص «أسد البحار» أحمد بن ماجد؛ وهكذا بدأ هوسي بالسفر عبر البحار. لسوء الحظ، لم يكن هناك بحر قريب من مكان نشأتي أشبع خلاله رغبتي، عوضًا عن ذلك أصبحت دراسًا للشعر، وحفظت ونسخت أعمال فريد الدين مسعود (متصوف هندي شهير). بعد بضع سنوات، اتصل بي أحد رجال بابر (السلطان ظهير الدين بابُر)، يرجو مني أن أبحر غربًا. حيث انتشرت شائعات عن ضياع خلافة إسلامية وسط الأمم المسيحية في أوروبا (عله يقصد الأندلس)، وعندما هُددت تلك الخلافة بالضياع، قاد حاكمها هجرة جماعية للمسلمين إلى عالم جديد على أطراف الأرض. وقد رغب بابر في التغلب على الغزو الإسباني من خلال اكتشاف خاص به، وكلفني بإيجاد هذه الأمة المفقودة. شكرت الله على هذه المعجزة وبعد انتهاء شهر رمضان أعددت العدة وخرجت.
“غادرنا لاهور وسافرنا جنوبًا متبعين مجرى نهر السند. كنا في موكب من خمسة: ثلاثة جنود وملاح وأنا. عبرنا عبر غوجارات (إقليم في الهند) إلى مدينة سورات (مدينة هندية تسمى حاليًا سوريابور).
كان ملك «أحمد آباد» (أكبر مدن ولاية غوجارات) يقترح بناء قلعة على ضفاف نهر تابتي (نهر يقع وسط الهند)، للدفاع عن مدينته ضد الغارات البرتغالية المتكررة والمدمرة. حيث أعيد بناء المدينة بعد أن دمرها البرتغاليون قبل سنوات فقط… لاحظت على ضفاف النهر أن الجينيين (أتباع ديانة هندية قديمة) يحضرون إلى المستشفى، لكن عوضًا عن المرضى من البشر، شرع هؤلاء في علاج مجموعة متنوعة من الحيوانات بما في ذلك الخيول والأبقار. تحدثت إلى أحد الجينيين الذين حضروا في أحد هذه المستشفيات، واقترحت عليهم في المقابل تحويل الموارد لمساعدة فقراء المدينة، الذين كانوا يموتون من المرض وسوء التغذية. مع ذلك، أصر الجينِّي على أن جميع الأرواح مقدسة، ومن ثم يجب حمايتها والدفاع عنها دون انحياز، عندئذ قلت «لكم دينكم، ولي دين»، وصعدت إلى السفينة التي تم استئجارها لرحلتنا.
من سورات صعدنا على متن سفينة شراعية صغيرة، وانطلقنا إلى الغرب باتجاه البصرة. بعد أربعة أيام من رحلتنا، لاحظ ملاحنا غيومًا داكنة تقترب من الجنوب الغربي. كان يمكننا إما العودة أو المضي على أمل أن نصل إلى مأوى قبل وصول العاصفة. نصح ملاحنا بأن نعود إلى الشرق، لكنني، في تهور وسذاجة، قررت المضي قدمًا.
بعد يوم اجتاحتنا العاصفة. وكان من المستحيل مع الضباب الكثيف والبرد والأمطار الحفاظ على وجهتنا. لمدة سبعة أيام مريرة، حارب طاقمنا العاصفة، وتحول المطر إلى وابل من البَرَد تطاير على أجسادنا، وكانت الأمواج عالية بطول جبال الهيمالايا.
كانت الرياح قوية جدًا إلى درجة أنني اعتقدت أنني أرى الملاك جبرائيل يرفرف بجناحيه بشدة في سفينتنا المتواضعة… في اليوم الثامن، ضربت صاعقة برق ساريتنا ودعوت الله أن يرحمنا، انقلبت السفينة بعد ذلك، وتشبثت بقطعة من حطامها.. بعد فترة من الوقت شعرت وكأنها لن تنتهي أبدًا تلاشت العاصفة، ومعها الضباب، ورأيت منظرَ اليابسة الرائع. وبدأت السباحة في اتجاهها، هناك وجدت سفينة صيد. كان ربانها كريمًا بما يكفي ليُلبسني بنطالًا جافًا ويأخذني إلى ميناء جوادر.
في جوادر تمكنت من العثور على عمل كمترجم للملك البلوشي (المنتمي لعرقية البلوش). على الرغم من أنني فقدت الملاح وطاقم الجنود، إلا أنني لم أرغب في إنهاء مهمتي. بعد شهر تمكنت من جمع أموال كافية لاستئجار سفينة إلى مسقط (عاصمة سلطنة عمان). في اليوم الثاني من رحلتنا، اكتشف القبطان صبيًا صغيرًا مختبئًا على متن السفينة. طلب منا الصبي ذو البشرة الداكنة السماح له بالبقاء معنا. ورأيت في الصبي الذي كان يبلغ من العمر حوالي ثلاثة عشر عامًا نفس التعطش للسفر عبر البحر الذي كان لدي في مثل سنه، فطلبت من القبطان أن يؤمن سلامته. كان اسم الصبي سندباد. ووعدته أنه سيرافقني في جميع رحلاتي.
“أتذكر التماع عيني سندباد عندما رأى الجوهرة الأولى في مسقط (أشتهر الخليج العربي آنذاك بصيد اللؤلؤ من أعماق البحر) … كان حماس الصبي يقابله حماس المدينة التي كانت لا تزال تحتفل بانتصار سابق على الغزاة البرتغاليين. عندما وصلت إلى نزل، وجدت أن صاحبه لا يشارك أهل المدينة فرحة الانتصار. وحذر قائلاً: «يا زوار هذه المدينة، اهربوا قبل أن تكونوا شاهدين على أهوال لا توصف». فضولي حداني أن أطلب منه أن يشرح أكثر. فقال: قد تلقيت رسالة تفيد بأن الأسطول البرتغالي أعاد تجميع صفوفه بعد هزيمته السابقة. وأنهم يخططون لمهاجمة المدينة في غضون أسبوع. قلت: «لقد دافعت هذه المدينة عن نفسها من قبل بحمد الله، وسيُهزم الغزاة». ولرغبتي في طمأنته أكثر، أضفت: هؤلاء البرتغاليون هم أكثر الناس بدائية. لقد سمعت أنهم حتى لا يغتسلون بعد قضاء الحاجة.
أقمنا أنا وسندباد في فندق في تلك الليلة، وفي الليلة التالية بدأنا في البحث عن عمل. تجولنا في أرجاء المدينة، وبحثت لنفسي عن مكتبة أو دير حيث يمكنني أن أجد عملًا ككاتب… بعد الظهر توقفنا لأداء صلاة الجمعة في أحد المساجد. ثم بعد ذلك توقفنا عند كشك الشاي في السوق. وقال حامل أبريق الشاي بعد أن خدمنا: أنتم لستم تجاراً ولا رحالة مخضرمين. ما الذي أوصلكما إلى هذا الميناء؟ “التعطش للمغامرة” هكذا أجاب سندباد. أجاب حامل الشاي في المقابل: “المغامرة حافز قوي، لكن يجب أن نتخفف منه بالحكمة والبصيرة”. سألته: “هل تخشى الغزو البرتغالي؟ .. فباستثناء صاحب النزل الغاضب، يبدو أن الجميع ما زالوا يحتفلون بالنصر المبكر للمدينة. “قال: قبل أيام، عندما اندلعت أخبار الغزو، كان لدي منام. في منامي رأيت الله سبحانه وتعالى يعاقب هؤلاء البحارة الأوغاد (البرتغاليين)وهم في أوج قوتهم، وسيدمر الله عاصمة إمبراطوريتهم، بزلزال أقوى بعشر مرات من الزلزال الذي ختم مصير شعب ثمود؛ زلزلة تجعل أي مؤمن يرتجف ويخشى مما سيكون عليه يوم القيامة. استيقظت من هذا الحلم وأنا اتصبب عرقًا باردًا، ولكن بمجرد أن تقبلت مصيري ومصير الغزاة، حل على قلبي السلام.
قررت أنا وسندباد أن الحكمة تقتضي منا مغادرة مسقط قبل أن يلحق بنا أي ضرر؛ لذا قمنا بتأمين مكان لنا في سفينة ستغادر في الأسبوع المقبل. قضيت أيامي المتبقية في مسقط أعلم سندباد القراءة والكتابة… وفي يومنا الخامس في مسقط، استيقظت على صوت هادر كهزيم الرعد.
شققت أنا وسندباد طريقنا إلى الشارع، هناك رأينا السماء تتوهج باللون الأحمر. تدافعنا للعثور على منطقة مرتفعة، تسلقنا جدران مبنى قريب، ومن موقعنا هناك لاحظنا أن الميناء قد أغلق من قبل سبع سفن برتغالية.. وبينما كنا نشاهد رأينا زورقين ممتلئين بالجنود البرتغاليين يصلان إلى اليابسة، ولاحظت وجود قارب شراعي صغير فارغ، يكفي لحمل شخصين، يطفو على حافة الميناء، بالقرب من فجوة في الحصار البرتغالي. انطلقنا من على السطح وركضنا إليه، وأمسك سندباد يده الصغيرة بيدي بينما كنا نسير بصعوبة في عكس تجاه تدفق سكان المدينة الفارين صوب الجبال. بأعجوبة وصلنا إلى القارب، وقام سندباد بتجهيز الأشرعة ببراعة، وقمنا بالمناورة عبر فجوة بين مركبين برتغاليين ووصلنا إلى المياه المفتوحة دون أي ضرر. وخلفنا مدينة مسقط تحترق والسماء متوهجة باللون الأحمر.
كان لدينا القليل من المؤن على متن قاربنا الصغير، لذلك علمنا أنه يتعين علينا الوصول إلى اليابسة قريبًا. كنت عازمًا على الوصول إلى ميناء عدن، الذي كنت اعتقد أنه على بعد بضعة أيام فقط. حينها بدت معرفة سندباد بالإبحار، فضلا عن سرعته، وكأنها بلا أي قيمة، حيث ظللنا لمدة يومين تقريبًا ونحن نحاول الاقتراب من جزيرة صغيرة في مرمى البصر.
في اليوم الثالث، لاحظت بقعة داكنة صغيرة تكبر في الأفق ظننت أنها نتاج هذياني المتزايد. ولكنني كنت مخطئًا للغاية، حيث تحولت البقعة إلى قارب، وتحول القارب إلى سفينة شراعية حبشية عظيمة، ذات أشرعة مرفرفة منقوشة بالأُسودِ الحمراء. بدا وكأن السفينة سوف تصطدم بنا مباشرة، ولكن عندما اقتربت من قاربنا، أبطأت سرعتها وسقطت منها مرساة. ونزل منها جنديان على متن قاربنا وقاموا بأسرنا. وقيدونا بالسلاسل على ظهر السفينة، واستجوبنا الربان. عندما حاولت شرح طبيعة رحلاتنا، قاطعني قائلاً “هذا أمر يصعب تصديقه”، ووجه الطرف المدبب لسيفه الحاد إلى حلق سندباد، عندئذ خفت من المصير المجهول الذي يمكن أن يحدث. وسط معاناتي من تلك المخاوف قام جنديان بفك قيودي وألقيا بي في المحيط بينما كانت السفينة ترفع مرسيها وتبحر وعلى متنها سندباد أسير؛ في تلك اللحظة بكيت وأصبحت دموعي ومياه المحيط واحد.
سبحت إلى الجزيرة، ومن هناك أقلتني سفينة تجار صغيرة أخذتني إلى البر الرئيسي. شققت بعدها طريقي ببطء إلى عدن، عبر عدد لا يحصى من الرحلات على ظهور الجمال وعلى السفن المستأجرة. كنت قد عقدت العزم على العثور من جديد على سندباد، حتى لو كان ذلك يعني أنني سأمضي أيامي المعدودة في هذه الحياة في البحث عنه.
وصلت أخيرًا إلى عدن على متن سفينة تجارية كنت مدينًا لربانها، لأنه لم يكن معى وقتها روبية واحدة. عندما اقتربنا من عدن، رأيت في مرفئِها أسطولًا من نوع من السفن بأشرعة حمراء وهيكل أملس لم أره من قبل، مع اقترابنا، تمكنت من تحديد ملامح بعض البحارة الموجودين على متنه، الذين كشفت عيونهم المائلة وطريقة ملابسهم عن الأصول الصينية الملكية للأسطول.
كانت المدينة بالتأكيد أكبر وأكثر مدينة ازدحامًا وطأتها قدماي على الإطلاق. حول الميناء، باع التجار من إفريقيا والهند والصين ومصر بضاعتهم وأفرغوا سفنهم. بفضل الله، سرعان ما وجدت عملاً مع تاجر غوجاراتي، وظفني ككاتب لتسجيل بضاعته من التوابل والحرير والمسك والجاوي والبورسيلين والقطن. بعد بضعة أشهر، كلفني التاجر بمراقبة مستودعه أثناء قيامه برحلة العودة إلى غوجارات. وطلبت منه في المقابل توصيل رسالة مني شمالاً إلى البنجاب، كتبت فيها المدى الذي بلغته في رحلتي لرجال السلطان بابر.
عشت في عدن، أعمل لدى ذلك التاجر لمدة عامين. بعد هذين العامين بدأت في مرافقة التاجر في رحلاته إلى غوجارات والبصرة والبرتغال ومسقط، وجمعت معه قدرًا كبيرًا من الثروة. في رحلة العودة إلى عدن، مرض التاجر وتدهورت حالته بسرعة. حاولنا أنا والبحارة المخلصون له في الإسراع للوصول إلى طبيب في عدن، لكن كانت جهودنا في ذلك بلا جدوى. وعندما كنا على بعد أسبوعين فقط من عدن، استدعاني التاجر إلى حجرة نومه، وقال بعبارات لا لبس فيها إنه يعهد إلي بثروته وسفينته وطاقمه، لأنه ليس لديه أبناء، ويعتبرني وريثه. بكيت بجانب التاجر وهو يتنفس أنفاسه الأخيرة، وعندما وصلنا إلى عدن رتبنا له دفنًا يليق بملك.
مع ثروة التاجر وسفينته، لم يصبح أمامي أي عائق للوفاء بالوعد الذي قطعته قبل سنوات لتحرير سندباد. بعد القيام ببعض التجهيزات، انطلقنا من عدن وأبحرنا شرقًا. وكنت قد استأجرت ملاحًا خبيرًا رسم مسارنا حول القرن الإفريقي، حتى الساحل الغربي إلى أيبيريا. وكانت معنوياتي عالية، لكن كل هذا سوف يتغير.
“لم يمض أكثر من يوم على مغادرتنا، حتى لاحظ طاقمي أسطولًا كاملاً من القراصنة اليمنيين يمضي في اتجاهنا. حاولنا الهرب منهم، لكن كانت سفنهم أسرع. أعددت رجالي للمعركة، إلا أن هجوم سهامهم المشتعلة ورماحهم الحديدية مزقت سفينتي إلى أشلاء. صعد القراصنة إلى سفينتي، وذبحوا طاقمي بالكامل. وقاموا بتقييدي إلى سارية السفينة الخاصة بي، وجعلوني أشاهدهم وهم يفرغون بضاعتي. ثم بالنهاية تركوني عالقًا وأغرقوا سفينتي.
كافحت لتحرير نفسي من القيود أثناء غرق السفينة، وعندما وصل الماء إلى فتحات أنفي تمكنت من تحرير نفسي في اللحظة الأخيرة. من جديد، وجدت نفسي متشبثًا بقطعة من حطام السفينة طافت في الأمواج. استطعت بعد ذلك جمع ما يكفي من الخشب لربط طوافة مؤقتة. حملتني الرياح شرقاً، إلى شواطئ الصومال، ووصلت إلى اليابسة على مقربة من جنوب شرق زيلع. جلست على درج المسجد وفكرت في التسول للحصول على الطعام، حتى وجدتني، أيها الإمام العظيم، وأحضرتني إلى هنا.
جلس الإمام صامتا، بعد أن استمع إلى نهاية قصتي. حلّ الليل وأصبح الفناء فجأة باردًا بشكل لا يطاق. عندها عرض علي الإمام المبيت وقال لي: ابق معي، وغدا سأخبرك بأمر قد يثير اهتمامك.
وجه الإمام أحمد خدمه إلى أخذي إلى حجرة النوم التي سأقضي الليل فيها. في صباح اليوم التالي، بعد أن تناولت فطورًا من حليب الماعز، استدعاني إلى مكتبه. قال لي: لدي خبر قد يكون ذا أهمية كبيرة لك. طلبت منه التوضيح. فقال: قبل أسبوع، لاحظ بعض الكشافة وجود سفينة تصنع ميناء في مصوع، عليها أشرعة منقوشة بالأسود الحمراء، وأفادوا أن الإمبراطور الحبشي داويت الثاني التقى ربان السفينة وأن تجار العبيد على متنها قدموا فتى ذو بشرة داكنة للإمبراطور.
قلت من المؤكد أن هذا هو سندباد. بعدها شرح لي الإمام طبيعة صراعه مع الأحباش، وتحدث عن ميولهم العدوانية، واضطهادهم للمسلمين، وكيف أنه من أجل أمن «سلطنة عدل» يجب إخضاع الأحباش لحكمه. وقال لي أنه إذا انضممت إليه، فسيساعدني في تحرير سندباد. وقبلت عرضه في الحال.
تدربت لمدة عام مع جنود الإمام أحمد في ثكنات خارج العاصمة هرر (مدينة في شرق أثيوبيا). خلال شهر ذي الحجة سافرنا إلى واد بين جبل أمبا وبحيرة أشينجي. هنا رأينا لأول مرة القوات الحبشية محتشدة في صف واحد، تلمع الرؤوس الفضية لبنادقهم في شمس الظهيرة. تم تحذيرنا من أن الأحباش قد تم تزويدهم بالمدافع من قبل الدول الكافرة في الغرب، لكنني لم أكن خائفًا لأن صديقي الإمام قد اشترى هو الآخر أسلحة مدافع من العثمانيين.
قام الإمام أحمد بجمع المسلمين على قمة تل مجاور. ونادي بأعلى صوته وهو يركض “فلنجاهد باسم الله”، ورد عليه المسلمون الذين أتوا من سبع قبائل مختلفة: “الله أكبر”. نزلنا على عدونا الذي بدأ بإطلاق مدافعه نحونا… لا أحد يستطيع وصف وحشية هذا السلاح. الذي عندما يضرب به المرء، يقف الشعر على مؤخرة عنقه، ثم تنفجر الأرض في الجهة الأخرى بصوت كهزيم الرعد، ويندفع الحطام في الهواء ويقتل كل من الحصان والرجل. أما البنادق فكانت تمثل خطرًا من بعيد فقط، ولكن بمجرد الاقتراب من العدو سرعان ما كان تتغلب عليها سيوف المسلمين المهرة.
رغم محاولاتي لم أتمكن من تحديد موقع سندباد في ساحة المعركة. ثم بدون سابق إنذار بدأت راياتنا تتراجع. وتقدمت لأجد أن الإمام قد أصيب برصاصة في ساقه. اجتمعنا مجددًا على الجانب الآخر من النهر، وقمنا بالتخييم في انتظار التعزيزات.
بعد أسبوعين، هاجم مشاة للجنود البرتغاليين بقيادة الجنرال كريستوفاو دا جاما (قائد برتغالي شهير) معسكرنا. قاتلنا ببسالة، وبدا أن النصر سيكون لصالحنا لأن زي البرتغاليين العسكري القاسي وسوء النظافة أعاقا هجومهم، إلا أن انفجار البارود أصاب خيولنا بالذعر، وجراء الفوضى الناجمة عن ذلك، تراجعنا مرة أخرى.
مع اقتراب موسم الأمطار، تلقينا أنباء عن تحالف الملك الإريتري مع الأحباش، مما زاد حجم تحالفهم بمقدار ثلاثة أضعاف. لاحظنا أن العدو يقوم بمعسكره في وفلة (منطقة تقع حاليًا في إقليم تيجراي بأثيوبيا)…. بعد أسبوع من إقامة معسكرنا، ذهبت لرؤية الإمام أحمد في خيمته. كان في تأمل عميق. قلت: “هل رتبت خطوتك التالية؟” أجابني ببطء: يوم التقينا كنت مقتنعًا أن الوحدة الحقيقية بين المؤمنين هي وحدها التي ستمنحنا النصر. يجب أن ندعو إخواننا في الإسلام لمساعدتنا على الانتصار. في تلك الليلة أرسل الإمام سعاة شمالًا إلى شبه الجزيرة العربية وتركيا، طالبًا المساعدة من الخلفاء في تلك المناطق. في الأشهر المقبلة، انضم جنود من تلك الأراضي إلى بلادنا، وامتلك الإمام جيشًا هائلاً ومخيفًا، قادرًا على تسوية قارة بأكملها بالأرض.
في اليوم التالي لعيد الفطر، بعد أشعة الشمس الأولى التي انطلقت من خلف الغيوم المطيرة. جمع الإمام قواته بسرعة خارج معسكر الكفار، وبعد خطاب ملهم قمنا بالهجوم مع ألفي فارس عربي وألف جندي عثماني، وسرعان ما تقهقر الكفار. بعد قتل العديد من جنود العدو، شاهدت سندباد يقطع رؤوس ثلاثة مسلمين بضربة واحدة سريعة من سيفه، على مرمى حجر من المكان الذي كنت أقف فيه في ساحة المعركة. وقفت مندهشا. بدأت مجموعة من الجنود العثمانيين في مهاجمته فأوقفتهم، فأصاب اثنين وقتل ثالثًا. “صرخت في وجهه بصوت خشن: “سندباد”!، ألا تتذكرني، لكن سرعان ما فقدت رؤيته في خضم المعركة المحتدمة.
بعد برهة قصيرة، ألقينا القبض على الكافر “دا جاما” الذي أصيب بجروح بالغة هو وبعض رجاله. تفحصت بنظرة يائسة الرجال الذين أسرناهم، على أمل أن يكون أحدهم سندباد. منحني الله أمنيتي في الأخير، ووجدت سندباد بعد أن أصبح رجلًا الآن، مقيدًا هو و”دا جاما”. اقترب الإمام أحمد من “دا جاما”، عارضًا عليه الرحمة مقابل إسلامه. رفض، وبصق على قدمي الإمام وأعلن أنه الشيطان!، بضربة واحدة سريعة من سيف الإمام، أعدم “دا جاما” أمام رجاله. ثم عرض الإمام على الجنود نفس العرض ورأيت سندباد يرفضه.
“قِف”؛ أمرت المسلم الذي سحب سيفه ضد سندباد. ووقفت أمام سندباد وسألته: هل تعرف من أكون؟ قال وهو يبصق : كلب هرطوقي بربري. شرحت له ببطء أنني أنا الرجل الذي دافع عن سلامته على متن السفينة المغادرة، وعلمته القراءة في مسقط، وهربت معه عندما سقطت المدينة. في لحظة تحول إلى إنسان آخر مسالم، اغرورقت عيناه. وقال بصوت أجش، وعيناه تذرف بالدموع: لقد تركتني سنوات عديدة. أجبته: فقط لأني اضطررت إلى ذلك. وقمت باحتضانه.
عشت أنا وسندباد معًا في أكسوم، شمال شرق الحبشة، لسنوات عديدة. تزوجت هناك من فتاة من البلدة، وشهد حفل زفافنا صديقي الإمام. في تلك السنوات شرعت في نقل كل المعرفة التي أملكها إلى سندباد. تزوج سندباد أيضًا وأنجب عدة أطفال.
ثم تعرضت المدينة للهجوم دون سابق إنذار. توج الإمبراطور جيلاوديوس، الرجل الثاني في ترتيب العرش، نفسه كملك للحبشة وتحالف مع الأمم الكافرة في الشرق. انضممت أنا وسندباد إلى جنود الإمام أحمد في بحيرة تانا، ودافعنا عن أنفسنا ببسالة ضد الهجوم الحبشي، لكن رجلًا من حملة البنادق استطاع كسر صفوفنا وقام بقتل الإمام. ركعت بجانبه وهو يوجه أنفاسه المحتضرة بينما تراجع الجنود المسلمون حولنا بشكل عشوائي. في وسط تلك الفوضى، أصيب سندباد أيضًا برصاصة في القلب. بكيت بصمت وأنا ألقي بجسده على حصاني وهربت من ساحة المعركة. ركبت بأقصى ما أستطيع إلى أكسوم، وعندما وصلت إلى منزلنا، وجدته مدمرًا على يد الجنود الحبشيين وزوجتينا وأطفالنا قتلى. دفنت سندباد في بستان خارج أكسوم وأقمت عزاءًا لعائلتينا. بعد أن دفنت سندباد وصَلَّيت، ركبت تجاه الشرق عائدًا إلى زيلع. وعقدت العزم على العودة إلى لاهور».
[[1]]https://www.jadaliyya.com/Details/41745/Imam-and-the-Poet
[[2]] فرقان سعيد كاتب وباحث هو خريج كلية Gallatin بجامعة نيويورك، مهتم بالكتابة عن الجنوب العالمي وما بعد الكولونيالية.



