1- يعد الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله هو الرائد الثاني في التنظير لعلم مقاصد الشريعة وفلسفة أحكامها بعد الإمام الشاطبي، وذلك باعتباره أول من نهض من العلماء للكتابة في علم المقاصد بعد موافقات الشاطبي.
ويعتبر كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية” أشهر آثاره في هذا المجال، وهو كتاب خفيف الحجم كثيف المعنى، ثري بالأفكار والملاحظات النقدية.
ويتقاسم العلامة علال الفاسي هذا الدور الريادي مع ابن عاشور باعتبار أن إسهامه في المجال الذي يعتبر كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها” هو عنوانه البارز جاء متزامنا مع إسهام ابن عاشور أو مقاربا له من الناحية الزمنية؛ فرغم الفارق الزمني بين ميلاد الفاسي وابن عاشور، فقد ولد الأول سنة 1910 بينما ولد الثاني سنة 1879، إلا أن وفاتهما كانت متقاربة فقد توفي ابن عاشور سنة 1973 وتوفي الفاسي سنة 1974.
2- إذا كان الإمام الشاطبي قد “كتب جزءا من موافقاته في المقاصد وكتب بقية الأجزاء بالمقاصد” كما يقول الشيخ محمد الأمين بن الطالب، فإن ابن عاشور كتب جزءا في المقاصد وكتب بقية مؤلفاته بالمقاصد، ولكن كتابه “أصول النظام الاجتماعي في الإسلام” هو ألصق هذه المؤلفات بكتابه “مقاصد الشريعة”، بل يمكن اعتباره هو الجزء الثاني من كتاب المقاصد، فقد بسط فيه بعض الأفكار التي أشار إليها بشكل مقتضب في كتاب “المقاصد” وخصوصا منها الأفكار المتعلقة بالحرية والسماحة والفطرة، مع أن هذا الأخير جاء متأخرا عن الأول في التأليف حسب ما يفهم من بعض إشارات المؤلف، مثل قوله “وقد بسطت القول في ذلك في كتاب أصول النظام الاجتماعي الإسلامي” (مقاصد الشريعة، ص130). بل يمكن القول أيضا إن كتاب “مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها” للعلامة علال الفاسي هو الجزء الثالث المكمل لهذا السفر من أسفار المعرفة، فهو يتناول نفس المعاني التي تناولها ابن عاشور، لكن الفاسي أكثر ثورية وابن عاشور أكثر إحكاما في محاكمة القضايا إلى الأصول والأدلة الشرعية. وهذا مفهوم، فقد كان الأول مناضلا وزعيما وطنيا ورئيسا لحزب سياسي هو حزب الاستقلال، بينما كان الثاني أكاديميًا وأحد أعمدة جامع الزيتونة وعلمائها اللامعين، مع أن سمة العلم والثقافة الواسعة مشتركة بينهما، ولكن غلب على أحدهما الجانب السياسي وغلب على الآخر الجانب العلمي والأكاديمي.
3- وبناء على ما سبق فإن هذا السفر الذي هو موضوع حديثنا اليوم هو سفر من ثلاثة أجزاء، كَتب الجزء الأول والثاني منه ابن عاشور، وكَتب جزأه الثالث علال الفاسي، وعنوانا الجزء الأول والثاني منه هما “مقاصد الشريعة الإسلامية” و”أصول النظام الاجتماعي في الإسلام”، وعنوان الجزء الثالث هو “مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها”. المحاور الرئيسة لهذا السفر هي: الحرية، السماحة، الفطرة.
3- يتكون كتاب “مقاصد الشريعة الإسلامية” لابن عاشور من مقدمة وثلاثة أقسام؛ قسم تمهيدي خصصه ابن عاشور لبيان أهمية علم المقاصد وحاجة الفقيه إليه، ومراتب مقاصد الشريعة وطرق إثباتها، وقسم ثان تناول فيه مقاصد التشريع العامة، وقسم ثالث تناول فيه المقاصد الخاصة المتعلقة بأنواع المعاملات بين الناس.
ويتألف كتابه أصول النظام الاجتماعي الإسلامي من تمهيد وقسمين، تحدث المؤلف في التمهيد عن خصائص الدين الإسلامي، وعن الغرض من الدين والأهداف الكبرى التي اجتمعت عليها الأديان السماوية جميعها، وتحدث في القسم الأول عن إصلاح الفرد؛ بإصلاح اعتقاده وتفكيره وعمله، والوسائل التي وضعها الإسلام من أجل هذا الإصلاح، وفي القسم الثالث تحدث عن إصلاح المجتمع، من خلال وضع الأسس والدعائم التي ينبني عليها المجتمع الصالح كإقامة الجامعة الإسلامية وترسيخ الأخوة والرباط الإيماني بين المسلمين.
أما كتاب مقاصد الشريعة ومكارمها لعلال الفاسي فلم يتبع أسلوب التقسيم المنهجي الأكاديمي مثل الأقسام والأبواب والفصول وغيرها، وإنما جاء بعناوين فرعية لم يضعها في قالب منهجي ضمن أبواب أو فصول وهو في هذا يشبه قواعد عز الدين بن عبد السلام، مع أن تسلسل الحديث في الكتاب منهجي، يبني آخره على أوله. وقد بدأ الفاسي هذه العناوين بتعريف المقاصد، ثم بحديث عام عن العرف وفكرة القانون عند البشر وفي الشرائع التي سبقت الإسلام سواء منها الشرائع الوضعية أو الشرائع السماوية، وعن مصدر العدالة في العصر الحديث، ثم أتبع ذلك بالكلام على مقاصد الشريعة الإسلامية وعن السياسة الشرعية وعن أصول التشريع الإسلامي، وذكر فيها أصول الأدلة المعروفة في كتب الأصول القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستدلال والاستصحاب والاستحسان ومراعاة الخلاف والمصلحة المرسلة وعمل أهل المدينة والعادة والعرف وسد الذريعة وفتحها، ثم تحدث عن الاجتهاد وأسباب الاختلاف وقواعد تقييد المصلحة بالمقاصد والبدعة والسنة، ثم تحدث عن أصول الفضائل ومنهاج الحكم في الإسلام والأمة والدولة وحقوق الإنسان…
4- رغم كثرة الملاحظات والأفكار النقدية التي أضافها ابن عاشور والفاسي على فكر الشاطبي، إلا أن إسهامهما الأكبر في هذا المجال، هو بلورتهما لمعاني الحرية والسماحة كمقصدين من مقاصد الشريعة، ولمعنى الفطرة كوصف من أوصاف الشريعة. فقد كان ابن عاشور بحق هو الرائد الأول في تأصيل معاني الحرية بمفهومها السياسي والاجتماعي؛ كثافة وعمقا وقوة في التأصيل وإحكاما في التنزيل، وكان جهد الفاسي متمما للمعاني التي بسطها ابن عاشور حول هذه القضايا. وأعتقد أن كلامهما حول هذه المعاني هو الأعمق والأكثر أصالة بين الأطروحات الإسلامية المعاصرة التي تناولت هذه الموضوعات.
5- فالحرية بمفهومها السياسي الذي يعني الحقوق السياسية والمدنية وبمفهومها الاجتماعي الذي يعني العدالة والمساواة لم يتحدث عنها أحد من علماء المسلمين في العصور الأولى، وكان حديث ابن عاشور عنها قويا ومتماسكا مع أنه هو الرائد تقريبا في طرق هذا الموضوع.
وإذا كان الشاطبي قد بلور مقاصد الشريعة كنظرية وأطروحة متممة لعلم أصول الفقه، فإن ابن عاشور ومن بعده الفاسي هما أول من بلور معاني الحرية كأطروحة متماسكة تستمد أصالتها من نصوص الوحي وقواعد التشريع. ويمكن أن نضيف لهما في هذا المقام شيخ الأزهر العلامة محمد الخضر حسين الذي ألف كتابا حمل عنوان “الحرية في الإسلام”، وهو معاصر لهما وتوفي قبلهما بأكثر من عقد من الزمن، ولد سنة 1876 وتوفي سنة 1958.
6- في تعريف الحرية يقول ابن عاشور إن الحرية في كلام العرب ترجع إلى “معنين أحدهما ناشئ عن الآخر.
المعنى الأول: ضد العبودية، وهي أن يكون تصرف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة تصرفا غير متوقف على رضا أحد آخر…
والمعنى الثاني: تمكن الشخص من التصرف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض…
وكلا هذين المعنين جاء مرادا للشريعة، إذ كلاهما ناشئ عن الفطرة، وإذ كلاهما يتحقق فيه معنى المساواة التي تقرر أنها من مقاصد الشريعة” (مقاصد الشريعة، ص126 – 127).
ويضيف الفاسي هنا قيدا مهما لفهم المراد بالحرية، وهو أن “الحرية لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء ويترك ما يريد فذلك ما يتفق مع طبيعة شهوته ولا يتفق مع طبائع الوجود كما ركب عليه، ولكنها تعني أن يفعل الإنسان ما يعتقد أنه مكلف به وما فيه الخير لصالح البشر أجمعين” (مقاصد الشريعة ومكارمها، ص284).
7- وحول مكانة الحرية في الشريعة يقرر ابن عاشور أن “استواء أفراد الأمة في تصرفهم في أنفسهم مقصد أصلي من مقاصد الشريعة، وذلك هو المراد بالحرية” (مقاصد الشريعة، ص126)، ويقرر الفاسي أن “الحرية الإسلامية جعل قانوني يتفق مع إنسانية الإنسان وفطرته، وليست حقا طبيعيا يستمد من غريزة الرجل المتناقضة، فالإنسان ما كان ليصل لإدراك حريته على الوجه الذي أراده الإسلام لولا نزول الوحي” (مقاصد الشريعة ومكارمها، ص284).
8- وفي كتاب أصول النظام الاجتماعي يعدد ابن عاشور مزايا الحرية وفوائدها، مؤكدا أن “الحرية حلية الإنسان وزينة المدينة فيها تنمى القوى وتُطلق المواهب. وبصونها تنبت فضائل الصدق والشجاعة والنصيحة بصراحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتلاقح الأفكار وتورق أفنان العلوم” (أصول النظام الاجتماعي، 159 – 160).
9- ويُفصل ابن عاشور القول في الحريات الأساسية، فيؤكد على مبدأ “تساوي المسلمين في الانتساب إلى الجامعة الإسلامية وفي التهيؤ والصلاحية لكل فضيلة في الإسلام إذا وجدت أسبابها وسمحت بها مواهب أصحابها، وأيضا في إعطاء الحقوق المخولة في الشريعة بدون تفاوت بين أصحابها” (أصول النظام الاجتماعي، ص135)، ويكرر نفس المعنى في مقاصد الشريعة (ص93) مع اختلاف يسير في العبارات.
ويورد ابن عاشور والفاسي هنا قصة جبلة بن الأيهم مع الرجل الفزاري الذي وطئ إزاره فلطمه، فأراد عمر أن يقتص منه، فقال له كيف تسوي بيني وبينه وأنا ملك وهو سوقة، فقال له عمر: الإسلام سوى بينكما. فلحق جبلة بالروم فتنصر. ويعلق ابن عاشور على ذلك فيقول “ولم يكن تنصره بالذي يؤسف عمر؛ لأن التهاون بأصول الجامعة أضر على الإسلام من خروج بعض أفراده منه؛ إذ لا قيمة للجامعة؛ إذا لم تحترم أصولها” (أصول النظام الاجتماعي، ص142).
ويضع ابن عاشور ضابطا مهما لمبدأ التساوي “وبناء على الأصل الأصيل وهو أن الإسلام دين الفطرة فكل ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه بين المسلمين فالتشريع يفرض فيه التساوي بينهم. وكل ما شهدت الفطرة بتفاوت البشرية فيه بالتشريع بمعزل عن فرض أحكام متساوية فيه. ويكون ذلك موكولا إلى النظم المدنية التي تتعلق بها سياسة الإسلام لا تشريعه” (مقاصد الشريعة، ص93)، ويكرر نفس المعنى في أصول النظام الاجتماعي “فكل ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه بين الناس، فالإسلام يرمي فيه إلى المساواة، وكل ما شهدت الفطرة بتفاوت المواهب البشرية فيه فالإسلام يعطي ذاك التفاوت حقه بمقدار ما يستحقه” (أصول النظام الاجتماعي، ص135).
10- وحول انقسام الناس إلى طبقات يؤكد ابن عاشور أن هذا الانقسام “أمر واقعي ناشئ عن أسباب من مواهب عقلية، أو مغامرة في الأخطار؛ أو انتصار في الدفاع عن الحوزة، فلا نعني بالمساواة بين الطبقات مكابرة ذلك الأمر الواقع، وإنما نعني أن لا يكون موجبا لاحتكار خصائص يحرم منها من لم يكن من تلك الطبقة” (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص139)، ويقرر الفاسي أن “التفاوت في العقل أو العلم أو القدرة الجسمية على العمل شيء أقرب إلى الواقع الطبيعي من التساوي في ذلك، وما يؤدي إليه التفاوت من حصول البعض على أكثر من غيره لا يضر في شيء، لأن القضية قضية استعداد ونشاط وعمل” (مقاصد الشريعة ومكارمها، ص303)،
ولكن الفاسي يضيف هنا شحنة ثورية فيؤكد أنه “في كل الأحوال ليس هناك فرق بين غني وفقير، وليس هناك طبقة أولى بالمال أو الجاه أو السيادة من غيرها.
فإذا وجدت هذه الطبقات عن طريق الخروج على الحدود الشرعية، فإن على الدولة أن تهدمها وتعيد “التوزيع” إلى الأصل الشرعي، وإذا لم تقم الدولة بذلك، كان على المستضعفين أن يتكتلوا للعمل على إزالة التفاوت الطبقي، وإنصاف الكل” (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، ص304)، وحتى لا يفهم رأي الفاسي على غير مراده فإنه يؤكد أن هذا الرأي الذي يدعو له “ليس تطاحنا مبنيا على إرادة تفوق طبقة على أخرى كما هو الرأي في تطاحن الطبقات الماركسي، وإنما هو تدافع يقف عند إقرار العدل وذلك بهدم نظام الطبقات الذي لا يقره الإسلام ولا ترضى عنه شريعته” (مقاصد الشريعة ومكارمها، ص304).
11- وحول حرية المعتقد التي تعتبر هي أم الحريات يقول ابن عاشور “حرية الاعتقادات أسسها الإسلام بإبطال المعتقدات الضالة التي أكره دعاة الضلالة أتباعهم ومريديهم على اعتقادها بدون فهم ولا هدى ولا كتاب منير، وبالدعاء إلى إقامة البراهين على العقيدة الحق، ثم بالأمر بحسن مجادلة المخالفين وردهم إلى الحق بالحكمة والموعظة وأحسن الجدل، ثم بنفي الإكراه في الدين” (مقاصد الشريعة، ص130)، ويؤكد الفاسي أن “التعبير القرآني {لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ} يعني بكل وضوح أننا لا نكره أحدا على الخروج عن دينه، ولا يكرهنا أحد على الخروج من ديننا، فالحرية مضمونة بشرط أن لا يتعدى أحد على غيره، وإلا فيكون للمعتدى عليه حق النضال في سبيل إرجاع الحرية لحدودها القانونية” (مقاصد الشريعة ومكارمها، ص288). ويتفق ابن عاشور والفاسي هنا على أن الردة لا تدخل في نطاق الحرية وأن المرتد حكمه القتل، ويعلل الفاسي ذلك بأنه “لحماية بيضة الطائفة الإسلامية ممن يكسر وحدتها ويضر بها” (مقاصد الشريعة ومكارمها، ص289)، بينما يعلله ابن عاشور بمقصد تطهير الجامعة من عروق الأدواء المهلكة… لئلا يتوهم الداخل في الإسلام بأن يدخله تجربة فإن وافق أهواء أعماله استمر فيه وإلا انخزل عنه” (أصول النظام الاجتماعي، ص161).
12- وحول حرية الرأي والتفكير يقرر ابن عاشور “للمسلم أن يكون سنيا سلفيا، أو أشعريا أو ماتريديا، وأن يكون معتزليا أو خارجيا أو زيديا أو إماميا. وقواعد العلوم وصحة المناظرة تميز ما في هذه النحل من مقادير الصواب والخطأ، أو الحق والباطل. ولا نكفر أحدا من أهل القبلة” (أصول النظام الاجتماعي، ص161)، ويضيف ابن عاشور في موضع آخر من الكتاب أن المجتمع الإسلامي الأول نشأ “على إطلاق الرأي والنظر في العلم في دائرة الأصول الإسلامية ولم يردع أحد عن رأي أو نحلة، ولكنه إن أخطأ أحد يبيَّن له خطؤه أو تقصيره بالتي هي أحسن إلا إذا تبين منه قصد التضليل” (أصول النظام الاجتماعي، ص164).
13- ومما يدخل في هذا الإطار أيضا ما ذكره الطاهر ابن عاشور في قسم المقاصد الخاصة من كتاب المقاصد ضمن المقاصد المتعلقة بحقوق العمال، من أن من مقاصد الشريعة في هذا المجال “التحرز مما يثقل على العامل في هذه العقود، لكي لا يستغل رب المال اضطرار العامل إلى التعاقد على العمل فينتهز ذلك للتجاوز في أرباح نفسه” (مقاصد الشريعة، ص184)، وأيضا “الابتعاد عن كل شرط أو عقد يشبه استعباد العامل، بأن يبقى يعمل طوال عمره أو مدة طويلة جدا بحيث لا يجد لنفسه مخرجا” (مقاصد الشريعة، ص186).
ويناقش ابن عاشور والفاسي النظام السياسي في الإسلام والديمقراطية وحقوق المرأة، وقضايا أخرى كثيرة متفرعة عن مسألة الحرية، وقد أعرضنا عن ذكرها خشية التطويل، واكتفينا بالنماذج السابقة فهي تكفي لبيان منطقهما ورؤيتهما للحرية.
14- وإذا كان موضوع الحرية هو أحد المحاور البارزة بل هو المحور البارز في تفكير ابن عاشور والفاسي فإن الموضوع الثاني الذي كان هو الآخر مهيمنا على تفكيرهما وهما يكتبان عن مقاصد الشريعة هو “السماحة” أو “اليسر” أو “التوسط والاعتدال”. مع أنهما قد سبقهما الشاطبي إلى الحديث عن هذا الموضوع كما ذكرنا طرفا من ذلك في المقال الماضي..
15- يعرف ابن عاشور السماحة بأنها “سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وهي راجعة إلى معنى الاعتدال والعدل والتوسط” ويضيف علال الفاسي أن “الإسلام عدو للانحلال ولكنه كذلك عدو للتزمت، وقد قاوم الرهبانية ونهى عنها، ولكنه طالب بإقامة الشعائر والتمسك بأهداب الطاعة، وهذا الأخذ بالرفق في شؤون الدين، يصبغ على المسلم خلق الأخذ بالعفو في كل المسائل” (مقاصد الشريعة ومكارمها، ص230).
ويصف ابن عاشور السماحة بأنها هي “أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها” ويؤكد أن “استقراء الشريعة دل على أن السماحة واليسر مقصدان من مقاصد الدين” (مقاصد الشريعة، ص58 – 59)، ويضيف “للسماحة أثر عظيم في انتشار الشريعة وطول دوامها، فعلم أن اليسر من الفطرة؛ لأن في فطرة الناس حب الرفق” (مقاصد الشريعة، ص60)، ويؤكد أن “قوام الصفات الفاضلة والفطر السليمة هو الاعتدال في الأمور وأن النزوع إلى طرفي الغلو والتقصير أو الإفراط والتفريط، إنما ينشأ عن انحراف في الفطرة” (أصول النظام الاجتماعي، ص20).
16- من ناحية أخرى وفي ذات السياق يقرر ابن عاشور أن الشريعة ليست بنكاية، ولذلك “لم يجز أن تكون الزواجر والعقوبات والحدود إلا إصلاحا لحال الناس بما هو اللازم في نفعهم دون ما دونه ودون ما فوقه؛ لأنه لو أصلحهم ما دونه لما تجاوزته الشريعة إلى ما فوقه؛ ولأنه لو كان العقاب فوق اللازم للنفع لكان قد خرج إلى النكاية” (مقاصد الشريعة، ص98).
17- هذا المقصد الكبير من مقاصد الإسلام الذي وصفه الشاطبي بأنه “معظم الشريعة وأم الكتاب”، ووصفه ابن عاشور بأنه “أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها” هو الذي التقطه علامة العصر الإمام المجدد يوسف القرضاوي فأسس عليه فقهه وبنى عليه مدرسته الفقهية والفكرية والدعوية، التي أصبحت مدرسة ذات منهج أصولي وفكري واضح المعالم. والقرضاوي -بشهادة أحد أبرز المتخصصين في المقاصد في هذا العصر الدكتور أحمد الريسوني- هو “أحد فقهاء الإسلام المبرزين في مجال مقاصد الشريعة، تنظيرا وتحقيقا وتنزيلا وتطبيقا…” (الريسوني، من أعلام الفكر المقاصدي، ص101).
18- أما المحور الثالث من محاور هذا السفر فهو الفطرة، بمعنى أن هذه الشريعة جارية مقاصدها على مقتضى الفطرة، وكما قال الإمام الشاطبي رحمه الله إن “هذه الشريعة أمية” يقال هنا أيضا إن “هذه الشريعة فطرية”. والأمية والفطرية معنيان متقاربان؛ فالأمية تعني أن الشريعة جارية على معهود العرب الأميين والفطرة تعني أنها جارية على مقتضى الفطر السليمة، والعرب كانت فطرتهم سليمة لبداوتهم وبعدهم عن الأمم المتحضرة التي أفسد تعقد الحضارة وتشعب فنونها فطرهم.
19- والفطرة عند ابن عاشور هي ما فطر “عليه الإنسان ظاهرا وباطنا أي جسدا وعقلا” (مقاصد الشريعة، ص55) من “الانفعالات الحاصلة لنفوس البشر في حالة سلامة النفوس من اكتساب التعاليم الباطلة والعوائد السيئة، وهي أساس النظم التي أقيمت عليها الحضارة الأولى في البشر من توخي الصلاح ودرء الفساد وإصابة الحق” (أصول النظام الاجتماعي، ص16). وهي عند علال الفاسي قدرة الإنسان على اكتساب المعرفة؛ “استعدادا للمدنية، ومرونة على الطاعة، إلى جانب ما له من حواس يدرك بها المرئيات والمسموعات والمتصورات، وحب في الاستطلاع يهديه إلى بعض المعرفة وبعض السلوك، كل ذلك ليقوم بأفعال خاصة به كإنسان تميزه عن غيره من الحيوانات، منها العادة ومنها العبادة” (مقاصد الشريعة ومكارمها، ص87).
20- والفطرة عامل مرجح، ينبغي الرجوع إليه عند تعارض الأدلة واستواء طرفي الدليل، وفي هذا يقول ابن عاشور “إذا تعارض فعلان أو خاطران مما تقتضيه الفطرة وجب اختيار أعرقهما في المعنى الفطري، أو أدومهما، أو أشيعهما في الناس، أو أليقهما بالإشاعة في البشر؛ على أنه إذا أمكن رعي أحد الفعلين في بعض الأزمان أو بعض الأمكنة أو لبعض الأمم ما دام لمقتضيه مساس بحاجة الناس الملحة وجب رعيه، فإذا ضعفت الحاجة إليه رجع إلى غيره، وهذا أدق مقام يقوم فيه الناظر في تشريع الإسلام”. ابن عاشور، (أصول النظام الاجتماعي، ص19)، كما أنها معتبرة في ما يقع فيه التفاوت بين البشر “فكل ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه بين الناس، فالإسلام يرمي فيه إلى المساواة، وكل ما شهدت الفطرة بتفاوت المواهب البشرية فيه فالإسلام يعطي ذاك التفاوت حقه بمقدار ما يستحقه” (أصول النظام الاجتماعي، ص135).
21- ولكن من يحق له تحديد أن هذا من الفطرة، وهذا خارج عن الفطرة؟ على هذا السؤال يجيبنا ابن عاشور بأن “المخاطبين بتمييز الفطرة عن غيرها هم العلماء والحكماء أهل العقول الراجحة، فلا يعوز هؤلاء تحقيق معنى الفطرة وتمييزها عما يلتبس بها من المدركات والوجدانات” (مقاصد الشريعة، ص56).
22- من الحق أن يقال إن شيخ الإسلام بن تيمية سبق ابن عاشور وعلال الفاسي إلى الكلام في هذا الموضوع وبلورة معانيه، ومن ذلك قوله “والقول كلما كان أفسد في الشرع كان أفسد في العقل، فإن الحق لا يتناقض، والرسل إنما أخبرت بالحق، والله فطر عباده على معرفة الحق، والرسل بعثت بتكميل الفطرة لا بتغيير الفطرة”. (منهاج السنة النبوية، ج1 ص155)، ومن ذلك قوله إن “الفطرة تعلم الأمر مجملا والشريعة تفصله وتبنيه وتشهد بما لا تستقل الفطرة به” (مجموع الفتاوى، ج4 ص45)،
23- هذا المعنى هو الذي التقطه المرحوم الدكتور فريد الأنصاري وجعله عنوانا لكتابه “الفطرية بعثة التجديد المقبلة” وأكد أن هذا الكتاب هدفه هو تقرير الفطرية “بما هي منهاج في العمل الدعوي، قائم أساسا على أصول الفطرة، كما هي معروضة في القرآن الكريم والسنة النبوية” (الفطرية، ص14).
24- بقي الكثير مما ينبغي أن يقال في حق هذا السفر المعرفي العظيم بأجزائه الثلاثة، ولكن المقال قد طال، فنكتفي بهذا القدر من السرد، وهو في نظرنا كاف لإعطاء صورة عن منهج تفكير ابن عاشور وعلال الفاسي. ونشير في الختام إلى أن الاقتباس من نصوص ابن عاشور كان أكثر من الاقتباس من نصوص الفاسي، وذلك يرجع لأمرين: أحدهما هو أننا رجعنا لكتابين لابن عاشور في مقابل كتاب واحد للفاسي، والثاني أن ملاحظات ابن عاشور في هذا المجال أغزر من ملاحظات الفاسي. والله الموفق.



