الأربعاء 5 غشت 2026
  • إتصل بنا
أواصر
No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
No Result
مشاهدة جميع النتائج
Awaser.net
No Result
مشاهدة جميع النتائج

التدين الإسلامي في زمن الأوبئة بين الخرافة والعقلانية (كورونا نموذجا)

امحمد جبرون by امحمد جبرون
23 يونيو 2021
الحجر الصحي
0
SHARES
66
VIEWS
شاركه على الفايسبوكشاركه على تويتر
طباعة 🖨

مقدمة:

إن التدين كنشاط إنساني – عملي، وصفة لازمة للمتدينين في كل الأحوال يتأثر بالظروف التي يمر بها الأفراد والجماعات سواء كانت هذه الظروف سيئة أو حسنة، عادية أو استثنائية، شأنه شأن سائر مناشط الحياة الأخرى الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية… وهذه الظاهرة ليست خاصة بدين معين أو جماعة بشرية محددة، بل هي ظاهرة إنسانية عامة تمس سائر الأديان والشعوب شرقا وغربا. ومن ثم، فالأديان بما فيها الإسلام تتجاوب مع الظروف باختلافها من خلال التدين، وتقدم أجوبتها للعموم، فعلى سبيل المثال في ظروف الكوارث الاجتماعية من قبيل الزلازل، والأوبئة، والفيضانات، والقحط والجفاف.. تنشط حاسة التأويل الديني للأوضاع لدى المتدينين عموما، وتقدم قراءتها وبيانها للناس، ولدينا في التاريخ الإنساني أمثلة كثيرة عن هذا النشاط التأويلي.

وإذا كانت ظاهرة تأثر التدين بالأوضاع والوقائع أمرا طبيعيا، ومفهوما، لا يثير أية مشكلة مبدئيا، فإن تقييم أشكال هذا التأثر كما تتجسد واقعيا، وتقييم مظاهره، وبعض أنماط السلوك التي تزدهر وتتعزز في بعض البيئات، ولدى بعض الجماعات يثير بعض المشاكل، ويطرح بعض الأسئلة الوجيهة. وتتعلق هذه المشاكل بالدرجة الأولى بإخراج التدين من إطاره الطبيعي باعتباره آلية لتحقيق التوازن النفسي والروحي في مواجهة أزمة أو ظرف معين، وذلك من خلال حزمة عقدية كعقائد الأمل والرجاء في الله، والإيمان برحمة الله الواسعة، وتكفير الذنوب والمعاصي… وتحويله إلى آلية لتكريس السلبية اتجاه الأزمات، حيث يتحول الدين والتدين إلى معطل لإرادة الإنسان، ومقيد لمبادراته في مواجهة الأزمات، وذلك بتجاهل السنن والقوانين التاريخية والعقلية النافذة، ومدح الاستسلام والرضى السلبي.

ومن ثم، واستنادا إلى هذا الفهم لأدوار الدين في الظروف الصعبة، يلجأ الكثير من الناس من طبقات وفئات مختلفة إلى تديين التعاطي مع الأزمات، سواء من حيث فهمها وتفسيرها باعتبارها عقابا وجزاء من الله على ما اقترفه الإنسان من جرم ومعاصي، أو من حيث الحلول والوسائل التي يقترحونها لتجاوزها، والتي ترجع بالأساس إلى التوبة والاستقامة على طريق الله عز وجل.

إن ظاهرة تديين التعاطي مع الأوبئة فهما وحلا، من الظواهر السلبية الخطيرة التي تنتشر في المجتمعات المتخلفة أكثر من غيرها، بما فيها عدد من المجتمعات الإسلامية. وقد برزت في الآونة الأخيرة أمارات عدة لمثل هذا التعاطي. وتضر هذه الظاهرة بالصحة العقلية والجسمانية لهذه المجتمعات، وتزيغ بها عن وجهتها الصحيحة، فبدل اجتهاد هذه المجتمعات في الفهم الموضوعي والعلمي للوباء، والتفاني في البحث عن الحلول المعقولة له، تجدها تعول على القدرة الإلهية، وتلح في طلب الله، أن يرفع عنها البلاء، ويعجل بإنزال الدواء، دون أن تقوم بالواجب العملي والعقلي.

 إننا في هذه المقالة سنحاول أن نناقش ظاهرة التعاطي الديني مع الأوبئة في المجال الإسلامي، وطبيعة التدين الذي يتأسس على ذلك؛ ثم السعي استنادا إلى ذلك إلى استجلاء المنظور القرآني للتدين في زمن الكوارث والأوبئة.

 

l- التدين الإسلامي زمن الأوبئة: إطلالة على الموقف الشرعي للمسلمين من الوباء

إن الأوبئة في بلاد الإسلام ليست ظاهرة حديثة وجديدة، بل هي ظاهرة مألوفة، وقديمة، فلا تخلو حقبة أو عصر من عصور الإسلام من أخبار وأنباء عن وباء قاتل ضرب هذا البلد أو ذاك جزئيا أو كليا. وكانت بعض البلاد الإسلامية خلال العصر الوسيط تعاني بشكل دوري من الأوبئة القاتلة كالطاعون، والكوليرا وغيرهما من الأمراض. وكانت هذه الأمراض تتزامن في العادة مع ظروف لا تقل قسوة عنها كالجفاف والقحط أو الجراد… وقد ألف عدد من القدامى والمحدثين في هذه الظاهرة، وتركوا لنا أخبارَ هذه الأوبئة، وردود فعل العلماء والناس عليها، والتي لا زالت متداولة بيننا إلى اليوم، وسنقف مع بعضها في هذه المقالة.

لقد تعرّض فقهاء المسلمين وعلماؤهم إلى ظاهرة الأوبئة وخاصة وباء الطاعون الذي كان مشهورا في بلاد الإسلام وخارجها خلال العصر الوسيط، وأشاروا على عامة المسلمين بما يجب فعله، واعتقاده في ظروف الوباء، واستعانوا في هذا الباب بعدد من آي القرآن الكريم، وآثار النبي عليه السلام. ونسوق في هذا الباب ثلاث أمثلة دالة على طبيعة ردود الفعل الشرعية والأخلاقية على الأوبئة، التي حددت بشكل عام اتجاهات تدين المسلمين في الظرفية الوبائية، ويتعلق الأمر بابن قيّم الجوزية، وجلال الدين السيوطي، وأحمد بن عجيبة.

– ابن قيّم الجوزية (ت. 751هـ): جمع ابن القيّم في كتاب «الطب النبوي» عددا من آثار النبي صلى الله عليه وسلم، الدالة على وجوب التداوي، والأخذ بالأسباب والمسببات بدل تعطيلها، من ذلك على سبيل المثال قول النبي (ص) «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواءُ الداء: برأَ بإذن الله»، وقوله عليه السلام «ما أنزل الله من داء إلا أنزلَ له شفاء»، وقوله أيضا عن أبي خزامة، قال: «قلت يا رسول الله، أرأيت رُقىً نَسْتَرْقِيها، ودواءً نَتَدَاوَى بِه، وتُقاةً نَتَّقيهَا، هل تَرُدُّ من قدرِ الله شيئا؟ فقال هي من قدر الله».[1]

لقد رأى ابن القيم في هذه الأحاديث وغيرها أمرا بالتداوي، والبحث عن أدوية الأمراض، بل أكثر من هذا اعتبر من لم يسعى في إيجاد الدواء أو استعماله لمقاومة الأمراض مختل العقيدة، ناقص الدين، فبحسبه لا تتم «حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا».[2]

وإلى جانب الأدوية الطبيعية والأسباب المادية في التعاطي مع الأمراض تحدث ابن القيّم عن «الأدوية الروحية»، التي لا تقل أهمية أو تأثيرا عن الأسباب المادية، فبحسبه: الثقة بالله، والاستعانة به، وعموم العوامل النفسية لها تأثير في العلاج وتساعد عليه، فالأرواح «متى قويت، وقويت النفس والطبيعة، تعاونا على دفع الداء وقهره».[3] وهذا الأمر ملحوظ ومعترف به إلى اليوم.

– جلال الدين السيوطي (ت. 911هـ): يقدم السيوطي في كتاب «ما رواه الواعون في أخبار الطاعون» فهما آخر لظاهرة الأوبئة من منظور إسلامي، وكيف يمكن التصرف معها، وخاصة وباء الطاعون. فقد نفى عنه الصفة الطبيعية، واعتبره من تأثير الجنّ، وجادل الأطباء حول حقيقته، كونه من فساد الهواء، وردّ عليهم. كما اعتبره عقابا من الله، ومن أثر المعاصي والفواحش كالزنا وغيرها، بل الأغرب من هذا كله إنكاره لرفع اليد بالدعاء والتضرع إلى الله برفع البلاء فرادى وجماعات، واعتبر ذلك بدعة.

ومن ناحية أخرى، ذهب السيوطي مذهبا سلبيا في تفسير أحاديث الحجر الصحي التي جاءت في أحاديث الطاعون، كقوله عليه السلام «إذا وقع -يعني الطاعون- بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا، فإن الموت في أعقابكم، وإذا وقع بأرض فلا تدخلوها فإنه يحرق القلوب»، حيث اعتبر الخروج من البلاد الموبوءة نوعا من الفرار، الذي ينم عن ضعف في الإيمان، ومعصية. واستدل في هذا السياق بتفسير ابن عبد البر (ت. 463هـ) لهذا الحديث، الذي جاء فيه: «النهي عن الخروج للإيمان بالقدر، والنهي عن القدوم لدفع ملامة النفس».

وعموما نحا السيوطي في حديثه عن الوباء منحى سلبيا، فهو من جهة اعتبره غير طبيعي من حيث الأسباب، وأنه قدر لا مفر منه، ولا يجوز بحال من الأحوال الفرار منه، بل وجب الاستسلام له.[4]

– أحمد بن عجيبة (ت. 1808م): يعتبر هذا العالم المغربي من مشايخ التصوف الكبار. أسس طريقة صوفية واسعة الانتشار بالمغرب (الطريقة العجيبية) لا زالت حاضرة إلى اليوم. وهو صاحب رسالة قصيرة عنوانها «سلك الدرر في القضاء والقدر»، ألفها للردّ على العلماء المناصرين لإجراءات الحجر الصحي والاحتياط من الوباء، وذلك بغلق أبواب المدن، والابتعاد عن المصابين، وعدم الاقتراب منهم. وتزامن صدور هذه الرسالة مع وباء 1798م بالمغرب.[5]

لقد اعتبر أحمد بن عجيبة الأوبئة وغيرها من المصائب أقدار الله التي يجب التسليم بها والاستلام لها، وأي شكل من أشكال الهروب منها أو مقاومتها دليل على اختلال العقيدة وانحرافها، فالموت على سبيل المثال لا شيء من الأسباب مؤثر فيه، كالوباء وغيره، ما دام الله عز وجل هو الذي يحيي ويميت. واستدل على ذلك بكثير من الآيات والأحاديث. ويُعرِّف بن عجيبة الوباء على النحو التالي، فهو «عند الأطباء فساد الهوى والوخم، وعند أهل السنّة وخز الجن، أي طعنه»،[6] ومن ثم فالوباء بالتعريف الديني (السنّي) غير قابل للعلاج، وظاهرة غيبية لا تنفع معها الأسباب.

ويصل هذا الخطاب الاستسلامي حول الأوبئة ذروته لدى بن عجيبة بنفيه العدوى، والطعن في دين من اعتقد بها. ومن بعض قوله في هذا المعنى «من أراد تربية اليقين، وتعلم القوة والشجاعة، فليذهب إلى محلها -يقصد محل العدوى- متوكلا على الله».[7]  

ومن الناحية السوسيولوجية وفي مقابل هذا الموقف العقدي من الأوبئة بتنويعاته المختلفة، تَتَزامَنُ فترات الأوبئة مع صعود مؤشرات التدين والإقبال على الله من خلال الإكثار من العبادات، والتضرع إلى الله بالدعاء، والمبادرة إلى الخير، والإنفاق في سبيل الله… وذلك استعدادا للموت، فمشاعر الخوف من الانتقال إلى الدار الاخرة، واتساع دائرة الإحساس بالذنب، بالإضافة إلى اعتقاد البعض أن ما أصابهم ما كان ليصيبهم لولا تفشي المنكرات.. يجعل الناس أكثر استعدادا لفعل الخير وإقبالا عليه مقارنة بالأحوال العادية، حين يكون الناس في مأمن من كل خوف.

وصفوة القول؛ إن الموقف الشرعي من الأوبئة الذي حكم تدين المسلمين وتحكم في سلوكهم عبر التاريخ تأرجح بين نزعتين رئيستين:

– نزعة عقلانية، حاولت ما أمكن فهم الوباء فهما عقلانيا، وألحت على إجراءات السلامة من قبيل الحجر الصحي، والتداوي..، ويعتبر موقف ابن قيّم الجوزية من أبرز المواقف المعبرة عن هذا المنزع في هذا السياق. وتدخل في هذا الباب إجراءات السلامة والأمن التي كان يطبقها حكام المسلمين من قبيل منع السفر والتنقل بين المناطق في زمن الأوبئة، وإغلاق أبواب المدن في وجه الغرباء والمسافرين..، وأيضا إجراءات العزلة الاجتماعية التي كان ينفذها الناس من تلقاء ذاتهم مخافة المرض، كإغلاق أبواب البيوت على أنفسهم، أو سكنى البوادي؛

– نزعة خرافية، تُعرف الوباء على أنه من طعن الجن، ومن آثاره، وبالتالي لا سبب مادي أو طبيعي وراءه، كما لا علاج طبيعي له. ويعتبر أحمد بن عجيبة بالدرجة الأولى ثم السيوطي بالدرجة الثانية خير من عبر عن هذا الموقف. وقد غدَّت هذه النزعة أنماط التدين الاستسلامي للأوبئة، وشجعت على عدم التزام الحجر الصحي، ومخالطة المرضى، وعدم التحرز… وهو ما كان يؤدي إلى تفاقم الوباء، وارتفاع ضحاياه، ومن ناحية أخرى أدت هذه النزعة أيضا إلى تعطيل أي تفكير علمي أو واقعي في ظاهرة المرض والعلاج.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق حتى الحجر الصحي بالمعنى الذي نتداوله اليوم، كشكل من أشكال مقاومة انتشار العدوى، فإن كثيرا من الفقهاء المتقدمين لم يكونوا يفهمونه على النحو الذي نفهمه اليوم، فلم يتعدى نظرهم كونه مظهرا من مظاهر الإيمان بقدر الله، وحملا للنفوس على الثقة به، وأيضا رأوا في السفر والحركة سببا لتفاقم المرض في ذات المريض وهلاكا لها، ولم يروا في ذلك سببا في انتشار العدوى،[8] ولهذا فالدلالة الجديدة لأحاديث النبي عليه السلام الدالة على المعنى الوقائي للحجر الصحي لم تكن مشهورة لدى المتقدمين.  

ll- المنظور القرآني للتدين زمن الأوبئة:

إن نمط التدين التقليدي في زمن الأوبئة -كما أسلفنا القول- كانت تغلب عليه بشكل عام صفة الاستسلام للوباء، وعدم الاجتهاد في مقاومته، وخاصة في الأزمنة المتأخرة التي سادت فيها المرجعيات الصوفية الاتكالية. غير أن هذا النمط مهما كانت المؤيدات الشرعية التي استعملها يبقى قراءة من بين قراءات أخرى ممكنة لمصادر الإسلام الرئيسة، ربما ساعد على ذيوعها وانتشارها ضعف الإمكانات والموارد الثقافية والعلمية لدى الناس في العصور الوسطى، وهو لا يمنع -اليوم- من ظهور قراءات جديدة متناسبة مع مستجدات العصر، ومتجاوزة لعادات التفكير الخرافي التي رسخت خلال العصور الوسطى.

يشكل القرآن مصدرا رئيسا لإعادة التفكير في التدين الموروث وبناء أنماط حديثة متوافقة مع العصر. وتشكل ظروف الأزمات والشدائد مثل أزمة وباء كورونا مناسبة مثالية لإعادة التفكير هاته. وتتأسس هذه المراجعة على مبدأ رئيس هو حفظ الحياة الإنسانية واستمراريتها، التي تشكل أحد المقاصد الكبرى للإسلام.

ومن ثم، إن العودة للقرآن في ظل هذه الظروف في أفق البحث عن مصادر وأسس جديدة للتدين غير تلك التقليدية، تحفظ النفس الإنسانية، وتقوي حظوظها في العيش المطمئن تقودنا إلى مصدرين رئيسين: مصدر عقدي، وتؤثثه مجموعة من المعتقدات والأخلاقيات المرتبطة بها؛ ومصدر سُنني، يستند إلى الاعتقاد بفعالية الأسباب ومسؤولية الإنسان عن مصيره.

– المصدر العقدي للتدين في زمن الأوبئة:

إن القرآن الكريم يزود الإنسان المؤمن بمنظومة اعتقادية متكاملة تمكنه من مواجهة الضغوطات النفسية الناجمة عن الأحوال والظروف التي تصحب عادة الأوبئة، وتقوي النفس البشرية على المقاومة والتجاوب مع العلاج. وتتألف هذه المنظومة من ثلاث معالم رئيسة: الأمل والرجاء؛ ورحمة الله الواسعة؛ والتضامن. وسنحاول فيما يلي بيان هذه المعالم باختصار غير مخل.

أ- الأمل والرجاء: إن الإنسان بطبيعته ميالٌ إلى اليأس والقنوط حال تعرضه للأزمات والشدائد، سواء كانت هاته الأزمات طبيعية كالجفاف والأوبئة..، أو بشرية كالحروب، والمظالم… وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة المتعلقة بالطبيعة البشرية في أكثر من مناسبة من أبرزها الآيتين الواردتين في سورتي فصلت والإسراء. قال تعالى: ﴿لا يسئم الإنسان من دعاء الخير، وإن مسّه الشرّ فيؤوس قنوط﴾ (فصلت، 48)، وقال سبحانه: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسّه الشرّ كان يؤوسا﴾ (الإسراء، 83).

إن الإنسان كمادة خامة يقع بسهولة فريسة لليأس والقنوط، وهو ما قد يؤدي به إلى الهلاك المعجل. ولعل سبب هذا اليأس والقنوط في كثير من الأحيان هو ما قد يراه الإنسان ويلحظه من انسداد للأفق، وغموض المستقبل، وتوارد المؤشرات السلبية على فكره.. ومن ثم، وفي أحلك الظروف، وفي أسوء اللحظات التي قد يقف الإنسان أمامها عاجزا عن الحركة والفعل، يجب أن يتشبث الإنسان المؤمن بالأمل، والتفاؤل، والإيمان بإمكانية التغيير والانفراج. وذكر الله عز وجل في محكم كتابه عددا من الآيات الدالة على هذا المعنى، ففي قصة يوسف عليه السلام، حافظ الأب يعقوب عليه السلام على جذوة الأمل في قلبه بلقاء ابنه، باعتبار ذلك من خصائص المؤمنين وصفاتهم الظاهرة، فاليأس والقنوط صفة الكافرين. قال تعالى ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (يوسف، 87).

ويتكرر الأمر نفسه في قصة إبراهيم عليه السلام عندما بشره الضيف بأن الله رازقه بغلام عليم، بعدما أمسى ذلك مستبعدا إن لم يكن مستحيلا بسبب كبره وزوجه. حيث عقب على البشارة بقوله: ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾ (الحجر، 56).

إن الله عز وجل يخبرنا من خلال أمثلة ملموسة أن اليأس والقنوط أسبق إلى نفس الإنسان ومزاجه بحكم إمكانات وحدود التفكير الإنساني- العقلي، ويخبرنا في الآن نفسه أن الإيمان كمصدر للتفكير يجب أن يحفظ جذوة الأمل في النفس، ويبقي على إمكانية الانفراج في المستقبل، فحالتي نبي الله يعقوب ونبي الله إبراهيم عليهما السلام دالة على هذا المعنى، فكلاهما بمقاييس التفكير البشري المقطوع الصلة بالإيمان والرجاء في الله يغذي التشاؤم واليأس والقنوط، غير أن إيمانهما جعلهما متفائلين بالمستقبل. وبالفعل تحققت رغبتهما وبأسلوب تاريخي واقعي وليس إعجازي.

ومن ثم، ففي ظروف الأزمات والأوبئة، كما هو حال البشرية اليوم مع وباء كورونا، ومهما ضاقت بالإنسان الأحوال، واشتدت الأزمة، فإن المؤمن يجب أن يتحلى بالأمل، والرجاء في الله، ويبتعد ما أمكن عن مشاعر اليأس والقنوط التي هي صفة لصيقة بالضالين والكافرين.

ب- رحمة الله الواسعة: إن الله رؤوف رحيم بعباده، فالبلاء مهما اشتد، وطال، فإنه زائل ومرتفع بإذن الله، وهكذا هي قصة الإنسان مع الشدائد والأزمات. فالله تعالى رحيم بعباده، وبالناس أجمعين. قال تعالى: ﴿ألم ترى أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾ (الحج، 63)، وقال أيضا: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء، 106)، وقال سبحانه: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾ (غافر، 6).       

 لقد غاص المفسرون في مسائل هذه الآيات، وبحثوا دلالة رحمة الله في علاقتها بعموم الناس، ففي تفسير قوله تعالى ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾ ذهب أغلب المفسرين إلى أن الله عز وجل رؤوف بعباده، رحيم بهم، والدليل على ذلك ما أغدق عليهم من فضله ونعمه بغير حساب، فسخر لهم الأرض وما عليها، ومهد لهم البحر بما فيه، وأمسك السماء أن تقع عليهم.. ولم يفرق سبحانه في هذا الباب بين المسلم وغيره.[9] ويعزز هذا المعنى قوله تعالى ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾، فبالرغم من سعي بعض المفسرين تفسير الرحمة في هذه الآية بأنها خاصة بالمتقين، بدليل تتمة الآية،[10] فإن التفسير الأرجح هو عموم الرحمة لسائر الخلق، قال ابن عاشور: «وأن العاصين هم أيضاً مغمورون بالرحمة، فمنها رحمة الإمهال والرزق، ولكن رحمة الله عباده ذات مراتب متفاوتة».[11]  

وقد أعطى القرآن أمثلة كثيرة عن رحمة الله بعباده بعدما ضاقت بهم الحياة، ومن أشهر هذه الأمثلة قصة أيوب عليه السلام، الذي عانى من المرض سنين عددا، وصبر، واحتسب حتى شفاه الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أنّي مسّني الضّرّ وأنت أرحم الرّاحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضرٍّ وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين﴾ (الأنبياء، 82، 83).  

ومن ثم، في ظروف الوباء، يجب أن يكون للمؤمن يقين في رحمة الله ولطفه بخلقه، وأن الضائقة مهما كانت قاسية، فإنها ستزول بحول الله عما قريب.

ج- التعاون والتآزر: إن من صفات المؤمنين التعاون والتآزر فيما بينهم، وخاصة في ظروف الأزمات والشدائد. فقد وصف الله تعالى حال المؤمنين في تعاضدهم وتلاحمهم بـكونهم «رحماء بينهم»،[12] يعطفون على ضعيفهم، ويأخذون بيده. وإذا كانت هذه الصفة مطلوبة في الأحوال العادية، فإن الحاجة إليها في ظروف الشدة أقوى.

ومن ناحية أخرى، لا تكتمل صفة التراحم والتآزر بين المؤمنين إلا بصفة أخرى لا تقل عنها شأنا وهي صفة التعاون، قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (الحجرات، 3).

وصفوة القول؛ إن هذه المعتقدات الثلاث وما يترتب عنها من واجبات أخلاقية تشكل أساس التوازن النفسي والروحي لمواجهة الضغوطات المرتبطة بالجوائح والأوبئة، فعلى سبيل المثال حال المؤمنين المتسلحين بالأمل والرجاء، المؤمنين برحمة الله وسعتها، المتعاونون المتضامنون في مواجهتهم لجائحة كورونا هم اليوم أفضل حالا، وأكثر اتزانا من غيرهم، الذين يقتلهم تدريجيا اليأس والإحباط قبل الوباء، ويتعاركون، ويتسابقون على أبواب المحلات التجارية لاقتناء ضرورات العيش دون اكتراث بالآخرين الذين لا يجدون سبيلا إلى ذلك بسبب الفقر، أو كبر السن، أو المرض..

– المصدر السُّنني:

إن القرآن الكريم والإسلام عموما لا يكتفي بتوفير أسباب الصمود والتحمل للإنسان المؤمن في ظروف الأزمات والشدائد، بل يتجاوز ذلك إلى دلالته على الأسباب المعقولة لتجاوز المحن، ويحفزه على المبادرة والعمل على تجاوزها. ومن ثم، فبخلاف عدد من الفهوم التقليدية لعقائد القضاء والقدر، والتوكل.. التي تساهم بشكل أو بآخر في تعطيل حواس الإنسان وقواه في مواجهة الشدائد، يتضمن القرآن دلائل قوية تدعو الإنسان المسلم لمواجهة الواقع بعقلانية، والبحث عن الخلاص التاريخي.

يقدم القرآن الحياة الإنسانية بصورة واقعية، وتاريخية، تنأى بالفكر عن التصورات الأسطورية، فأثناء حديثه عن حياة الأنبياء والرسل، وغيرها من القصص، وأيضا أسلوب عرضه لأحداث البعثة النبوية المحمدية.. ابتعد القرآن الكريم عن السرد الإعجازي، الذي قد ينفي الطابع الواقعي على الوقائع والأحداث، ويُظْهِر حدوثها مجردا من الأسباب والعِلل، وحصر المعجزات في وقائع محدودة ومعدودة.

إن كل سيرة النبي عليه السلام، وأخبار دعوته، واقعية، وتاريخية، تعزز التفكير العقلاني، والمبادرة الإيجابية لتجاوز التحديات والمحن، فقد تعرض عليه السلام للتكذيب، والطرد، والضرب، واضطر للهجرة، والاختباء من أعدائه، وخوض الحرب، وذاق النصر والهزيمة، وواجه الحصار، واضطر للتنازل، والتفاوض مع الأعداء والقبول بشروطهم.. كل هذه الأمور وغيرها كثير يدل دلالة قاطعة على وجوب الأخذ بالأسباب وتدبير الحياة بمسؤولية بما يحقق النجاة والعافية، بعيدا عن فكر الخوارق.

ومن ثم، فالمصائب سواء كانت هزائم، وانكسارات، أو أوبئة، أو قحط وجفاف، أو زلازل وفيضانات.. لها أسباب موضوعية طبيعية أو بشرية مرتبطة بتصرفات الناس. وإذا كانت الكوارث والأزمات الطبيعية لا يملك الإنسان التصرف في أسبابها إجمالا، ولها مسببات طبيعية فوق طاقة الإنسان، فإن عددا من الكوارث البشرية كالهزائم، وبعض الأمراض والأوبئة.. يتحمل الإنسان بتصرفاته جزءا من المسؤولية في حدوثها وتفشيها، وهي ليست وقائع نازلة من السماء. وقد كان القرآن واضحا في بيان المسؤولية البشرية في مثل هذه الأزمات، فقد قال سبحانه وتعالى في سورة الشورى، وفي سياق تاريخي محض يتعلق بالرزق، والغيث، والحياة على وجه الأرض..: ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ (الشورى، 28). وقال أيضا في سياق هزيمة غزوة أحد: ﴿أو لمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا. قل هو من عند أنفسكم. إن الله على كل شيء قدير﴾ (آل عمران، 165).

إن الإنسان إزاء هذا النوع من الأزمات من منظور القرآن مسؤول عن مصيره، ويجب أن يحتاط لنفسه، بل أكثر من ذلك وجب عليه العمل بمقتضى السنن والأسباب المعقولة، والمادية من أجل إنقاذ نفسه، وسائر الكائنات الأخرى التي تتقاسم معه الوجود. فلا يوجد في القرآن أو سنّة النبي ما يدعو لتجاهل الأسباب والقوانين الحاكمة للوجود الإنساني، ولا يوجد فيهما ما يدعو للاستسلام للظروف والأحوال وانتظار المعجزات، والتدخلات الماورائية، بل على العكس من ذلك كل الشواهد والأدلة تتعاضد فيما بينها لبيان مسؤولية الإنسان على نفسه، وكوكب الأرض الذي يحيى فيه.

إن الإنسان المسلم إزاء جائحة كورونا من منظور القرآن مطلوب منه أخلاقيا السعي بكل ما أوتي من قوة علمية ومالية من أجل القضاء على أسبابها المباشرة وغير المباشرة، ولا يجوز له التهاون في هذا الأمر الأخلاقي، والاستسلام للواقع، والتحلي بالانتظارية القاتلة. ويجب عليه أيضا العمل بكل الأسباب والحيل الممكنة لمحاصرة المرض، وتفادي تفشي العدوى بين الناس.

وصفوة القول؛ إن السلوك الديني للإنسان المسلم (التدين) في زمن الأوبئة، وفي ضوء المصدرين السالفين، يكون أكثر رشدا، وإيجابية مقارنة بأنماط السلوك التقليدي التي كانت تنزع إلى الخرافة، وتتسم بالسلبية، فعقيدة الأمل والرجاء في الله، والإيمان برحمته الواسعة، وواجب التعاون والتآزر.. تجعل المسلم أكثر صلابة في مواجهة مشاعر الخوف والأفكار والتوقعات المتشائمة، كما أن عقيدة السُّننية، ومسؤولية الإنسان عن مصيره تجعل الإنسان المسلم مسؤول أخلاقيا عن السعي العلمي والمادي من أجل التغلب على الأوبئة، والعمل على القضاء عليها.

خاتمة:

إن التدين الإسلامي في زمن الأوبئة في الماضي عول كثيرا على عقائد القضاء والقدر لتحقيق التوازن النفسي للإنسان المسلم في مواجهة شبح الموت المحيط به، وفي هذا السياق انتعشت وازدهرت التأويلات الخرافية للوباء كالقول بأنه من فعل الجن، وغيرها من الأساطير. ولعل السبب وراء هذا النمط من التفكير والسلوك الناتج عنه هو الإحساس بالعجز أمام ظاهرة الوباء سواء من حيث أسبابها أو طرق العلاج والتخلص منها.

ومما يؤسف له أن هذا النوع من التدين والمرجعيات الفكرية المرتبطة به، التي كانت لها ظروفها وسياقاتها، لم ينقرض، ولم يذهب مع ما ذهب من عادات، بل لا زال حيا بيننا. وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة وبمناسبة جائحة كورونا عودة الكثير من الأدبيات التقليدية إلى الظهور التي تغذي الخضوع والاستسلام للوباء، بدل مواجهته، والتي تَمثَّل معظمها في الاستهتار بإجراءات الحجر الصحي، وباستعادة الكلام عن عقيدة القضاء والقدر، وكون الوباء عقاب من الله لبني الإنسان.. إلخ.

ولا يخفى أن هذا النمط من التدين يتسبب من جهة في إطالة أمد الوباء، والرفع من كلفته البشرية والمادية، ويتسبب من جهة ثانية في التراخي العلمي والمادي، والعزوف عن المشاركة في الجهود الدولية العلمية من أجل إيجاد علاج فعال للوباء.

إن هذه النزعة التَّدَيُّنِيَّة السلبية التي تجد أصولها في الأدبيات الشرعية للعصر الوسيط، والتي تنتشر في أوساط عريضة من المسلمين، وتدعمها بعض التيارات الدينية، لا يمكن مواجهتها ومحاصرتها سوى بِتَدَيُّن بديل: يعلي من شأن عقيدة الأمل والرجاء والرحمة، بدل عقيدة القضاء والقدر؛ ويَعْتَبِر الأسباب، بدل تعطيلها. وقد حاولنا في هذه المقالة بيان ملامحه العامة.


[1] ابن القيم، الطب النبوي، دار الفكر، بيروت، (ب. ت)، ص. 8-9.

[2] نفسه، ص. 10.

[3]  نفسه، ص. 7.

[4]  جلال الدين السيوطي، ما رواه الواعون في أخبار الطاعون، دار القلم، دمشق، (ب. ت)، ص. 147- 167.

[5] عبد المجيد الصغير، ملاحظات حول ردود فعل بعض مفكري المغرب العربي تجاه مشكلة الوباء والحجر الصحي في القرن 18 و19، (مجلة دار النيابة، السنة الأولى، العدد 2، س.1984، ص. 47- 51)، ص. 47.

[6] أحمد بن عجيبة، سلك الدرر، تحقيق عبد الحفيظ الغزواني، الناشر شكير البقالي، ط.1/ 2005، ص. 76.

[7]  نفسه، ص. 79.

[8]  ابن القيم، الطب النبوي، ص. 33.

[9] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج. 14، تحقيق عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط. 1/2006، ص. 441. ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج. 17، الدار التونسية للنشر، تونس، ط. 1984، ص. 365.

[10] القرطبي، الجامع، ج. 9، ص. 350. الطبري، جامع البيان، ج. 3، تحقيق بشار عواد معروف وعصام فارس، ج. 4، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط. 1/1994، ص. 507.

[11]  ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج. 9، ص. 130.

[12]  الفتح، 29.

وسوم: الإسلامالتدينالخرافةالرئيسيةالعقلانيةالوباء
امحمد جبرون

امحمد جبرون

كاتب وجامعي مغربي

التالي
الإحكام في أصول الأحكام

الظاهرية النقدية عند ابن حزم من خلال كتابه الإحكام في أصول الأحكام

أضف تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أقسام الموقع

  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

أحدث المقالات

  • استئناف الحكمة العرفانية: المسلمون الجدد وأزمتهم الروحية
  • هل تعيش الولايات المتحدة اليوم لحظة «السويس»؟
  • في عزاء الشيخ الكبير حمد بن خليفة
  • الابتسامة لغة عالمية
  • الرئيسية
  • من نحن
  • إتصل بنا

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر

No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر