عنوان الكتاب: «تحدي الرأسمالية: الإسلام والاقتصاد الأخلاقي»
العنوان الأصلي للكتاب باللغة الانجليزية: Islam and the Moral Economy
المؤلف: تشارلز تريب
الناشر: Cambridge University Press \ (النسخة العربية) مدارات للأبحاث والنشر
سنة النشر: 2006
ترجمة: د.محمود عبد الحليم
في كتابه «تحدي الرأسمالية: الإسلام والاقتصاد الأخلاقي» يتناول “تشارلز تريب” أستاذ السياسة بكلية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن أحد أبرز التحديات التي واجهت المسلمين في القرنين الماضيين ألا وهو تحدي الرأسمالية، من خلال بحثه في أشكال تعاطي المسلمين مع تلك الظاهرة التاريخية، ورصده العديد من ملامح تطور الفكر الاقتصادي الأخلاقي لدى مجموعة من المفكرين والفقهاء المسلمين منذ القرن التاسع عشر.
يقول تريب في مقدمة كتابه إنه عندما يفكر في طريقة تعاطي الإسلاميين مع الرأسمالية، تقفز إلى ذهنه صور متضاربة، إحداها مشهد برجي التجارة العالمي في نيويورك وقد أضرمت فيهما النيران في سبتمبر\ أيلول 2011، والمشهد الآخر هو واقع المصارف الإسلامية التي شهدت نموًا سريعًا في فترة السبعينات من القرن الماضي، على نحو دفع مؤسسات مصرفية عريقة مثل سيتي بنك (Citibank) وتشيس إنترناشيونال ( Chase international) إلى إنشاء فروع للمعاملات الإسلامية.
بحسب المنظور الذي يمدنا به “تريب” في كتابه لا تمثل الرأسمالية مجرد نظام اقتصادي وحسب، بل تمتد كذلك على ثلاث نطاقات ألا وهي: التصور، والإنتاج، والمؤسسات. في هذا السياق ارتبطت الرأسمالية بمفاهيم وقيم مثل الفردانية التي تعلي من شأن المصلحة الذاتية للفرد، والنفعية التي تقيّم أفعال الإنسان بحسب الفائدة التي تعود منها عليه، ونظرتها إلى جميع الأشياء بوصفها سلعًا بلا روابط أخلاقية قابلة لأن تخضع للملكية الخاصة وللحساب المادي. وقد ولدت هذه السيرورات تحولات هيكلية عالمية في المؤسسات البشرية مثل الأسواق والقوانين والدولة نفسها، حيث دخلت الرأسمالية بصفتها سيرورة وبنية تصورية في اشتباك مع طرق أخرى لرؤية العالم تمتد بجذورها في الموروث والنظام القيمي للمجتمعات والثقافات المحلية، ومن ثم أصبحت تلك السيروات عاملاً محفزًا للصراع والتفكك في النسيج التقليدي.
يقول المؤلف إنه رغم تبلور الرأسمالية داخل عالم أخلاقي وقانوني فريد وخاص بأوربا الغربية وحدها، إلا أنه خلال الثلاثمائة سنة الماضية استطاعت أوروبا من خلال سلطتها الاستعمارية حول العالم، فصل بعض الممارسات الرأسمالية عن القيود الاجتماعية والأخلاقية المحلية، وإعادة تشكيلها في صور مختلفة لتغدو أكثر قبولاً. ويشير إلى أنه رغم حضور السلع على سبيل المثال في نظام المقايضة منذ القدم، إلا أن سيرورات التسليع تحت راية الرأسمالية هيمنت على الحياة بصورة مدهشة، بفضل مؤسسة قديمة هي الأخرى، تحولت في الواقع الرأسمالي إلى مؤسسة مهيمنة على النظام الاجتماعي ككل ألا وهي السوق، الذي مارس هيمنة لا نظير لها حتى المستوى القيمي.
يقول “تريب” إن السيرورات الرأسمالية عندما نضعها بجانب بعضها البعض، نستطيع أن نفهم قدرتها على زعزعة النظام الأخلاقي، نتيجة نزعها الصبغة الإنسانية عن نظام يقوم على فكرة تسليع العمل، وقدرتها على دفع من يعملون في كنفها على التصرف حسب معاييرها، على نحو يفضي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وأنواع السلع والخدمات القائمة وإعادة صياغتها من جديد بحسب شروطها.
يُحلل “تريب” في كتابه الأسباب التي جعلت تلك الصورة -التي أشرنا إليها في البداية (مشهد 11 سبتمبر \ ازدهار المصارف الإسلامية)- تجد لها مسوغًا شرعيًا استنادًا للتراث والثوابت الإسلامية. وكيف تحول المسلمون في هذا السياق إلى قدوة لغيرهم في التعامل مع التحديات التي فرضتها الرأسمالية، من خلال الكتابات الفقهية للعلماء المسلمين حول الحياة التجارية والمالية، والعلاقة بين الإنتاج والسوق التي يقوم عليها الاقتصاد الرأسمالي، ومن خلال الأدبيات المعنية بالعلاقة بين التراث الفكري الإسلامي وما جاءت به الحداثة الغربية. وعبر طرح الفقهاء المسلمين أسئلة من قبيل: مدى اتساق البيوع الصورية مع البيوع الحقيقية، وأنواع البيوع وطبيعة الأشياء المشروع تبادلها. بجانب تعبيرهم عن المخاوف من تحول النقود منفصلة عن الأشياء التي تكسبها القيمة إلى سلطة طليقة تفتقر إلى الحس الأخلاقي.
ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول، يتناول الفصل الأول الذي يقع تحت عنوان (الإشكالية الاجتماعية) طورين متمايزين من أطوار الإمبريالية الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الأول هو مشهد اقتحام القوى الأوروبية لتلك المنطقة، والمشهد الثاني خروج تلك القوى الاستعمارية مخلفة وراءها دولاً من صنيعتها مرتبطة بنظام اقتصادي عالمي يعكس قيمها ومصالحها. بينما يتناول الفصل الثاني الذي يقع تحت عنوان (الإصلاحيون الاجتماعيون الإسلاميون) مواجهة المفكرين الإسلاميين لتحديات واقع العالم الإسلامي بعد الحرب العالمية الأولى وتنامي الشيوعية ومحاولة إصلاح المنهج الرأسمالي ليلائم احتياجات وتطلعات المسلمين من خلال التكافل الاجتماعي وتوجيه النقد لبعض جوانبه. ويتناول الفصل الثالث الذي يقع تحت عنوان (الاشتراكية الإسلامية) الكثير من طروحات المفكرين المسلمين في أربعينيات وخمسينات القرن الماضي التي حاولت أن تسند للدولة الدور الحاسم في إصلاح الرأسمالية ودفع غوائلها عن المجتمعات الإسلامية.
ويتناول الفصل الرابع من الكتاب الذي جاء تحت عنوان (الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية) ظهور فكرة الاقتصاد الإسلامي كحل في مواجهة السجل غير المشرف والمليء بالإخفاقات لإدارة الدول للاقتصاد الوطني في العالم الإسلامي، وتحول تلك الفكرة إلى حقل اقتصادي متخصص يرسي الأسس والقواعد الأخلاقية لاقتصاد كفء وفعال.
وأخيرًا يتناول الفصل الخامس من الكتاب الذي يأتي تحت عنوان (مخزون المقاومة: المناهضة الإسلامية للرأسمالية) الرفض الحاد لسيد قطب وعلى شريعتي للعالم الذي أوجدته الرأسمالية الغربية، واعتقادهم بأنه من الضروري من الناحية المعرفية أن يكون التصور الإسلامي مقطوع الصلة بغيره من النظم الفكرية، وخلق هذا المنظور استجابة إسلامية أخرى أكثر جذرية في مواجهة الرأسمالية، اشتبكت في صراع رمزي معها، تَطَور إلى العنف المادي الملموس في بعض الأحيان.
ختامًا، يسعى “تريب” من خلال هذه الدراسة كما يقول إلى الإحاطة بمنطق الأفكار التي دفعت المفكرين والفقهاء المسلمين لهذا التعاطي النقدي مع الرأسمالية من المنظور الديني والموروث التاريخي الإسلامي، وإلى فهمه بالصورة التي ظهر بها كاستجابة أصيلة للتعاطي مع تلك الظاهرة العالمية والتكيف معها؛ لذلك يمثل هذا الكتاب مصدرًا جيدًا لفهم المسارات التاريخية التي تمكن من خلالها عدد من المفكرين والعلماء المسلمين من الحفاظ على عقيدتهم، والاندماج في الوقت نفسه في الواقع العالمي الذي شكلته الرأسمالية وصاغت جوهر حركته التاريخية.



