الثلاثاء 4 غشت 2026
  • إتصل بنا
أواصر
No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
No Result
مشاهدة جميع النتائج
Awaser.net
No Result
مشاهدة جميع النتائج

حوار مع الدكتور ساري حنفي بمناسبة صدور عمله “علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة”

التحرير by التحرير
19 ماي 2021
حوار مع الدكتور ساري حنفي بمناسبة صدور عمله “علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة”
0
SHARES
910
VIEWS
شاركه على الفايسبوكشاركه على تويتر
طباعة 🖨

1 – ما هي الفوارق البنيوية د. ساري بين التفكير من داخل الدين وعلوم الشرع والتفكير داخل إطار العلوم الاجتماعية وكيف يمكن الربط وتحقيق التكامل المعرفي بينهما؟

– الفرق غالبا في المناهج (طرق البحث) والمصادر المعتمدة. في العالم العربي غالبا ما اعتمدت علوم الشرع على التعامل مع النصوص المقدسة والتراثية بأدوات معرفية فيها تغليب للنقل عن الفقهاء القدامى بدل إعمال مقاصد الشريعة، وبالتالي دون قراءة الواقع الذي سيتنزل عليه النص. أما العلوم الاجتماعية فلها طرق بحث استقرائية للواقع اعتمادا على نظريات في كل اختصاص. وكلاهما بحاجة للآخر. فكيف يمكن إعمال مقاصد الشريعة بدون حد أدنى من معرفة من أين تؤخذ المعلومة من العلوم الاجتماعية؟ وكيف يقرأ جدولا إحصائيا؟ وما هو تأثير الأنظمة المعرفية المختلفة من التراث والعولمة على فهم الإنسان اليوم لحياته وتحديد ما هو الخير العام. وكيف يمكن لباحث اجتماعي أن يتعامل مع واقع تكون فيه ثقافة المواطن هناك مربوطة عضويا بالدين والتدين، بدون الفهم الأدنى لعلوم الشرع؟ وكيف يتعامل الإنسان مع معينه التراثي ويوجهه من حيث يدري أو لا يدري؟  

2- أشرتم د. ساري لوجود خبرة شخصية دفعتكم لتأليف هذا الكتاب كما جاء في مقدمته، فما هي قصة تأليف هذا لكتاب؟

تبدأ قصةُ هذا الكتاب من تجربتي الشخصية ومروري بأنظمةٍ معرفيةٍ مختلفةٍ أغنتني شخصيًّا، إلَّا أنني شعرتُ بحجم الشروخ بين نخبٍ تتخاصم وفي أحسن الأحوال تتجاهل الواحدة الأخرى ولا تتحدَّث معها. لقد نشأتُ في عائلةٍ متدينةٍ ومحافظةٍ في أحياء مدينة دمشق ومخيمها (مخيم اليرموك). ويرجع الفضل لأخويَّ الكبيرين محمد وثائر، وعميَّ صلاح وخالد، الذين سمحوا لي بمواكبتهم في دروسهم الدينية منذ نعومة أظفاري في السبعينيات من القرن الماضي. وقد كنتُ فضوليًّا، حتى إنني كنتُ أحضر لمشايخ ينتمون لمدارس مذهبية وفكرية متناقضة، مثل الشيخَيْن محمد سعيد رمضان البوطي (1929-2013) ومحمد ناصر الدين الألباني (1914-1999) رحمهما الله، وكان الخلاف يشتدُّ بينهما وبين جماعتيهما، لدرجة الكُره والتكفير في بعض الأحيان. وأذكر أن البوطي نعت الألباني بـ “الأعجمي”، مشيرًا إلى أصله الألباني. إلَّا أن وعيي بالفكر الإسلامي بدأ يتطوَّر مع القراءة لمالك بن نبي (1905-1973) أولًا (بدفعٍ من عمَّتي عفاف)، وجودت سعيد (وُلِدَ عام 1931)، ومحمد عمارة (1931-2020)، ومحمد قطب (1919-2014)، وسيد قطب (1906-1966)، وسعيد حوى (1935-1989). وبالطبع، فإن وعيي السياسي المزدوج – ضد استبداد النظام البعثي السوري وكولونيالية المشروع الصهيوني الإسرائيلي – قد جعلني أنخرط تنظيميًّا وفكريًّا في مجموعاتٍ سياسيةٍ أقرب وصفٍ لها هي أنها يسارية. وهناك قرأتُ بنَهمٍ لمحمد عابد الجابري، وحسن حنفي، ومحمد أركون، ثم عبد الله العروي، وهشام جعيط، ومنير شفيق، وميشيل فوكو، وآخرين. ومع ذلك، فلم أقطع مع بعض الشخصيات الإسلامية، حيث لعبتُ دورًا مع صديقي الحميم المهندس صفوان الموشلي في الترويج لأفكار بعض مفكِّري اليسار المهتمين بالتراث العربي-الإسلامي. وكان لصديقي صفوان (ابن السلمية، حيث تتفاعل التوجهات اليسارية المعارضة من رابطة العمل الشيوعي والحزب الشيوعي-المكتب السياسي، وكذلك بعض التيارات الفكرية الإسلامية الإخوانية والمنفتحة) الفضلُ في نضجِ توجهاتي. فقد كنتُ أهرب من دمشق وضوضائها إلى السلمية عند صديقي صفوان، وما زلتُ أذكر قراءتنا لمانفستو ماركس وإنجلز في ليلة القدر! وكذلك قد زاوجنا معًا بين دراستنا للهندسة المدنية وعلم الاجتماع، وذلك بطريقة غير قانونية، حيث يمنع نظام الجامعة من الجمعِ بين اختصاصَيْن في آنٍ واحدٍ. لم نكن نبحث آنذاك عن فهم العالم فقط، ولكن نسعى لتغييره (كما هي مقولة ماركس الشهيرة).

ولا يمكن أن أنسى الساعات الطويلة التي قضيتها أنا وصفوان مع الشيخ جودت سعيد في قريته بئر عجم في جنوب سوريا، حيث تناقشنا في فكر الجابري وأركون وحسن حنفي وميشيل فوكو. ومن الطريف القول: إننا كنَّا نجلب الكتبَ لقريته ونرجع بالعسل، حيث اشتهر سعيد بإنتاجه العسل اللذيذ في سهول القنيطرة وهضابها. وتتجلَّى أهمية جودت سعيد – غاندي الهوى في نظريته اللاعنفية – في انخراط أهم اتباعه في الثورة السورية في بعض الأرياف الدمشقية كداريا والغوطة. وقد أسَّستُ مجموعة قراءة للكتب في مخيم اليرموك مؤلَّفة من بعض الشباب الذين ترعرعوا في بوتقة دينية، وشعروا بالتَّوقِ لتجديد الفكر الإسلامي، وهاجسنا هو سؤال شكيب أرسلان: “لماذا تأخَّر المسلمون؟ ولماذا تقدَّم غيرهم؟”، حيث كنا نلتقي أسبوعيًّا لمناقشة كتبٍ كثيرةٍ. وأذكر أننا بدأنا بقراءة كتاب حسن حنفي “التراث والحداثة“، وكيف كنَّا ننتظر بفارغ الصبر الكتابَ الذي أعلن عن صدوره، وهو كتاب “من التراث إلى الثورة“. كنَّا نتخيَّل أن قراءتنا هذه ستهيئ الأجواء لهذه الثورة. وهكذا جاء النبأ السعيد أن هذا الكتاب (المؤلَّف من أربعة أجزاء) متاحٌ في لبنان عام 1980 (وهذه فترة الحماس، حيث أعطتنا الثورة الإيرانية دفعةً عظيمةً آنذاك). ومن ثَمَّ تحركت سريعًا إلى بيروت مستخدمًا بعض علاقاتي بفصيلٍ فلسطينيٍّ للتمكُّن من دخول لبنان عن طريقٍ خاصٍّ يُسمَّى “الطريق العسكري”، فالفلسطيني مثلي يعاني كثيرًا من إمكانية الذهاب إلى لبنان. وليس سرًّا أننا شعرنا آنذاك بأن العنوان الضخم لهذا الكتاب لم يولد إلَّا شيئًا متواضعًا. وربما هذه الحسرة قد استمرت حتى جاء الربيع العربي عام 2010. لقد كنَّا نبحث دائمًا عن فضاءٍ لتلاقي الأفكار المتباينة وتلاقحها. وبالفعل، أوجدها صديقٌ لنا متأثِّر بالشيخ جودت ومدرسته، وهو رجل الأعمال السوري الفاضل والمثقف عدنان الزرزور، الذي قرَّر بمساعدتي (ومساعدة صفوان) إنشاء مكتبة “الآفاق والأنفس” في قلب دمشق، وهو المكان الوحيد تقريبًا الذي كان يمكن الحصول لديه على كل الكتب التجديدية في الفكر الإسلامي، وذلك بالإضافة إلى انفتاحنا على كثيرٍ من الكتَّاب اليساريين من مهدي عامل، وصادق جلال العظم، والطيب تيزيني، وعلي أومليل، وحسين مروة وغيرهم. وقد تحوَّلت هذه المكتبة إلى بوتقةٍ للنقاش بين هذه الاتجاهات المختلفة، وكان ابن عمتي سعيد حجير مديرًا للمكتبة، حيث اعتاد استقبالنا برحابة صدره، وكان يشاركنا في النقاش بحماسه المعتاد، بالإضافة إلى إكرامنا بالشاي والقهوة. ولعل المكتبة قد شكَّلت ديوانًا، فهناك التقيتُ بكثيرٍ من المثقفين السوريين، وخاصةً من اليسار المعارض (علي نور الدين الأتاسي، وشكري الريان، والدكتور نوار عطفة، وعبد المجيد عرفة…إلخ)، قبل أن يسمح النظام بانعقاد دواوين لقيادات المعارضة ومفكِّريها (رياض سيف، والأتاسي…إلخ).

في هذا السياق، شعرتُ بأهمية هذه البوتقات الصغيرة لالتقاء الأفكار، ولكن شعرتُ أيضًا بالشروخ العميقة و”التكفيرية” بين النُّخب اليسارية (وغالبًا بين باحثي العلوم الاجتماعية والإنسانية) من جهة، والنُّخب الدينية من جهة أخرى. وسيأتي الربيع العربي ليُظهر هذا الشرخَ بشكل فاقع، مما جعل بعض اليساريين يلجؤون للجيش لتخليصهم من الصعود الشعبي للحركات الإسلامية، لتصبح القطيعة دمويةً (مصر مثلًا). وذلك على عكس محاولة الكثيرين الإشارة إلى دور القوى الخارجية في هذا الصراع. ومن ثَمَّ يبدو أن هذا الانفصال موجودٌ بموافقة ضمنيَّة من كلا الفريقين.

لقد ظهرت دلالات سوسيولوجيا القطيعة في أبحاثي السابقة، فعلى سبيل المثال لا توجد نقاشاتٌ بين المثقف اليساري والمثقف الديني في الصحف اليومية، وإذا شاهدنا نقاشًا بينهما في التلفاز فغالبًا ما يكون على شكل مصارعاتي مشهدي سجالي، كما نجده مثلًا في برنامج “الاتجاه المعاكس” لفيصل القاسم على قناة الجزيرة. فلا يشكِّل هذا السجال بوتقةً لعقلنة الخطابات، بل للتجييش “البافلوفي”[1] اليساري ضد الديني أو العكس. وهكذا تصبح هذه الاستقطابات الحادة مادةً غنيةً للجماهير لتعميق الفكر التكفيري بأشكاله العلماني أو الديني أو الفكر الثنائي: الوطني/الخائن، أو المقاوم-الممانع/العميل. وتظهر سوسيولوجيا القطيعة أيضًا عند حصر أسماء المشاركين في ثلاث وعشرين ندوةً أو محاضرةً حول الانتفاضات العربية أُقيمت في الجامعة الأمريكية في بيروت، بين عامي 2011 و2015، فمن بين عشرات المشاركين هناك فقط مدعوان من ذوي الاتجاهات الإسلامية، مقابل العشرات من المنظرين اليساريين. وكان هناك الكثير من الأوراق عن الحركات الإسلامية، ولكنها بلونٍ واحدٍ تجييشيٍّ للحديث عن “سرقة الثورات” من قِبل هذه الحركات، و”عدم مصداقية مطالبتهم بالديمقراطية”، وأن “سيد قطب يبقى الملهم التنظيمي والنظري تحت عباءتهم”، وأنهم “عملاء لأمريكا والسعودية”…إلخ. ولكن كان ينبغي الانتظار حتى عام 2016 للاستماع لشخصياتٍ مثل هبة رؤوف عزت وعبد الفتاح مورو، اللذين شاركا في مؤتمر للجامعة.

وتتكرَّر أمثلة هذه القطيعة في دولٍ عربيةٍ كثيرةٍ. فقد اعتاد المتدينون تعريف تدين المرأة بما إذا كانت محجبة أم لا، وجعلوا الحجاب هو الرمز – الذي لا بعده ولا قبله رمز – للعفَّة والطهارة، أما لدى الكثير من غير المتدينين فهو يمثِّل استعبادًا للمرأة. وقد جلب هذا الاستقطابُ التطرفَ: فسيفرضه الطرف الأول بالقوة في إيران، بينما سيمنعه الطرف الثاني بالقوة في فرنسا (وفي سوريا على زمن رفعت الأسد أخي حافظ الأسد). إلا أنه من حسن الحظِّ أن حزب النهضة في تونس قد جاء لتجاوز هذا التقسيم الاختزالي لما هو محجَّب وغير محجَّب، عندما رشَّح نساء غير محجباتٍ نائباتٍ في البرلمان ورئيسة بلدية تونس، وليعطي رسالة أنه ليس حزبًا للنساء المحجبات حصرًا، بل لجميع النساء.

وتستمرُّ خطابات القطيعة في وسائل التواصل الاجتماعي، ففي عام 2019 كتب أحد أساتذة علم الاجتماع في جامعة مغربية على الفيسبوك: “السوسيولوجيا لا ترى في الفقر بأنه قدرُ الربِّ كما تتصوره الأديان. فهي ترى أن الفقر نابعٌ من سوء توزيع الثروة، إنه خطيئة بشرية بالدرجة الأولى. إن كنتَ طالبًا أو أستاذًا تؤمن بأن الفقر من أقدار الله، أنصحك أن تغيِّر الشعبة وتذهب إلى شعبة الدراسات الإسلامية”.

كل هذه السلفيات سيكتب عنها فهمي جدعان ببراعة: “لأن بعض ساكني زمننا العربي الحالي مسكونون بسلفيةٍ يتراكب فيها الديني والسياسي، ولأن معانديهم يضادونهم في ذلك، وفي كل شيء؛ فإن التقابل اشتدَّ بين الطرفين اشتدادًا تناول كل طرفٍ فيه مفهوم التنوير، وأنزله في منزلةٍ فقَدَ معها براءَته ودلالته ونُبْلَه. وقع المفهوم ضحية المتعاندين، وحوَّله القصور العقلي والنفسي من سياقه المعرفيِّ النقيِّ إلى سياقٍ أيديولوجيٍّ “دنس”، أي تمَّت “زندقته”، مثلما تمَّت زندقة مفاهيم أخرى كبرى، ضاربة في الفضاء نفسه الذي قَدم منه التنوير”[2]. وقد عبَّر عن ذلك أيضًا محمد هاشمي[3] في كيفية تحوُّل الطرح العلماني “إلى عقيدة شمولية أخرى، تتصرَّف كما لو أنها تُلمُّ بكل قضايا الإنسان – وإن على نحوٍ سلبيٍّ من خلال اللامبالاة – وهو ما يحوِّلها إلى مرجعيةٍ مُلزمةٍ بأوامر تكاد تتصف بالإطلاقية نفسِها التي تتميَّز بها الأوامر العقائدية الديانية”.

إلَّا أن ضيق النفس من الرأي الآخر لا يقتصر على العلماني مقابل الديني، فهو ضيق نفس من الليبرالية ومفاهيمها في الحرية والتعدُّدية. فمن الممكن أيضًا انتقاد مركز الوليد بن طلال للدراسات، والأبحاث الأمريكية في الجامعة الأمريكية ببيروت، اللذين اعتادا لفترة طويلة أن يعرِّفا الجمهور العربي على صورةٍ اختزاليةٍ واحدةٍ عن الولايات المتحدة (أقرب إلى شيطنة مفرطة)، ونادرًا ما يكون هناك جدلٌ بين اتجاهاتٍ مختلفةٍ تجتاح هذه الولايات. لذا لم يكن من الممكن لا في هذا المركز ولا حتى بين نخب العلوم الاجتماعية في الولايات المتحدة توقُّع فوز الرئيس ترامب.

في هذا السياق من ضعف الروح الليبرالية في المنطقة، أظهرت أبحاثي حول إنتاج المعرفة العلمية في العالم العربي، التي تُوجت بكتاب[4]، أن النخبة السياسية الاستبدادية – فضلًا عن بعض السلطات الدينية – قد استطاعت استغلال الوضع الإشكالي للعلوم الاجتماعية (نشأتها في ظل العهد الاستعماري وتمويلها الأجنبي) وسيلةً لإلغاء شرعيتها. ومن النادر في المنطقة العربية أن نسمع عن “ورقة بيضاء” كتبها باحثون أكاديميون بناءً على طلبٍ من السلطات العامَّة ومناقشتها في المجال العام[5].

غالبًا ما تشعر بعض السلطات الدينية بأنها مهدَّدة من قِبل الباحثين الاجتماعيين، حيث يتنافس كلٌّ منهما على مخاطبة المجتمع. وعلى سبيل المثال، فقد أشرتُ في دراسة لي حول تنظيم الأسرة في الجمهورية العربية السورية عام 1994 إلى مناظراتٍ تلفزيونيةٍ حامية الوطيس اشترك فيها شيخ وناشطة: أما الشيخ، فهو الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي يرى أن الإسلام يعارض كثيرًا من أشكال تنظيم الأسرة. وأما الناشطة، فهي رئيسة الاتحاد العام للمرأة السورية ذات الموهبة الوحيدة، وهي أنها بعثيةٌ مواليةٌ للنظام الاستبدادي. مع أن تنظيم الأسرة يقع مباشرةً ضمن مجال علم الاجتماع والديموغرافيا، إلَّا أنه لم يُستشر أيٌّ من علماء الاجتماع في هذه المناقشات العامَّة.

3- ما هي الملامح الأساسية لمنهج «الفصل والوصل والفعل التعددي» الذي تقدمونه كبديل عن مشروع «أسلمة المعرفة»؟

– لقد تبيَّن لي من خلال تحليل مضمون عدد كبير من المقالات والكتب والأطروحات الجامعية التي تتبنَّى «أسلمة المعرفة» أن هذه المقاربة قد وقعت في إشكالياتٍ حقيقية، أقلها أن فيها عطبا ابستمولوجيا وكسلا أمبريقيا. لا يوجد اليومَ معرفةٌ لها معنى من دون التلاقح المعرفي أو الإثراء المتبادل بين التخصُّصات. كيف يمكن فهم وإعمال تكامل المعرفة أو تكامل المناهج التعليمية بين العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية مع علوم الشرع؟ ما أنادي به هو: تبْيئَة المعارف وفقًا لمنهج “الفصل والوصل والفعل التعددي”. الكلمة المفتاحية التي يستخدمها الفيلسوف المصري سمير أبو زيد هي مفهوم «الاتساق» (Consistency) باعتباره المفهوم الجوهري في «النظرة إلى العالم». فإذا كان لكل إنسانٍ نظرةٌ إلى العالم، فإن السمة الأساسية التي تميز هذه النظرة هي أن تكون متسقةً مع ذاتها ومع العالم الواقعي، وهذا في نظره هو سِرُّ نجاح الحضارة العربية الإسلامية القديمة. لكن أنا اختلف عن أبوزيد وغيره في نزع التعددية عن «النظرة إلى العالم» في سياق زمكاني ما وخاصة عندما نقول النظرة الإسلامية إلى العالم باعتبارها أحادية. ولذا فالاتساق بالنسبة لي يجب أن يكون مع ميادين حياة (Life worlds). هذا المفهوم الذي يحبه صديقي محمد بامية أخذه من الفنومونولوجيين باعتباره منهجا للحياة اليومية وباعتباره براغماتيات تحافظ على حياتها عبر جغرافيا وأزمنة مختلفة إلى حد كبير. إنه مفهوم يدعونا إلى التركيز على تجربة المسلمين بدلًا من الأنظمة التي هي تقنيات اقتصادية وسياسية للتوحيد القياسي والتي تسعى إلى عرقلة المشيئة الفردية (agency).

اعتمد أبو زيد منهج “الفصل والوصل”، معتمدًا على نموذجٍ من التراث، وهو نموذج اللغوي الفارسي الشيخ عبد القاهر الجرجاني، لضمان موضوعية العلم، وفي الوقت نفسِه نظرة الذات إلى العالم (أو بالأحرى ميادين حياة)، فلا تطغى الجوانب الاعتقادية والدينية على العلم، ولا يتجاوز العلم حدودَهُ المعرفية على حساب الجوانب المعيارية الأخلاقية المستمدَّة من الدين (وغيره). ولا يتعلَّق هذا بالإسلام فقط، ولكن بأي سياقٍ ثقافيٍّ أو دينيٍّ. ولا يكون منهج “الفصل والوصل” على مستوى مفهوم العلم العام ولا حتى على مستوى الاختصاص العلمي فقط، وإنما على مستوى الموضوع العلمي المحدَّد. ويقوم هذا المنهج على ثلاث خطواتٍ أساسية: أولا، تحديد الموضوع العلمي محل البحث: فإذا كان قضية علمية بحتة تُستخدم المناهج العلمية الخاصَّة بمجاله، وإذا كان قضية علمية دينية مشتركة ننتقل إلى الخطوة الثانية. ثانيا، تحليل الموضوع “العلمي-الديني” المشترك إلى قضية علمية وقضية دينية كل في مجاله بشكل كامل. ثالثا، إنشاء علاقة بين القضيتَيْن.

ويستحضر أبو زيد تطبيقًا مثاليًّا لهذا المنهج في معالجة الشيخ عبد القاهر الجرجاني لقضية الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم. فقد عدَّها موضوعًا علميًّا ودينيًّا. إذ تمكَّن من إنشاء نظرية النَّظْم بوصفها نظريةً علميةً بشكلٍ تامٍّ، وفي الوقت نفسِه الحفاظ على النظرة الإسلامية التي تؤمن بأن القرآن مُعجِز. ومن ثَمَّ يمكن أن يكون القرآن مُعجزة، لكن يمكن دراسة لغته كما يدرس فردناند سوسير بنيةَ اللغة. وهكذا أسهم الجرجاني في تطوير العلم بنظريته في النَّظْم التي تمتلك كلَّ المقومات الخاصَّة بأيِّ نظرية في العلوم الإنسانية بالمعنى المعاصر. وإن هذا المنهج قادرٌ على إنتاج نظريةٍ علميةٍ تلتزم بشروطها العلمية والعلاقات السببية شبه الحتمية في اتساقٍ كاملٍ مع الفكر الديني الإسلامي.

أطور نظرية أبو زيد من فصل ووصل إلى فصل ووصل وفعل تعددي. لأشرح ذلك من خلال مثال. لنأخذ قضية حصة المرأة في نظام الإرث. للفقهاء هناك آية كريمة نزلت حول توزيع إرث الإنسان. بالنسبة لآخرين هناك شكل من أشكال التناقض مع قيم عزيزة على الإسلام (وكل الديانات) والليبرالية كالمساواة، والعدل. في تونس كان هناك جدل هام حول هذا الموضوع وانتهى أولئك الذين يدعمون الحفاظ على التفسير السائد للنص القرآني ونظرائهم ممن هم مع المساواة الجندرية في توزيع الإرث إلى استخدام حجج لها نفس البنية المعرفية والتبريرية (استخدام حجج نصية وقانونية وسوسيولوجية) (يمكنكم العودة إلى مقالة لي مع عزام طعمة حول هذا الموضوع في مجلة عمران في السنة الفائتة). بعد ما قام كل من الطرفين باستخدام مناهج مختلفة ومن ثم تم الوصل من خلال حجج، تأتي الآن قضية نشر النتائج في المجال العام، وهو المرحلة الثالثة أي الفعل التعددي. هذا الفعل الذي يعكس جدل المعضلة الأخلاقية والبحث عن التوافق المعقول (وليس العقلاني فقط فالمشاعر تؤثر كثيرا أيضا) بين الفضيلة وحسن العاقبة. والمقصود بالتعددي هو تعدد نوع الجمهور فمنهم المواطن ومنهم المؤمن. إذ أن الحجج (التبرير) التي تقدم للمواطن الذي ينتمي إلى مشارب ثقافية ودينية غالبا ما تكون مختلفة عما يقدمه الداعية إلى المؤمنين. ففي الحالة الأخيرة يمكن له أن يكتفي باستجلاب نص قدسي وتفسيره. بعد ذلك يأتي الفعل وهو هذا الجدل السلمي في المجال العام والذي أدى إلى تقريب وجهات النظر من خلال قبول الطرفين أنه مهما كان التشريع المدني مرجحا لطريقة ما في توزيع الإرث فإنه يمكن للطرف الآخر اختيار الطريقة الأخرى. وإذا كانت هناك آليات ديمقراطية لحسم الخيارات بما تختاره الأكثرية (غالبا على شكل تشريعات مدنية)، فإن الداعية يمكِّن دائما لخياره على شكل فقه. ويمكن الذهاب أبعد من ذلك إلى تبني التعددية القانونية، وهو ما نجده في كثير من الدول في العالم الديمقراطي، وذلك بحسب حجم المسلمين. 

4- ما مدى استفادة العلوم الشرعية الإسلامية من العلوم الاجتماعية من خلال التجارب التي رصدتموها في كتابكم مثل الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا وكلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة ودار الحديث الحسنية في المغرب؟

– كل تجربة من هذه التجارب الرائدة لها ما نتعلم منها. في الجامعة العالمية الإسلامية بماليزيا، هناك جيل جديد من باحثيها وأساتذتها قد استطاعوا تَبْيئَة إنتاجهم المعرفي ومناهجهم التدريسية عن طريق استخدامٍ أكثر تكثيفًا للأدبيات المحليَّة، وأخذ الدين بعين الاعتبار، والتعامل مع العلوم بطريقةٍ أقرب إلى منهج «الفصل والوصل والفعل التعددي». ولعلَّ تطوُّر الاقتصاديات الإسلامية – التي بودي أن تُسمَّى يومًا من الأيام بالاقتصاديات ذات المنظور الإسلامي – في هذا البلد والدول المجاورة له ناتجٌ عن تمرس الباحثين غالبًا في علوم الاقتصاد أولًا، ومن ثَمَّ علوم الشرع، مستخدمين هذا المنهج. حتى مضمون وطرق التدريس في الجامعة العالمية قد توجَّه إلى الجانب المعرفي والإيماني بدون أن يتحوَّل الدرس إلى درسٍ دعويٍّ.

أما تجربة كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة، فقامت باستعادة الجانب الأخلاقي في الشريعة والعلم. وهو استمرار للمدرسة الرحمانية (فضل الرحمن مالك) بالتنقيب عن الأهداف والقيم الكامنة خلف الشرائع وموضعة الإسلام في سياقه الأخلاقي، وقراءة القرآن أيضًا في ضوء ذلك. فما عدا الثوابت الكليَّة للدين من عقيدة وعبادات، ساهمت هذه الكلية في قلب الأولويات بفهمنا للدين: تثبيت الأخلاق (بوصفها روح الدين) وتحريك الفقه والتشريع لمناسبة الأخلاق. أي إذا اعتبرنا أن السرقة مذمومة أخلاقيًّا في كل زمان ومكان (وفعلها لا يكتسب صفته الأخلاقية من المنفعة والمضرة التي تنتج عنه، بل من طبيعته بوصفه انتهاكًا لوجهٍ من وجوه الحق والعدل، والإنسان يرغب في العدل كما يرغب في اللذَّة)، فإن حكم السارق يتناسب مع السياق الزمكاني وحجم السرقة ودوافعها. إذا قامت هذه الكلية بتعميم (Mainstream) براديغم جديد لربط الدين – لا بوصفه تشريعًا ولكن بوصفه أخلاقًا – بالعلوم الاجتماعية، بحيث تتعاون علوم الشرع والعلوم الاجتماعية على التشريع، مستوحيين من فهمهما لمصادر الأخلاق (من الدين والفلسفة). وبدلًا من اعتبار الشريعة (الأحكام الفقهية) هي المصدر الرئيس للقوانين، سواء كانت أحوالًا شخصية وشرعية أو قوانين وضعية، والتناحر على الحدود الفاصلة بينهما، وهو ما اعتادت الكليات الشرعية تدريسه، سيتمُّ الاعتراف بأن العلاقات البشرية تحكمها نُظُمٌ تتجاوز التقنين، فمنها ما هو مرتبط بالأعراف والتقاليد المتوارثة ببساطة، ومنها ما هو أحوال شخصية وأحكام شرعية، ومنها ما هو سياسي (المواطنة، وتقنيات الحكم، والضرائب…إلخ). 

أما مؤسسة دار الحدیث الحسنیة، فاشتهرت بتنوع مناهجها على مستوى المواد المُقرَّرة في المؤسسة، فإلى جانب المواد الشرعية اغتنى برنامج التدريس بمجموعة من المواد الجديدة، سواء في مجال اللغات أم في مجال العلوم الإنسانية، وهكذا أُضيفت المواد التالية: اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية أو اللغة الإسبانية واللغة العبرية، وعلم المنطق، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والقانون، ومناهج البحث، والاقتصاد، والإعلاميات. وكما نلاحظ فإن نصف المواد تقريبًا في علوم الشرع. وقد أثار انتباهي أن أغلب مواد علوم الشرع في مرحلة الماجستير تتحدَّث عن النوازل والمآلات والواقع، ومن ثَمَّ فمنهج مقاصد الشريعة أصبح المنهج السائد في كل علوم تفسير القرآن والحديث والعقيدة والفقه (مقدمات في اعتبار المآل، وأسس النظر المآلي في القرآن، والأصول المتعلقة بالمآل، واعتبار المآل في الفتاوى والنوازل، والأحكام العقدية ومآلاتها في الفكر والواقع). والتفسير القرآني يهتمُّ بدراسة الأنساق لفهم روح الدين (دراسات في التفسير النسقي للقرآن). وقد لاحظنا أنه لا توجد تسمية “اقتصاد إسلامي”، بل الاكتفاء بالتحدُّث عن “المعاملات التشاركية في المغرب”. أما النصف الثاني من المواد، فيتوزَّع على اللغات والإنسانيات والعلوم الاجتماعية. وقد استقطبت المؤسسة بعض الأساتذة المغاربة والعرب لتدريس هذه العلوم مثل: المصري رشدي فكار (1928-2000)، والمختار الهراس (أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط). وقد ذكر لي الأستاذ عبد المنعم الشقيري – أستاذ مادة علم الاجتماع هناك – أن الطلاب يتفاعلون مع مادته مثل الطلاب ذوي التخصُّصات الاجتماعية، وإن كان يدرسها بشكلٍ مختلفٍ قليلًا، ليسمح بالنقاشات بين المقاربات المختلفة للاجتماع الديني. كما نجد موادّا متعدِّدة التخصُّصات مثل مناهج البحث. وبالاطلاع على هذه المادة، فلأول مرة أجد أنها لا تتناول كيفية التعامل مع النصوص فقط، ولكن منهجيات قراءة الواقع أيضًا مثل أي مادة مناهج في العلوم الاجتماعية. ومن اطلاعي على عناوين الأطروحات وقراءتي لـ 12 أطروحة ماجستير و8 أطروحات دكتوراه تبيَّن لي ما يلي:

  • لا يوجد دليلٌ على ضعف التكوين الشرعي عند الخريجين.
  • أغلب الأطروحات كُتبت على منوال الكتابة الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي من حيثُ البنية وطريقة المعالجة. لذا من الواضح أن هناك استفادةً من هذه العلوم منهجيًّا، بل وفي الموضوعات المختارة التي تعالج فقه المعاش (أو فقه الواقع).
  • مراجعة الأدبيات تناولت المراجع العربية والأجنبية، وبدا واضحًا فهم الطلاب للمؤلفات التي قرؤوها. ونادرًا ما مرَّ نعت الأدبيات الغربية بالاستشراقية.

أما من حيثُ الموضوعات، فهناك تركيز على المعاملات الاجتماعية: “أحكام الأسرة وتجديدها في المجتمع النيجيري: دراسة على ضوء الفقه المالكي والاجتهادات الفقهية المعاصرة”، و”شخصية الأحكام المنظمة للأسرة: دراسة تحليلية مقارنة”، أو الاقتصادية: “نظام الضرائب في الاجتهاد الفقهي: رؤية في التأهيل والتنزيل”، و”أثر أحاديث البيوع المنهي عنها في المعاملات المالية المعاصرة: ‘بورصة السلع والبضائع أنموذجًا'”، و”نظرية التكامل بين الزكاة والضريبة: دراسة تأصيلية فقهية”. وهو ما يتناسب مع ما صرح به مدير مؤسسة دار الحديث الحسنية أحمد الخمليشي من أن المجال الأساسي للاجتهاد الذي تسعى المؤسسة لدفعه هو مجال المعاملات.

وأما منهجيًّا، فهناك اهتمام واضح بتعليل الأحكام حسب منهج مقاصد الشريعة: “نظرية التعليل في الفكر الأصولي: من الشافعي (204هـ) إلى الغزالي (505هـ)”، و”تحقيق المناط: الحاجة إليه ومن يقوم به في الواقع المعاصر”، و”التعليل الفقهي لحكم الردة: المفهوم والقضايا والإشكالات”، و”الاستدلال في علم الكلام الأشعري: دراسة في تلقي المنطق واستثماره في بناء الدليل”، و”تعليل الأحكام الفقهية في كتاب الحضانة والنسب والنفقة”. وكذلك ربط النص بالواقع وخاصةً القانوني: “التطبيق القضائي لإنفاق الزوجة المنصوص عليه في المادة 199 من مدونة الأسرة”، و”تدبير منطقة الفراغ التشريعي بين الاجتهادين الفقهي القديم والقانوني المغربي المعاصر”، ومقارنة الأديان: “إشكالية النقل من المدونات الدينية لليهود والنصارى في التفسير: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور لبرهان الدين البقاعي (885هـ) أنموذجًا”، و”مفهوم الآخر في الفكر اليهودي”.

5- ما هي المقترحات التي تقدمونها بروفسور لردم الهوة بين العلوم الشرعية الإسلامية والعلوم الإنسانية والاجتماعية ؟

 – برأيي تردم الهوة بالتركيز على ثلاث مقارباتٍ كفيلةٍ بارتقاء تدريس علوم الشرع وتجسيرها مع العلوم الاجتماعية. وهذه المقاربات قد جُربت بشكلٍ معقولٍ في ثلاث تجارب مهمَّة وهي التي ذكرتها جوابا على سؤالك السابق. وهذه المقاربات هي: تَبْيئَةُ المعرفة وفقًا لمنهج “الفصل والوصل والفعل التعددي”، والمقاربة الأخلاقية للدين، والمنهجية المقاصدية. وبما أنني تناولت سابقا المقاربتين الأوليتين، سأركز هنا على المقاربة الأخيرة. إن الرهان الاجتهادي هو كيفية توظيف منهجية مقاصدية للاجتهاد. وهذا يعني إعادة النظر في علم أصول الفقه والتعامل مع المنهجية المقاصدية بجديَّة، وليس ببضع صفحاتٍ كما هو الحال في كثيرٍ من كليات الشريعة في المشرق والخليج العربي. لقد كتب الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن الإمام الشافعي أن “علماء الأصول من لدن الشافعي لم يكونوا يتجهون إلى بيان مقاصد الشريعة العامَّة… فكان هذا نقصًا واضحًا في علم أصول الفقه؛ لأن هذه المقاصد هي أغراض الفقه وهدفه”[6].

لقد بدأت منهجية مقاصد الشريعة بحفظ الضرورات الخمس (الدين والنفس والعقل والعرض والمال)، وأضاف إليها الطاهر بن عاشور مقصد الحرية، وطوَّرها محمد نجاة الله صديقي (ولد بالهند سنة 1931)[7] بحيث لا تكون درءًا للضرر فقط، ولكن لجلب المنفعة أيضًا؛ ولذا فقد أضاف لها مكافحة الفقر والفساد وجلب السلم…، وكل هذه المقاصد من أجل أن يعيش الإنسان آمنًا مطمئنًا، يعمل لدنياه وآخرته. ومن أهم مقاربات مقاصد الشريعة مقاربةُ جاسر عودة، حيث يقترح حلَّ التعارض الظاهري بين روايات الحديث النبوي، وفهم دلالة الأحاديث عن طريق النظر إلى المعاني والغايات المقصودة من ورائها. وينتقد جاسر عودة المنهجيةَ التي تقتصر على الدلالات الظاهرة للألفاظ دون معانيها المقصودة التي يُستَدلُّ عليها بالسياق، كما يبطل المنهجية التي تدَّعي “تأرُّخ” (أو تاريخانية) النص الشرعي من كتاب وسُنَّة، بحجَّة فصل الدال عن المدلول، أو ما سُمي بعملية التفكيك. ويوضِّح معتز الخطيب[8] أنه من الأهمية بمكانٍ التفريق بين المقاصد والوسائل، حيث إن “الوسائل” يصلُح أن تُصاغَ في نظرية يمكن أن تُسمَّى “نظرية الوسائل”، وأن التمييز بين المقاصد الثابتة والوسائل المتغيرة يَصلُح أن ينتصب منهجيةً صالحةً للاجتهاد الفقهي، بحيث يفرّق بين الثابت والمتغيّر من الوسائل حتى لا يتمَّ الجمود على المنصوص، بدافع تَوَهُّم التعبُّد في كلِّه.

وفي معرض مراجعته لمخطوطة هذا الكتاب، أشار عبد الرحمن حللي – بحقٍّ – إلى أنه لا يزال هناك اختلاف بين المغاربة أنفسهم في كيفية استثمار مقاصد الشريعة ومدى إمكان الاعتماد عليها مباشرةً، وهم مختلفون حتى في فهم موقف ابن عاشور من هذه المسألة، بمعنى تجاوز القياس على الفروع والاعتماد مباشرةً على الكليات، وأن الإنتاج الغزير والمهم في الدرس المقاصدي لم يُترجَم دائمًا في الممارسة الفعلية. وهو ما يفسِّر إهمال كليات الشريعة في المشرق لدراسة مقاصد الشريعة وعدم التوسُّع فيها؛ لأنهم يرونها مجرَّد فلسفة للتشريع، ولا تأثير لها في الاجتهاد. وثمة استخدام (حداثي) لمقاصد الشريعة لدى بعض الكتَّاب العرب في الإسلاميات، جعل من مقاصد الشريعة خطوةً لتجاوز الشريعة نفسها، وهو ما أدى إلى تشويه دراسة المقاصد وانغلاقها، والتحفُّظ في استخدامها في المشرق والمغرب على درجات.

ودعوني هنا أستحضر مثلًا حول كيفية تطبيق منهج مقاصد الشريعة على موضوعاتٍ شائكةٍ مثل السياسة الشرعية، التي امتنعتْ بعض كليات الشريعة عن تدريسها لصعوبة تجديدها وإشكالية إنزالها كما هي على الواقع. ففي كتابه السياسة الشرعية: مدخل إلى تجديد الخطاب الإسلامي، تناول عبد الله الكيلاني – وهو متخصِّص في ميدان السياسة – السياسة الشرعية على أنها فقهٌ لتطبيق الأحكام على نحوٍ مصلحيٍّ، مستوعبًا مجمل التراث الفكري في موضوعه، بالإضافة إلى كونه يحمل خلفيةً واضحةً عن الفكر السياسي الغربي وتاريخ المؤسسات الديمقراطية. ومن ثَمَّ يحاور الكتاب فقهاء السياسة الشرعية في مناهجهم وخبراتهم، لوضع ضوابط لتطبيق الأحكام الشرعية. ويرسمُ منهجًا مؤصلًا على ما قرَّره الجويني والشاطبي في مواجهة المستجدات، باستثارة الكُليَّات وإعمال الوحدة التشريعية، ممثلة في العموميات المعنوية والكليَّات، مُبيِّنًا أثرَها فهمًا وتطبيقًا فيما ورد فيه نصٌّ جزئيٌّ وفيما لا نصَّ فيه. كما يبيِّن الكتاب أهمية العلاقة بين السُّنن الاجتماعية والمقاصد الشرعية.

وقد اتَّسم هذا الكتاب ببيان القواعد والضوابط الفقهية التي اعتنى الباحث بصياغتها، وبيان تطبيقاتها التراثية والمعاصرة في مجالات السياسات على تنوُّعها وسَعتها، في قضايا الأحوال الشخصية والنُّظُم الدستورية والإدارية والقانون الدولي. وقد مدَّ هذا الكتاب – بهذه الصياغة التي تستوعب نمطَيْن من الكتابة: التراثية والمعاصرة – جسور اللقاء بين مكونات الطيف الإسلامي؛ إذ عرض تطبيقات القواعد السياسية من التراث الفقهي الواسع للأمة الإسلامية ولم يحصره في مذهبٍ أو اتجاهٍ. وبهذا يجيب الكتاب على أغلب الإشكالات والأسئلة التي تُثار في مواجهة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، من خلال عرض الضوابط والقواعد الفقهية في الباب.

وقد أخذ هذا الكتاب فرصتَهُ من التطبيق العلمي من خلال التدريس الجامعي في مرحلة الدكتوراه لمدة تزيد على عقدٍ من الزمن في عددٍ من الجامعات الأردنية، كما حظي بمدارسة علمية في مدينة الرباط مع مجموعة من الخبراء والباحثين بالتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي والمركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية في ديسمبر 2015. وأحد تطبيقات الكتاب العملية التي يسقطها على الواقع الحالي – مستخدمًا أطروحة وجود مصادر قانونية مختلفة في مجتمعاتنا، منها الوضعية والشرعية، وأن الشرعي يسمو على القانوني بشمولية رؤيته للعدل- هو أنه يرى أن شرعة حقوق الإنسان التي أتت من ثمار تطور الفكر الإنساني هي أقربُ للنهج الإسلامي، ومن ثَمَّ تتفوَّق على القوانين داخل الدول الوطنية. وما زال الفكر الإسلامي ينظر بحذرٍ إلى ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[9]. ومن ثَمَّ لا يعني هذا طيَّ صفحة الخصوصية الثقافية، فهي عماد التنوُّع، بل يعني تحويل هذه الخصوصية من متاريس نختبئ خلفها إلى معينٍ لا ينضب ولا يقتصر علينا، بل يتدلَّى ليسقي أرواحًا عطشى من عذوبة مورده. فلم يكن التراث ولا الخصوصية الثقافية نصَّيْن عذريَّيْن.

وقد لاحظتُ التراكم الهائل في بحوث الماجستير والدكتوراه في الجامعات العربية في موضوع المقاصد في مختلف تجلياتها، ناهيك عن الإنتاج الكثيف في هذا الجانب من الدرس الأصولي لدى ثلَّة من الباحثين المعاصرين على رأسهم الشيخ أحمد الريسوني الذي راكم مطولاتٍ في هذا الباب تقعيدًا وتطبيقًا. ويبقى الرهان الرئيس في كيفية فهم المدرسة المقاصدية، متعلقا بشكل رئيس بتطبيق المنهج مع وجود نصٍ قرآنيٍّ أو حديثٍ كما اقترح الإمام الطوفي.


[1] التجييش البافلوفي: هو الخارج عن منطق المحاججات العقلية، فهو رهن لاشتراط استجابي، وهو مصطلح يصف شكلًا من أشكال التعلم الترابطي، حيث يكتسب منبه خارجي معيَّن القدرة على استحضار استجابة الفرد الخاصَّة بمنبه آخر، وهي تجربة العالم بافلوف.

[2] فهمي جدعان، “ما التنوير.. عربيًّا؟”، العربي الجديد، 31 ديسمبر 2018، على الرابط: https://www.alaraby.co.uk/opinion/2018/12/30/ما-التنوير-عربيا-1.

[3] محمد هاشمي، “الليبرالية السياسية والعقل العمومي: بعيدًا عن العلمانية والديانية”، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2016، على الرابط:  https://cutt.us/pXcDq  

[4] ساري حنفي وريغاس أرفانيتيس، البحث العربي ومجتمع المعرفة: نظرة نقدية جديدة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2015).

[5] ساري حنفي، معرفة مُنْتَجة ولكن غير منْتِجة، إضافات – المجلة العربية لعلم الاجتماع، العدد40 ، 2017، ص4-15.

[6] محمد أبو زهرة، الشافعي: حياته وعصره – آراؤه وفقهه (القاهرة: دار الفكر العربي، 2013)، ص43.

[7] محمد نجاة الله صديقي، مقاصد الشريعة والحياة المعاصرة (دمشق: دار القلم، 2016).

[8] معتز الخطيب، “منهجية المقاصد والوسائل في الاجتهاد الفقهي”، مجلة الفكر الإسلامي المعاصر (إسلامية المعرفة سابقًا)، المجلد 18، العدد 71، 2013، ص42-59.

[9] انظر على سبيل المثال: علي زين العابدين بن عبد الرحمن الجفري، جوهر التجديد في حقوق الإنسان، 2011..

وسوم: الرئيسيةالعلوم الاجتماعيةالعلوم الشرعيةالمنهجية
التحرير

التحرير

التالي
الإسلام السياسي أكثر من مجرد نزعة أيديولوجية

الإسلام السياسي أكثر من مجرد نزعة أيديولوجية

أضف تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أقسام الموقع

  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

أحدث المقالات

  • استئناف الحكمة العرفانية: المسلمون الجدد وأزمتهم الروحية
  • هل تعيش الولايات المتحدة اليوم لحظة «السويس»؟
  • في عزاء الشيخ الكبير حمد بن خليفة
  • الابتسامة لغة عالمية
  • الرئيسية
  • من نحن
  • إتصل بنا

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر

No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر