سعَت مختلف المدارس التاريخية إلى وضْع أُسُسِ النّهج التاريخي والمنهجيات الملائمة لتَدارُس الماضي والتعاطي مع الحاضر، وأَوْلَت عناية بالغة بمهنة الـمؤرِّخ وبأدوات البحث التاريخي، وبما يمكِّن أجيال الـمؤرِّخين الـمتعاقِبة من إمكانِ قراءةٍ واستقراء سليمين لـمحطّات مفصلية في تواريخ أوطانهم، ومساراتِ شُعوبِهم، وفي مُـدارَسَةِ التاريخ الإنساني بشكل عام.
وتُواصِل الـجامعات والـمعاهِـد والمجلّات العلمية المختصَّة ومؤتمرات المعرفة التاريخية تطويرَ الـمنهجية والدّعامات الأدائية والإرشادات الـمعرفية بغَرَضِ تعزيز قُدرة الباحث والمؤرِّخ والقارئ على إجراء قراءات واتّباعِ مقاربات علمية وموضوعية تُجاه الظواهر والوقائع والأشخاص وحركة التاريخ في الـمجتمع والزمن.
ولَـمّا كانت عملية تقديم قـراءة أو مدارسة لعلاقات المغرب بـمحيطه الـمتوسِّطي تشتبكُ بــ”السّياسي” و”الاقتصادي” و”الاجتماعي”، وفي تَداخـل الـماضي بالرَّاهن؛ فـقد صارَ لزاماً الحديث عن محورية “العلمي-الأكاديمي” في المتن من ذلك كلّه، على اعتـبار كَون حقل التاريخ يقوم على ركيزة التأريخ لهاته العلاقات وتأويل تفاعلات ما هو اجتماعي واقتصادي وسياسي في صَوْغِ مضمون تاريخي وحاضِر يعيشه المغرب في علاقته بالمتوسّط، وعلى اعتبار _ كذلك _ كَون المؤرِّخين على عاتقهم يقعُ تحدِّي تقديم مقاربات علمية وتاريخية موضوعية لتشابكِ وتفاعُلِ تلكم العلاقات ودَورها في تاريخ وحاضر ومستقبل موقع المغرب وعلاقاته بالمتوسّط. وعليه؛ فإنّنا إزاء أسئلة تَطرح نفسها، من قبيل:
أيّ دَورٍ لأدوات ومنهجيات البحث التاريخي المعاصِرة في تقديم مقاربة علمية وموضوعية ومتكامِلة لعلاقات المغرب الـمتوسِّطية؟
هل تُؤهَّل وتؤَهِّل مهنة المؤرّخ _ بتعبير مارك بلوخ _ الـمؤرِّخين المغاربة والدّرس التاريخي المغربي للتعاطي الرّصين مع ماضي وحاضِر المغرب ومحيطه المتوسِّطي؟
هل نحن مُستقِلّون بمدرسة مغربية في التاريخ لها من المنهجيات والطّرائق والأطر والإنتاج البحثي ما يَـجعل مِن مسألة تقديم قراءات واستنتاجات وتأويلات دقيقة لهذه العلاقة؛ أمْـراً مُيَسَّراً للطلبة والباحثين والذاكرة الوطنية؟
إنّ محاولة إمكان الجواب عن هاته الأسئلة متعذَّر؛ لا سيما وتاريخ الزّمن الرّاهن ينوء بِثقلِ إشكالات وتحدّيات ذاتية وموضوعية ما تزال موضِع جَدلٍ بين المؤرّخين اليوم، وانقسامهم بينَ “متحفّظين صامتين بشأن هذا التاريخ” و”مشكِّكين في مصداقية التاريخ الرّاهن، كَوْن المقاربة الموضوعية لا تستقيم بنقْص المسافة الزمنية، وأنَّ التاريخ لا يُكتَب انطلاقا مِن شهادات ومذكّرات وخطابات وجرائد” وأَخْـذاً بِـحالَةِ دراسةِ علاقات المغرب الـمتوسِّطية؛ هل يمكن الحديث عن وجود منهجية أو مـعالِم عناصِر منهجية في تاريخ الزمن الرّاهن تُساعِدُ على ترسيم مُـقْـتَرَبات علمية وموضوعية لعددٍ من قضايا المغرب الداخلية (مسار بناء الدولة الوطنية والصراعات على المشروعية – دور جيش التحرير في تاريخ المغرب الراهن – الأرشيفات – جَدل الثقافي والسياسي – جدل النقابي والسياسي – إشكالية التأريخ لمرحلة الـحماية – النُّخبة الـمغربية والمجتمع المدني – التاريخ الديني المعاصِر)، وعلاقاته الخارجية (مع الجزائر – مصر الناصرية – إسبانيا وإشكالات استكمال الوحدة الترابية – مع الدولة العثمانية أواخر القرن العشرين – مع تحوّلات شمال إفريقيا فيما بَعدية الربيع الديمقراطي العربي – مع القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني..).
إنّ القضايا الـخِلافية التي تَـعتَمِل في تاريخ الزّمن الراهن من قَبيل مسألة التّحقيب التاريخي والذّاكرة وإسطوغرافيا القرن العشرين والواحد العشرين..؛ تَعترِض سبيل الاستقلال بالجواب المنهجي والتاريخي والعلمي-الموضوعي عن طبيعة وآفاق علاقات المغرب مع المحيط الـمتوسِّطي.
إنّ كيفيات استِحضار أهمّ العناصر المنهجية لـتَقْديم المقاربة الـمُنضبِطة لتقاليد البحث التاريخي ومُستجدّاته، والحاملة لـمَيْسَمِ الموضوعية لا يستقيم واقِعاً عِلميا مَقِيساً (أيْ قابِلاً للقياس) ومُشاهَداً في الأدبيات التأريخية أو الكتابات المعدودة التي تَدْرُسُ علاقات المغرب الـمتوسِّطية _ وأغلبُها تُركِّز على القرن التاسع عشر _؛ وبالتالي؛ فالأمر يَستدعي استِحضارَ التطوّر المنهجي وتراكمات الخبرة البحثية الحاصِلة لدى بعض المدارس التاريخية، ونخصّ بالذّكر منها:
- مدرسة التاريخ الجديد بقيادة المؤرخ الفرنسي الراحل (جاك لوغوف 1924-2014)؛
- مدرسة أسْلَمة المعرفة بقيادة المعهد العالمي للفكر الإسلامي في فيرجينيا (تأسَّس سنة 1981)؛
- مدرسة الاتجاه الكليومتري الرائدة في الولايات الـمتّحدة الأمريكية؛
وجميعها تُقدِّم قراءات ومُقترَبات منهجية تنهض بوظيفة المؤرِّخ، وتُساعِد على توفير الـعُدّة المنهجية اللّازمة _ واللّازم تطويرها رَفْعاً لحَرَج التّقليد! _ لإجراء قراءة متكاملة وإنتاج كتابة تاريخية لحالة علاقات المغرب بالـمتوسِّط، بعيداً عن الانزياحات التي تَبْصم تاريخ الزمن الراهن، ومنه؛ تاريخ راهِن العلاقات المغربية المتوسِّطية.
كما أنَّ أدوات ووسائل البحث التاريخي مِن مَصادر ومراجع وأرشيفات عمومية وأرشيف الخواص، ومذكرات شخصية ودوريات وإعلام رقمي ومقابلات شَفهية وغيرها؛ ما عادت قادرة على تقديم نموذج تأريخي-تفسيري لطبيعة العلاقات المغربية المتوسِّطية، بل صارَ لِزاماً الاشتِغال على توسيعِ “الوثيقة التاريخية” لتَشملَ التاريخ المتروك، وتاريخ الهامش، وتواريخ الأطعمة والأشربة والعادات والذّهنيات والملامح والأوبئة والفَقر والفُقراء وفضاء التواصل الاجتماعي الافتراضي وغيرها؛ وكل ما هو واقعٌ “خارج النّص” بتعبير الفيلسوف والناقد الأدبي الفرنسي (جاك دريدا 1930-2004). هذه عناصِر في المنهج وأسئلة في صُلْبِ قضايا المعرفة التاريخية، نُثيرها بغيرِ ما تَدقيقِ وتفصيل، ونؤكّد على أنّه لا مَـأْتَى للباحث في تاريخ المغرب الراهن وللمشتغلين بعلاقات المغرب المتوسّـطية من قراءةِ موضوعية وعلمية وتأريخٍ يُضيء جوانِب عديدة من طبيعة هاته العلاقات؛ ما لَـم يكن ثَـمّةَ دور أساسيّ في كل ما ذكرناه للمعرفة التاريخية وأسبقية المنهج وحيويته، وتجديدات الدّرس الجامعي في حقل التّاريخ.



