لم أكن أنوي ولا أريد الدخول في سجال “المسألة الأمازيغية”، وذلك انطلاقا من أن علينا العناية والاشتغال بما هو أكبر وأولى فيما يجب العمل له، وأعني “المسألة الحضارية” التي من دون الانطلاق منها سنغدو هشيما تذروه الرياح بين الأمم، لكن مرور الزمن أثبت أن الدخول في علاج المسألة أصبح من صميم التعضيد الحضاري والإعداد للمقبل من التحديات، وبالتالي لابد من فصل الخطاب في سؤالها ومحاولة هندسة الموضوع وإبراز أبعاده إيجابيها وسلبيها بأكثر الطرق موضوعية، مع ضرورة استحضار منهجية أساسية تتمثل في تقسيم المسألة إلى جانب علمي وآخر عملي.
فالملاحظ واقعيا هو وجود حالة من الإنكار المزدوج فيما يتعلق بالمسألة:
أ- إعراض تام عن الموضوع واعتبار مجرد الكلام في الأمازيغية عمالة ودعوة للانقسام إلى درجة ظهور نوع من الفوبيا نحوها مبررة أيديولوجيا.
ب- تعرضها لاختطاف أيديولوجي سعى لتعنيف المسألة بتسييسها، تعنيفٌ قائم على مبدأي إنكار محورية الإسلام في حياة الأمازيغ ومخاصمة اللسان العربي.
لذلك كان لابد من علاج المرضين، ليس من منطلق الوسطية لكن من منطلق التشخيص ومحاربة الداء؛ ذلك أن الحاجة إلى الارتباط المعنوي بالنسب وأصوله أمر فطري طبيعي، بل ومطلوب دينيا، فالحالة الطبيعية هي أن إعادة تأثيث شجرة الأنساب بوصفها مسألة علمية وعملية ضرورية تحتاجها الشعوب في أحد مراحل تاريخها، وذلك ما حصل في أول عهد دولة الإسلام في خلافة عمر (ض)، وذلك بداية من نسبة الأفراد والجماعات إلى الذكور لا الإناث ليتناسب مع المعطى العقدي: ادعوهم لآبائهم.
وكذا ليتناسب مع المشروع السياسي للمرحلة الراهنة رغم ما قد يحصل من اضطرار لانتحال الأنساب أحيانا أو اختزالها، ذلك أن الناحية العملية قد تناقض الحقيقة التاريخية، لكن المنفذ إلى استساغة ذلك هو أن الحقيقة التاريخية في حد ذاتها تبقى نسبية وغير مجزوم بها، إلا ما كان واضحا جليا لا جدال فيه في الواقع الحالي، يعني أن ما لا يجوز في إعادة صياغة الأنساب هو مناقضة حقائق عينية موجودة، فما هي الحقائق الجلية التي يمكن أن تشكل مدخلا للعلاج الموضوعي للمسألة الأمازيغية؟
1- حقيقة وجود جنس مستقل في شمال إفريقيا هم البربر. (الحضارة النوميدية)
2- حقيقة مواجهة الأمازيغ بدايةً وغايةً لحملة الإسلام. (كسيلة وديهيا)
3- حقيقة مساهمة البربر غايةً في الذود عن الإسلام. (بن زياد وبن تاشفين)
4- حقيقة الانصهار التام للبربر في الديانة الإسلامية. (تبنيهم لمختلف المذاهب الإسلامية)
5- حقيقة اندماج تاريخهم مع التاريخ العربي الإسلامي قديما وحديثا. (إسهامهم في الإسلام: لغة وعقيدة)
والسؤال الآن، ما الذي يمكن إبقاؤه من الهوية الأمازيغية؟ ما الدور المتوقع من الأمازيغ؟ ما الإطار الأنسب والأصلح لهم؟
بدايةً، من المهم الإشارة إلى حقيقتين:
1- حقيقة أن الإسلام لم يفرض على الشعوب تغيير ثقافتها اليومية ولا نمط عيشها، فهو يمس فقط المستوى العقدي وما يمكن أن يتعلق بالنظام السياسي العام، فرغم التجاوزات التي حدثت على سكان المغرب من طرف الولاة التابعين للدولة المركزية في المشرق إلا أن ذلك لا يقدح في المبدأ المؤسس للفتوح المتمثل في حمل الرسالة الإسلامية إلى الشعوب، وأن الكلام عن انتشار الإسلام بالسيف يدل إما على جهل بالتاريخ وعدم فقه للسياسة أو خصومة مبطنة أو صريحة للإسلام.
2- حقيقة أن الكثير من الشعوب الإسلامية لم تضطر للتصاهر مع الفاتحين فأبقت زيادة على ثقافتها، لغتها لغة رسمية؛ وذلك ما يؤسس لخصوصية المغرب الكبير وشمال إفريقيا، ففي طريقة تلقيها للإسلام عبر المراحل تدخلت عدّة عوامل جعلت الانصهار ثقافيا وسياسيا لا يتم بالعمق الذي حصل في بلاد الشام مثلا، ولا بمجرد اعتناق الفكرة كما حصل عند شعوب شرق آسيا فكانت حالة المغرب وشمال إفريقيا وسطا بين الحفاظ على الخصوصيات الثقافية وبين الانصهار التام مع الإسلام، والعامل الرئيس هو البعد عن مركز الإسلام ولازمته العرقية واللغوية في ذات الوقت الاتصال الجغرافي به.
I- مسألة اللغة والأصول العرقية:
لقد تسمّت لهجة ربيعة ومضر بالكسكسة، وتسمّت لهجة قبائل حضرموت بالشنشنة، كما تسمت لهجة أسد وقيس وتميم بالعنعنة، وتسمّت لهجة هُذيل بالفحفحة، ولهجة طيئ بالعجعجة، وأخيرا نعتت لهجة حمير بالطمطمائية، وعلى المنوال ذاته سميت لهجة قبائل المغرب الكبير بأنها بربرة نسبة إلى طريقة نطقهم وغرابتها عن اللسان الفصيح، ومن هنا فإن الأرجح أن تسمية البربر تعود إلى الفاتحين الأوائل للمغرب من المسلمين، وهي بذلك أجمعُ التسميات لسكان شمال إفريقيا على الإطلاق، من حيث كونها وصف لكل من ينطق الأمازيغية، ذلك أن لقب الأمازيغ هو نسبة إلى مازير بن كنعان، كما انتسب العرب إلى يعرب بن قحطان، وعلى ذلك فإن النموذج الذي قيست عليه تسمية البربر هو اللسان العربي الفصيح كما كان في قريش، والذي على أساسه أيضا قيست تسمية لهجات القبائل العربية التي تقدّم ذكرها.
وطبعا هي تسميات مشتقة من طريقة العجمة في كلامها، إلا أن الفارق هو أن لهجات القبائل العربية تنتمي إلى لغة قياسية أي اللسان العربي الفصيح، لكن اللسان البربري لم ينتسب إلى العربية الفصحى إلا باقتباس جزء من ألفاظها، حيت تأتي هنا مقولة إن الكثير من المفردات الأمازيغية أصبح مهملا في العربية بما ينم عن أصول مشتركة بينهما، وهذا يعني أيضا تصاهرا إثنيا وتلاقحا لغويا أسبق، حدث قبل الفتح، كما يُرجح أيضا أن اللسان الأمازيغي قد تلاقح مع اللغات الهندو أوروبية نظرا لوجود الكثير من الألفاظ المشتركة أيضا، فكان بذلك المغرب ملتقى حضارات تاريخي نظرا لكونه عرضة لتوسع الحضارات الكبرى باستمرار.
ومن ثم تأتي نسبة البربر من حيث الأصل العرقي إلى الشعوب الأفرو-آسيوية كنظرية يمكن ترجيحها من زاوية الاتصال والتواصل القديم والعلاقة شبه الودية التي كانت بين البربر وشعوب الشرق، مثل علاقتهم بالمصريين القدامى وكذا الفينيقيين، على أن الاختلاط بين البربر والشعوب الهندو أوروبية وارد جدا بالنظر إلى الغزوات التي عرفها المغرب الكبير على مر تاريخه، ولا شك أن سحنة الوجوه والبنية الجسدية لسكان المغرب هو هجين بين سمات المشارقة والأوروبيين على السواء فضلا عن السمرة الإفريقية، حيث الإشكالية تكمن في تفرّد البربر بجنس مستقل من عدمه، وأقصد هنا طبعا تاريخ الإنسان الحديث وليس القديم، ذلك أن المشهور علميا هو أن إفريقيا هي مهد الإنسان لكن ما يعنيني هنا هو ما قد حدث من هجرات وهجرات مرتدة.
والمحصّلة هي أن المغاربة اليوم لا شك هم خليط أجناس بسبب تفاعلهم الطويل مع الشعوب المجاورة، إلا أن السؤال العلمي هو: هل استقل البربر يوما ما بجنس خاص بهم وبالتالي استقلوا أيضا بلغة خاصة بهم؟ والجواب لا يجب أن يكون أيديولوجيا بقدر ما يفترض بحثا علميا يعود إلى ما قبل التاريخ (ما قبل الحضارة النوميدية) واستقصاء الحضارة في المغرب منذ بداياتها (الحضارات: القفصية والعاترية والوهرانية).
ومن ثم، فقد انتسب الأمازيغ إلى مازير جنسا كما انتسب العرب إلى يعرب جنسا. أما الفارق بين شعبي الجزيرة العربية وشمال إفريقيا فهو أن الأول كانت الفصاحة من مميزاته الرئيسة، إن لم تكن الوحيدة على الإطلاق، بما خولهم صياغة لسان فصيح ذي قواعد تساوقت مع طبيعتهم وسليقتهم، ولم يكن الشأن نفسه مع شعوب المغرب، ذلك أن الطبيعة الصحراوية التي احتضنت عرب الجزيرة كانت مانعا من غزوات الأجانب الأقوياء، بل وكانت آيلة قبيل البعثة المحمدية إلى الانحسار والانقراض نظرا لطبيعة مناخها وتضاريسها التي لا تستساغ فيها الحياة، فضلا عن الانكماش الفكري والثقافي الذي ميز مرحلة ما قبل البعثة نظرا لاستفراد قريش وزعمائها بمقدرات مكة وما حولها واستبدادهم ببقية مكوناتها، لذلك كان الاختلاف بينا بين الأحوال الاجتماعية والسياسية بين شبه الجزيرة وشمال إفريقيا قبيل البعثة.
والعلة الرئيسة في الاختلاف هي الطبيعة المناخية والتضاريسية الثرية جدا التي كان يتمتع بها المغرب الكبير من حيث التنوع المناخي التضاريسي وإشرافه على الساحل على طول البحر المتوسط، وذلك ما جعله محط أطماع الأمم الكبرى، بينما النقطة المشتركة بين المغرب الكبير وعرب الجزيرة هو “الأمية الدينية”، فلم يسبق للمنطقتين أن كانتا بؤرة من بؤر التاريخ الروحي، أعني أنهما لم تكونا أرضا للرسالات الدينية، وهو ما حظي به عرب الجزيرة بعد أُمِيَّة القرون، ما خلا الوثنية الدينية.
كما كانت الأمية الدينية للمغاربة قد فُضّت بما وصل إليهم من الديانة النصرانية التي جاءتهم خلال الاحتلال الروماني والتي أصبغوا عليها الطابع المقاوم عندما ميزوها عن نصرانية روما فاختلقوا الدوناتية مذهبا مقاوما للاستعمار، وهي السنة التي اتبعوها بعد تعرضهم للتمييز من ولاة الحكم المركزي عندما تبنوا الإسلام المعارض، حيث أسسوا أول الدول المستقلة عن الحكم المركزي في كل من تاهرت وسجلماسة بدايةً، والمرابطين والموحدين غايةً، لذلك لم يرضخ المغاربة للحكم المركزي إلا قليلا، وهذا لا ينفي عنهم ارتباطهم الطوعي بالإسلام قيما وروحا، فضلا عن كونهم أقرب إلى الأوروبيين تفاعلا وتواصلا منذ القدم وإلى غاية اليوم وذلك ما أثبت فيهم طبائع سلوكية وسنن فكرية مختلفة نوعيا عن نظرائهم من المشارقة.
II- مسألة الحضارة والدين:
قبل الانتهاء إلى أطروحة المقال الرئيسة حول أن الإسلام بروحه كاف لتحقيق أهم حاجات الإنسان الدنيوية: الهوية والحرية، لابد من التأكيد على أن روح الإسلام لابد أن تتأسس في انطلاقها من حيزه التاريخي الجغرافي المادي وهو أن تحقق المساعي الدنيوية المشتركة لشعوب المنطقة، بما يفرض التحام المناطق الخمس للإقليم: الحجاز، العراق، الشام، مصر، المغرب، التحاما إعجازيا لم يحصل من قبل، وليس بمقدور دين آخر أن يحدثه، وحدود إقليمنا الحالية تبدأ من حدود العراق الشرقية إلى الأطلسي ومن المتوسط إلى الصحراء الكبرى.
وبه فإن الشام يشكل قطب الرحى الرابط بين الضفتين الشرقيتين الأدنى: الحجاز، الأقصى: العراق، وبين الضفتين الغربيتين الأدنى: مصر، والأقصى: المغرب، فالشام ذو أهمية تاريخية واستراتيجية رمزية ومادية، إذ بالرغم من أن الرسالة ظهرت في الحجاز، إلا أن صاحب الرسالة ذاته (ص) أشاد وركز كثيرا على الأهمية الروحية للشام، فروحيا هي أرض الرسالات رمز التاريخ الروحي الأصيل بعيدا عن الأفكار الإنسانية، وطبيعيا فهي تحوي الهلال الخصيب رمز التاريخ الطبيعي الأصيل بعيدا عن الثروات الصناعية.
وأيضا من الناحية اللغوية والعرقية تشكل الشام: الأردن، لبنان، فلسطين، وسوريا، المكان الوسط بين المشرق والمغرب لما لها من مقومات التنوع الديمغرافي عرقيا والجغرافي مناخيا، فمن الناحية الحضارية تعد شعوب الشام أكثر شعوب الإقليم تحضرا من الناحية الاجتماعية والسلوكية لعوامل تتعلق بجمعها بين التجربتين: 1- الحضارية كونها ملتقى حضارات عدة مرت عليها و2- الدينية كونها ملتقى الرسالات السماوية، بما يورث إنسانها وعيا طبيعيا وروحيا أسبق؛ وليس ما يحدث في أغلب بلاد الشام من معاناة كبيرة لإنسانه من احتلال واستبداد وقهر إلا دليلا على حيوية ذاتية (يتسبب فيها الآخر لإدراكه أهميتها) ستنتهي بانطلاق أعمق وأقوى من المرة الأولى.
وبه فإن المسألة الأمازيغية ولكي تكون ممكنة لا يسعها إلا أن تندرج ضمن هذا المشروع الحضاري بوصفه اللبنة التأسيسية التي ستمتد حتما إلى جل الجغرافيا الإسلامية في العالم، وذلك هو مستقبلها ولا مستقبل لها بغير ذلك لعلتين رئيستين:
1- روح الإسلام المحررة من كل استعباد.
2- الاندراج في الآخر لا يمكن أن يكون إلا بدونية.
لذلك وكما بينت -في إشارات سابقة- فإن العمل لأجل التعبير عن الهوية الصغرى لابد من أن يكون محكوما بضوابط، فمن الناحية الموضوعية التعبير عن الذات المختلفة هو حاجة طبيعة، ولابد في كل مجتمع من فئة تتفرغ لدراسة تراثها والتعريف به والعمل للحفاظ عليه كتراث، وهو ما يدخل في إطار الآية 13 من سورة الحجرات، خاصة وأنه تعريف بكتلة لا يستهان بامتدادها من سيوة المصرية إلى تنيريفي الإسبانية، فكيف يمكن التعريف بالهوية الأمازيغية بالطرق الأكثر فاعلية والتزاما بالقضية الحضارية؟
لبيان حدود الموضوع وتداخلاته سأتحدث في مسألتين تعدّان الأهم فيه هما: العلاقة بيت الهوية والإسلام، العلاقة بين الهوية والسياسة.
1- علاقة الهوية الأمازيغية بالإسلام:
لم يبق ما يتعارض فعليا بين الهوية الأمازيغية والإسلام إلا مسألة الاحتفالات الاجتماعية، فإن الاحتفال الاجتماعي حاجة لابد منها في حياة الإنسان، وقد أبدل الإسلام بأيام زينة تغني عن كل بحث عن تعويض آخر، إلا ما كان مناسبات وطنية يتفق حولها الناس، فالتاريخ القومي لكل شعب هو من التاريخ الطبيعي الذي لا يجب أن يخرج عن إطار البحث العلمي وبطون الكتب وقاعات الدرس والتداول المعرفي.
ذلك أن اختلاق رموز ما قبل إسلامية تنافس الرموز الإسلامية من قبيل العودة إلى تقويم قديم هو ضرب من التشويش على الوحدة النفعية للنظام الوطني والوحدة المبدئية للنظام الديني، فالوطنية والتدين يتمازجان بالضرورة لتشكيل أيديولوجيا متناسقة ذات غايات تاريخية واضحة، والغاية هنا هي العمل للاستئناف الحضاري، لذلك فليس على الناشط الأمازيغي (أو أي ناشط ضمن الهوية الأدنى، وهنا أميز بين الهويات الثلاث: هوية أدنى هي الهوية العرقية وما دونها من القبيلة إلى الأسرة، هوية وسطى هي الهوية الوطنية، وهوية أعلى هي الهوية الحضارية، دون أي تماس وتنافس بينها بقدر ما يجب أن يكون الأمر متعلق بخدمة الأدنى للأعلى منه والعكس)، أن يستحضر هذا المخطط فيبحث عن الفراغات ليملأها خدمة للهويات الأعلى، وهي هنا ما تعلق بمظاهر الحياة اليومية النمطية والتي هي في الغالب شديدة التمازج مع الهوية الدينية من قبيل الزي والكلام الشفهي وبعض السموت الدقيقة الجارية بالعفوية بين الناس بغاية الاحتفاء والامتاع الفني، أو للمحافظة عليها بوصفها ضربا من ضروب الذاكرة الإنسانية، أو مما يشتغل به الإناسيون والاجتماعيون علميا.
وعليه فإن تذوق الروح الإسلامية عند الناشطين والعاملين في المجالات الاجتماعية والسياسية سيجعل من نشاطهم رساليا ذو أبعاد كونية، فالإسلام هو الصبغة الفطرية الأصيلة لكل هوية تاريخية، والمعلوم أن الإسلام هو الذي يوحد بين التاريخين الطبيعي والروحي في بناء موحّد، ومن أحسن من الله صبغة، فالصبغة الإسلامية هي ذوق واجتهاد فكري وجهاد نفس عميق ومن دونه لا يمكن أن ينتج فن أو اكتشاف لفن حقيقيين.
2- علاقة الهوية الأمازيغية بالسياسة:
إن الوجود الأمازيغي هو من حقائق التاريخ الطبيعي، والتحامهم بالدين هو الذي يضفي عليهم السمة الحضارية، لذلك فالحركة الأمازيغية يجب أن تعمل في إطارين: علمي وثقافي، وعليها بالمقابل أن تنفصل عن إطارين: سياسي وقانوني.
الإطار العلمي: البحث الحر في كل تفاصيل الحقيقة العلمية للوجود الأمازيغي كجنس بشري، على غرار بقية الشعوب الإسلامية، يشمل البحوث العلمية بكل أشكالها بوصفه بحثا عن الحقيقة المجردة، وهو مجال المتخصصين والباحثين العلميين.
الإطار الثقافي: الحفاظ على التراث المحلي من الزي والكلام الشفوي ونمط العيش والمعمار التقليدي وأسلوب الحياة اليومية والطبوع الفنية وتداولها وإحياء المنسي منها، بما هو تنوع يقاوم محاولات الصهر العولمي وينافس من أجل الانتشار العالمي.
الإطار السياسي: تقديم المواطنة والانتماء الوطني على الامتداد الأمازيغي خارج الوطن، وإذا حصل التعاون أن يكون تحت إشراف الإدارات الوطنية، فليست غاية التعاون تأسيس تامزغا الكبرى، إنما صهر الأمازيغ والأمازيغية في الإسلام وأن تكون أداة لتعضيد الأوطان لا تفتيتها.
الإطار القانوني: التحرر من الانضواء والتبعية لكل ما يناقض المصالحة الوطنية والحضارية لدول الإقليم.
وأخيرا، فهذه محاولة في فهم وتنسيق “المسألة الأمازيغية” التي تستحيل في جملتها إلى “قضية المغاربة” ضمن محيطهم الجغرافي الثقافي، فلا خصوصية من الناحية المضمونية للأمازيغ، فلكل الشعوب بما فيها المغاربيون من غير الأمازيغ -سواء العرب أصالة أو المستعربون منهم- لهجات خاصة بها ونمط حياة وأزياء، إنما الخصوصية في الأشكال التي تختلف بحسب المناطق أو الثقافات، ومن المهم أن يعمل كل على شاكلته ليس فقط من باب إغناء الساحة الثقافية أو إظهار التنوع، وإنما أيضا لسد فراغ عجزت الدولة الوطنية عن سده، سواء لعوائق شكلية أو جوهرية، وهو ما تعلق بالتنظيم المجهري المحلي للمجتمع، خاصة ومجتمعاتنا ما زالت تحتفظ بالأسرة وامتداداتها بما يضفي عليها تضامنا محصّنا للأفراد حصانة معنوية ومادية، أو قل ضرورة التعاون بين شبكات التكافل الصغرى وشبكة التكافل الأكبر: الدولة، وإعادة توزيع المهام الفعلية والرمزية لخدمة الكيان الحضاري الأكبر.



