عطفا على ما سبق ذكره في مقالنا السابق – في تقديري- يمكن أن نقارب عقيدة التوحيد وفق سقف معارف عصرنا الحالي من خلال العناصر الأربع الآتية:
1- الأنسنة: ما دام الله قد تفرد بالعلم والقدرة على وجه الإطلاق والديمومة، فإن كل ما يتوصل إليه الإنسان من معارف وما ينتجه من علوم ومذاهب وتوجهات وتشريعات، كل ذلك بمجرد صدوره عن الإنسان – حتى في أعلى درجات العلم والفهم والتقوى – نسبي، قاصر، قابل للتصحيح وللزيادة، مستوجب للتغيير والتبديل والتطوير من دون انقطاع، وكل تلكؤ في ذلك عند قيام موجباته الاجتماعية والعلمية يسير تماما في الاتجاه المعاكس لعقيدة التوحيد.
توحيد الله وتنزيهه يقتضيان أنسنة كل التصورات والأفكار والتوجهات والتشريعات النابعة من الإنسان بما في ذلك طرق ومناهج توثيق النصوص الدينية، وطرق ومناهج فهمها، وطرق ومناهج تنزيلها، فكل ذلك خاضع لتدخلات الثقافة وإكراهات السياسة وإشكالات الواقع ومستوى السقف المعرفي الذي لا يكف في الارتفاع جيلا بعد جيل، ولا يمكن أن نستثني من هذه القاعدة حتى جيل الخلفاء الراشدين ، فلقد كان تفاعلهم مع النصوص -على فضلهم وسابقتهم – مرتبطا بالسقف المعرفي وأساليب التدبير السياسي في عصرهم، بل إننا لا يمكن أن نستثني من هذه القاعدة حتى ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة التدبير العام أو الخاص بما تقتضيه ظروف زمانه الاجتماعية في الحرب والسلم، والحضر والسفر والجد والهزل… كل ذلك يدخل في باب التصرفات النبوية الإنسانية التي تستوجب التعديل والتطوير المستمر بما يحافظ على المقاصد الشرعية العليا.
2- المساواة: أحد أبعاد التوحيد الكبرى هو البعد الحقوقي، فالتوحيد مبدأ حائل أمام مختلف أصناف الاستعلاء والاستكبار والتجبر، في ميدان السياسة كان، أو في الاجتماع أو الاقتصاد أو المعرفة أو في ميدان الفكر الديني نفسه، فإضفاء العصمة والإطلاقية على غير ذات الله وعلى غير صفاته هو إشراك يؤدي إلى الشرك وضياع المساواة وتكافئ الفرص، وذلك أحد دلالات الظلم والطغيان، ومن المعلوم أنه لما نزلت آية (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم )[1] كبر ذلك على الصحابة، إذ كانوا يدركون أنه لا يكاد يخل بشر من تصرف ظالم بحق نفسه أو غيره – وإن قل – ، فقالوا ( أينا لم يظلم ؟)،[2] فنزلت آية: (إن الشرك لظلم عظيم)،[3] لكي تنبه إلى أن لكل فرد نصيبه من الشرك على قدر ظلمه، حتى تغلب أحد الصفتين عليه، فيكون مشركا ظالما خالصا، أو مؤمنا عادلا خالصا، ولا يمكن أن يكون المؤمن ظالما إلا إذا لابس إيمانه بعض الشرك، خفيا كان أو جليا، لذلك لزم الانتباه ودوام التصحيح والاستغفار.
3- الاتحاد: التوحيد تضامن إنساني من أجل القيم المطلقة وخاصة الحق والعدل والسلام، وذلك ما يحقق فعلا توحيد الأسماء والصفات ويحافظ على أبعادها العملية المؤثرة إيجابيا في واقع الناس، ويحول دون تحويلها إلى مجرد مباحث كلامية يلوكها علماء الكلام ويهربون بها من مواجهة تحديات الواقع المتجدد، وبهذا فحينما نطالع حديث (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا)،[4] وحينما نطالع (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)،[5] وعندما نطالع حديث (انصر أخاك ظالما أو مظلوما..)،[6] ندرك ما للتوحيد من أثر على تضامن المجتمعات واتحادها والاتحاد بهذا المعنى مسار إنساني صاعد لا يتوقف، يغني فيه كل جيل إنجازات من سبقه ويبني عليها.
فتوحيد الله هو في عمقه اتحاد الناس واجتماعهم وتضامنهم على أسماء وصفات الله التي هي في الوقت ذاته معان لقيم ثابتة مطلقة يتطلعون إليها ويسعون أن تأتي تصرفاتهم بمقتضاها، تلك هي صفات الجمال، كما أنه (التوحيد) يقتضي أيضا الاعتراف لله وحده بصفات الجلال ومنها: الجبار، والمتكبر، والمنتقم، والقهار، والرزاق… فإذا امتلأ قلب المؤمن بهذه المعاني أدرك أنه متحالف مع الله[7] في إعمار أرضه وإسعاد خلقه، فتحرر وانطلق في عزم لا يوقفه شيء.
4- النقد الذاتي: وهو أول مراحل التصحيح والتطوير، بدونه لا يتم تجاوز قصور ولا تحقيق تطور، ويتضمن انتباه الإنسان لذاته وإمكاناته، باعتبار أن توجهه إلى الله الواحد يقتضي أن الحقيقة المطلقة هي بيد هذا الواحد لا بيد غيره، فكل الناس مهما أصابوا أو أخطؤوا ينبغي ألا يغيب عن بالهم واجب الاستغفار الذي هو نتيجة انتباه مستمر لما يصدر عن الذات من تصرفات، فالاستغفار هو الكفيل بتصحيح الخطأ وتطوير الصواب بالزيادة في العلم بما خفي على الإنسان منه، لذلك فقد شرع بعد المعاصي والطاعات على السواء، وهو ما تدل عليه آية :(فاعلم أنه لا إله إلا الله، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، والله يعلم متـقـلبكم ومثواكم)،[8] وفي الحديث: (إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم).[9]
على سبيل الختم:
ليس التوحيد مجرد اختزال لآلهة متعددة في إله واحد، ولا هو تصور ميتافيزيقي صانع لهوية، ومحدد لانتماء، بل هو توجه إيماني وطاقة محفزة لمشاعر وتصرفات المؤمنين نحو رؤية واحدة وواضحة ومحددة، وهو يمكن أن يشكل اليوم أرضية انطلاق نهضوية وتنموية لكل أقطار العالم الاسلامي إذا ما أحسن تمثله بما يلائم سقف معارف عصرنا وحاجياته، وبما يتضمن من مفاهيم الأنسنة والمساواة والاتحاد والنقد الذاتي والتطوير المستمر.
[1] سورة الآنعام آية 82
[2] أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب ظلم دون ظلم.
[3] سورة لقمان، آية 13
[4] أخرجه البخاري في صحيحه حديث رقم 481 كما أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والترمذي في سننه كتاب البر والصلة والنسائي في كتاب الزكاة وأبو داود في كتاب الآداب وأحمد في مسند الكوفيين.
[5] أخرجه مسلم في البر والصلة باب تراحم المؤمنين وأخرجه البخاري في صحيحه.
[6] أخرجه البخاري في كتاب المظالم.
[7] يدل على ذلك حديث (…وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه “. أخرجه البخاري في صحيحه، وابن حبان والبيهقي في سننه الكبرى.
[8] سورة محمد آية 19.
[9] رواه ابو داود والترمذي وصححه الألباني وقد ورد نفس المعنى بصيغ متعددة عن البخاري ومسلم في صحيحيهما والنسائي وأحمد



