أكاد أجزم أنه ليس ثمة من مُتابع للشأن السياسي، سواء من قريب أو من بعيد، لم يطرُق سمعه اسم مؤسس التنظير السياسي الواقعي نيكولا ميكيافيلي الذي ينسب له أنه أول من أعلن الطلاق بين الممارسة السياسية والأخلاق، حتى طار صيت مقولته “الغاية تبرر الوسيلة” في كل الأرجاء، تلوكها الألسن في كل وقت وحين، في السياسة وفي غير السياسة، ناسفة بذلك الشروط والمقتضيات التي ينبغي للحاكم التقيد بها في تدبير شؤون دولته، كما نصّ عليها المعلم الأول “أرسطو” في كتاب “السياسة” والتي من جملتها إخلاص الحاكم لنظام الدولة، والكفاءة لأداء المهام والوظائف، والفضيلة والعدالة بالمعنى الذي يتفق مع نظام الدولة؛ أو كما تصدى لها فلاسفة الإسلام منذ القرن الثالث الهجري في إطار ما عرف بالسياسة الملكية، أو الأحكام السلطانية التي ركنت بالخصوص إلى شرح الخِلال الحسنة التي يجب أن يتصف بها الأمير، والعيوب التي يجب أن يبرأ منها لكي يصلح لرئاسة الدولة وسياسة الناس. ولسنا هنا لنحاكم ميكيافيلي بواقع غير الواقع الذي عاش في كنفه، لأن هذا لا يستقيم، طالما أن لكل مقام مقال ولكل زمن رجال، ولكل وارد حال، ولكن فقط لنُذَكر بأن الأفكار والقرارات المصيرية لا تمحى من ذاكرة التاريخ، بل يظل صداها يتردد ما بقي الإنسان على وجه البسيطة، والأدهى من ذلك والأنكى، أن هذه الأفكار والقرارات سرعان ما تتناسل وتترتب عليها أمور أخرى سواء حصل الوعي بها أم لا.
والأسماء التي طبقَّت تميمة ميكيافيلي ومارست السياسة كتدبير للمصالح دون أن تكترث بالمبادئ أو تأبه للقيم في معناها الكوني، أكثر من أن تعد أو تحصى. ويحضرني هنا نموذج سافر وسافل في آن لممارسة العمى السياسي الذي يلهج لسانُ حاله بالقول: حيثما دارت المصالح أدور معها، وهذا النموذج لا هو الحاكم بأمر الله الفاطمي ولا هولاكو المغولي ولا هتلر النازي، بل هو نابوليون بونابرت الفرنسي الذي سجل لنا التاريخ قولا له يعكس ما آل إليه حال الآدميين من الحكام تحديدا، لأن الشعوب غالبا ما تكون مغلوبة على أمرها ولا حول لها ولا قوة إلا “إذا الشعب يوما أراد الحياة..، قال:
“لم أستطع إنهاء حرب الفاندي (La Vendée) -هي منطقة ريفية ومتعصبة للكاثوليكية في جنوب غربي فرنسا، كانت مؤيدة للملكية ومعادية للثورة الفرنسية. وقد سقط في حروب الفاندي وفي المجازر التي رافقتها قتلى بعشرات الآلاف- إلا بعد أن تظاهرتُ بأني كاثوليكي حقيقي. ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي. وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا. ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعبا من اليهود لأعدت من جديد هيكل سليمان.”
هذا نموذج للعهر السياسي المتحلل من المبادئ الأخلاقية حتى في أدنى صورها التي تحيل في هذا المقام إلى تلك العلاقة الشائكة بين الهدف السياسي والوسائل المفضية إليه. قد نتعلل مثلما تعلل ميكيافيلي نفسه بأننا لا نعيش في عالم الأخيار، وبأن الإنسان إنما يجتمع فيه لهيب جهنم وعطر الجنة، حُسن الملائكة وقبح الشياطين، وأن الفعل البشري يصعب تقييمه وتقويمه من زاوية واحدة، ولذلك فهو مثار استحسان واستهجان في آن تبعا لزاوية النظر وبحسب تقلب الأزمان وتغير الأحوال، لكن ذلك لا يشفع لنا ولا له، لأننا نعلم أيضا أن السياسة التي لا تحكمها – أو تشكمها – بعض المبادئ والقيم الأخلاقية تكون أقرب إلى التسلط، مثلما أن الإنسان الذي يتحلل من كل وازع أخلاقي، أيا كان مصدره، يكون أقرب ما يكون إلى مصاف البهائم والأنعام. فلا سياسة ولا إنسان بدون زمام، وزمام السياسة المبادئ وزمام الإنسان أخلاقه أو إن شئنا قلنا عقله؛ لأن العاقل في بعض معانيه هو من “يرى بأول رأيه أواخر الأمور، ويهتك عن أسبابها ظلم الستور.”
ومنذ أرسطو وربما قبله، تواضع الباحثون على أن السياسة هي تدبير للمدينة، مثلما أن الأخلاق تدبير للنفس، لكن ليس باعتبارها – أي المدينة/الدولة – أرضا ومساحة بل باعتبارها نفوسا تسكن هذه المدينة، لا يعني تدبيرها بأي حال فرض الوصاية على هذه النفوس والتكلم باسمها ونيابة عنها، بل يعني على خلاف ذلك تماما، أن تنصت لهمسهم وتضبط إيقاع سياستها على مقتضيات إرادتهم. وهذا ما لم نلاحظه في عديد القضايا الجسيمة مثل قضية فلسطين التي كشفت عن سكيزوفرينيا خطيرة في جسم الدولة، بين موقفها المحكوم ببراغماتية سافرة، وبين موقف الشعب، أو غالبيته، المحكوم بمبدإ راسخ لا يتبدل يرى أن فلسطين ليست للمساومة، وأنه لا يجوز مقايضتها بأي ثمن كان أيا كانت قيمته أو أهميته.
والمغزى المراد مما سبق عرضه أن فلسطين باقية ما بقي أبناؤها ومَن في قلوبهم ذرة من مبادئ، وأما أن يتنكر لها هذا البلد أو ذاك، أو يتاجر بها هذا الحاكم أو ذاك، بعد أن كان يُقدم نفسه في ثوب الفارس البطل – بطولة وهمية طبعا -، فهذا في اعتقادي لن يضرها في شيء ولن يفتّ في عضد الغيورين عليها، فما سمعنا أن الفروسية ماتت بموت الفارس، ولا أن البطولة – الحقيقية – ماتت بموت البطل.
ولسنا نرجو من الحكام العرب الذين مارسوا سياسة المصالح المفضوحة، فقايضوا القضية الفلسطينية بمآربهم الضيقة، أو قدموها ثمنا لسلام موهوم، سوى أن يتحلوا بالشجاعة الكافية في تحمل تبعات مواقفهم، أمام شعوبهم أولا، وأمام التاريخ ثانيا، وأن يدركوا جيدا أنه ليس من حقهم أن يكمموا أفواه الرافضين الغاضبين؛ لأن زمن الحجر الفكري قد ولَّى وانصرم عهده. والأهم من ذلك، ألا يسحبوا خناجرهم بعد اليوم ولا أن يتنافخوا شرفا ولا أن يطلبوا من فلسطين أن تسكت صونا للعرض… فهل تسكت مغتصَبة!!؟



