فرانسيس فوكوياما وآخرون
على خلفية التعديلات الجديدة لسياسات الخصوصية التي أعلن عنها تطبيق واتساب للمحادثات الفورية المملوك من قبل شركة فيسبوك، تجدد الجدل عالميًا مرة أخرى، حول القوة الاحتكارية المتنامية والهائلة لمنصات التواصل الاجتماعي في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الراهنة.
تستدعي الهواجس المتصاعدة اليوم بشأن تلك المنصات، التحذيرات نفسها التي أطلقها عالم السياسة الأمريكي فرانسيس فوكوياما بمشاركة الباحثان باراك ريتشمان وأشيش غويال منذ أقل من شهرين، في مقال منشور بمجلة Foreign Affairs الأمريكية، يتناول خطورة اتساع رقعة هيمنة هذه الشركات من خلال قراءة تحليلية جماعية تتجاوز مجرد نقد الطابع الاحتكاري لتلك الشركات من الناحية الاقتصادية، وقضايا انتهاك خصوصية الأفراد إلى التحذير من عواقب هيمنة تلك الشركات العملاقة على المستقبل السياسي في الولايات المتحدة والغرب؛ بسبب هيمنتها الكبيرة على عملية نشر المعلومات وتنسيق التعبئة السياسية، الأمر الذي بات يشكل تهديدًا فريدًا من نوعه للعملية الديمقراطية.
في مواجهة هذه الهيمنة المنذرة بالخطر، يدعو فوكوياما ورفيقيه إلى التفكير في نهج جديد، يتمثل في تدشين مجموعة جديدة من «التطبيقات الوسيطة» التنافسية لتمكين المستخدمين من اختيار كيفية تقديم المعلومات إليهم. كحل أكثر فعالية من أي محاولة قانونية لتفكيك هذه الشركات بموجب قوانين مكافحة الاحتكار.
على الصعيد الاقتصادي، يرصد كاتبوا المقال مظهرًا آخر لهيمنة شركات التكنولوجيا العملاقة، ألا وهو امتلاكها لعملة العالم الجديدة، التي هي ببساطة «البيانات»، فبمجرد أن تجمع شركة مثل Amazon أو Google بيانات عن مئات الملايين من المستخدمين، يمكنها الانتقال إلى أسواق جديدة تمامًا والتغلب على الشركات التقليدية القائمة التي تفتقر إلى حجم المعرفة العميق والدقيق والشمولي الذي تتمتع بها شركات التكنولوجيا الكبيرة.
فعلى عكس الشركات التجارية الكلاسيكية، لا تتنافس شركات تكنولوجيا المعلومات في الفضاء الرقمي على حصة من السوق فقط، بل تتنافس على السوق نفسه. بطريقة أصبحت معها المنافسة التجارية أمرًا مستحيلاً. وأصبح مصير المنافسين المحتملين الوحيد هو ابتلاع الشركات الأكبر لهم، كما فعل Facebook من خلال شراءه تطبيقي Instagram وWhatsApp.
بالعودة مرة أخرى إلى رصد التأثير السلبي والمزعج لتلك المنصات على الصعيد السياسي، يقول كاتبوا المقال أن منصات التواصل الاجتماعي أيضًا ساعدت المخادعين في نشر الأخبار الكاذبة وفي ترويج آخرين للعديد من نظريات المؤامرة، كما ساعدت على تعميق حدة الاستقطاب والانقسام السياسي، بسبب طريقة عمل الخوارزميات الخاصة بها، التي تُظهر المعلومات التي تؤكد معتقدات المستخدمين التي يعتنقونها مسبقًا. بطريقة تحرم تلك القاعدة العريضة من المستخدمين من النقاش السياسي الديمقراطي الصحي مع بعضهم البعض؛ ومن ثم باتت كل فئة أو مجموعة سياسية تعيش في «فقاعة» أو جزيرة منعزلة عن المجموعات الأخرى، جراء الطابع المقولب للمعلومات والأخبار التي تُعرض على أفرادها من قبل خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
يطرح كاتبوا المقال افتراضا مثيرا مفاده، سيطرة ملياردير محافظ على إحدى هذه المنصات العملاقة، مثل روبرت مردوخ مالك شبكة Fox News وصحيفة The Wall Street Journal الذي يمنحه امتلاكهما بالفعل نفوذاً سياسياً بعيد المدى.
في حدود ملكية مردوخ الحالية لوسائل الإعلام المذكورة آنفًا، تظل آثار هذا النفوذ السياسي واضحة للعيان على الأقل كما يقول كاتبوا المقال، أما إذا سيطر مردوخ على Facebook أو Google على سبيل المثال، فيمكنه تغيير خوارزميات التصنيف أو البحث بمهارة لتشكيل ما يراه المستخدمون ويقرؤونه، مما قد يؤثر على آرائهم السياسية دون وعيهم أو موافقتهم.
أخيرًا؛ يشبه فوكوياما وزميليه القوة الاقتصادية والسياسية للمنصات الرقمية بسلاح محشو ملقى على الطاولة. في الوقت الحالي، من المحتمل ألا يرفع الأشخاص الجالسون على الجانب الآخر من الطاولة المسدس ويقوموا بسحب الزناد، ولكن مع ذلك، يظل السؤال المطروح على الديمقراطية الأمريكية هو: ما إذا كان من الآمن ترك البندقية هناك؟ حيث يمكن لشخص لديه نوايا سيئة أن يلتقطه في أي وقت، ويستعمله بطريقة غير مشروعة؟



