عدت من سفري الأول لقاهرة المعز ومصر كلها قبل 18 سنة، بدعوة عطرة من د. المسيري رحمه الله وحضور فعاليات معرض الكتاب، بصداقات جميلة مع أشخاص وكتب…
أهداني خلال تلك الزيارة صديقي أحمد عبد الرحيم رواية “رأيت رام الله”، وكان قبل ذلك قد عدد لي جمالياتها. من يومها بدأت علاقتي مع قلم الكاتب والشاعر مريد البرغوثي…
سوف أتقاطع معه مرة واحدة وزوجته رضوى عاشور في بهو فندق في فرانكفورت سنة 2004 حيث كان يقيم ضيوف المعرض الدولي للكتاب، الذي كان يحتفي بالعالم العربي سنتها.
كنت قبلها أنتظر قدوم د. المسيري، وأجلس غير بعيد عن الشاعر أدونيس الذي كان يقدم حوارا صحفيا، ويبدو أنه انزعج من وجودي القريب، وبدأ يتحدث بصوت أعلى، وبالفرنسية مع محاوره وبلكنة سورية، فيها نبرة امتعاض خفيفة، أو هكذا التقطتها أنا في تلك اللحظة. فأدرت رأسي قليلا نحوه، ابتسمت وأنا أحييه، واستفسرته بالفرنسية إن كان وجودي القريب بالنسبة إليه يتطفل على حوارهما؟!
لا أظنه كان يتوقع أنني سأخاطبه بالفرنسية لأن الاندهاش بدا عليه واعتذر عن الانطباع الذي وصلني، ودعاني بكل لطف أن أنضم إلى جلستهما، وكذلك فعل الصحافي نفسه ولكنني برفق شرحت معتذرةً أنني أنتظر د. المسيري الذي قد يصل في أي لحظة… ثم بعدها رفع الشاعر محمود درويش كأسه وشاغب زميله أدونيس، كنت أنا أتوسطهما، ذلك المنظر الذي كان عليه الشاعر محمود درويش صباحا وحده على البار من بين كل الحاضرين في البهو لم يثر فيَّ رغبة الحديث لحظتها…
وجاء د. المسيري قادما لتوه من صالة الإفطار، رآني وفتح يديه من بعيد وهو يبدو سعيدا ويرحب بطريقته المصرية الأصيلة، وقفت وتقدمت نحوه. كانت خطواته بدأت تتثاقل من وقتها، وكان يحمل هديتي من كتبه كما كنت أحمل له كعادتي بعض الإكسسوارات التي يحب ودائما الشوكولا البلجيكية، كنت مستعدة نفسيا لأصافحه في ذلك اليوم، فقد شعرت بالكبت الذي خلفه عنده عدم مصافحتي له خلال مقامي عنده في القاهرة السنة الفائتة…
قدمت له يدي، فبدا أسعد حتى قبلني على خدي وهو يقول بصوت عال “نعيمة بنتي ازيك وحشتيني”…
أعترف أنني في داخلي أحرجت، لكنه كان يبدو رحمه الله فخورا وسط زملائه من الكتاب والأدباء والمفكرين وهم يتابعون المشهد بكل انتباه…
فسألني: ” تحبي نقعد فين يا بنتي؟”
فقلت بعيدا عن الشاعرين أدونيس ودرويش كي لا نزعجهما بمحادثاتنا لأننا عادة نضحك كثيرا وبصوت عال…
فاختار مكانا كان قريبا من مجموعة أذكر أنه من بين من كان فيها مريد البرغوثي ورضوى عاشور ورفعت السعيد الذي كنت تعرفت إليه خلال ترأسه جلسة مناقشة كتاب المسيري العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية خلال فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب سنة 2003، ولا أزال أذكر أنه عندما أراد أن يعطيني الكلمة قدم ب: ” كعادة كل مائدة نختم بالحلو معنا من المغرب…”!
فجلسنا د. المسيري وأنا، وتحدثنا في كل ما يهمنا وما لا يهمنا أيضا، وتحدثنا عن قصيدة تميم وقتها: ” قالوا لي بتحب مصر قلت مش عارف..”
وعن معركته ووالدته في ذلك الوقت بخصوص منح المرأة المصرية جنسيتها لأطفالها وكنت توقعت أن فصل المغرب فيها كان سيكون دعما لمعركة النساء المصريات…
حتى بحت له بعلاقتي برواية مريد البرغوثي “رأيت رام الله”،وكيف أنني ظللت أقرأها وأعيد قراءتها في القطار الذي كنت أستقله وقتها مرتين في اليوم…
وعرضت عليه بعض المقاطع منها التي مستني خاصة، ووعدني بقراءتها بعد أن شجعته على ذلك…
ثم بعدها نزلت صحفية أردنية لا أذكر اسمها لكنها كانت معتمدة لتغطية فعاليات المعرض، أذكر أنها كانت ترتدي معطفا جلديا أسودا تماما كما فعلت أنا، فحيت المسيري وحيتني، وأشارت إلى أننا نرتدي نفس الشيء، هنا قدمني المسيري لها ولكل من كانوا في محيطنا ببعض الاعتزاز ” نعيمة بنتي جاية من بروكسيل عشاني عشان تحضر معاي معرض الكتاب” فجأة كل من كان في البهو تحول اتجاهها، خلقت جوا لطيفا، فجاملها المسيري لمظهرها، وقام د.رفعت السعيد وهو يشاغب د. المسيري “ما تصدقيش الإسلاميين دول عمرك ما تصدقيهم”!
وشارك في هذه المشاغبات مريد ورضوى ودرويش.. وتعالت الضحكات.
المهم وحدها الصحفية لحظتها وحدت الجميع حول موضوع…
بعدها سوف يشرح لي د. المسيري أنهم يشاغبونها لأنها تغير في مظهرها باستمرار…
كانت لديه فلسفته الخاصة حول الملابس رحمه الله، وكنت أختلف معه حولها، وكنا نتحدث فيها مرارا…
بعدها سوف يسعدني اهتمام الكثيرين في محيط المسيري خاصة من الشباب بالرواية…
أذكر كل هذا ومريد البرغوثي رحمه الله يغادر عالمنا هذا بعد سبع سنوات تقريبا على وفاة حبيبته رضوى.
كما غادرت هدى حجازي عالمنا بعد سبع سنوات تقريبا على وفاة حبيبها عبد الوهاب المسيري…!
رحم الله مريد البرغوثي وأكرم مثواه.. ورحم كل من ذكرت فوقه بإذنه أجمعين



