في دراسته المنشورة في العدد الأخير من دورية «عمران» الفصلية المختصة بالعلوم الاجتماعية تحت عنوان « الخير على قارعة الطريق: موائد إفطار رمضان في تونس العاصمة، تحولات التضامن الغذائي ودلالاته السوسيولوجية»، تناول د.مهدي مبروك (أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية ومدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس) أحد مظاهر العمل الخيري في شهر رمضان الرمضانية في تونس بعد ثورة 2010 -2011، عبر منهج إثنوسوسيولوجي سلط من خلاله الضوء على الشبكات والروابط الاجتماعية وراء تلك الظاهرة التي تحرر بها «فعل الخير» في تونس من احتكار الدولة ومن التوظيف السياسي.
يقول مبروك أنه على قارعة الطريق بين تونس العاصمة ومدينة زغوان التي تبعد عنها 60 كيلو متر تقريبًا، تنتشر في شهر رمضان منذ 2012 مئات الطاولات في الهواء الطلق في أحد أكثر الأحياء الشعبية فقرًا وتهميشًا وهو حي «الكبارية» الواقع غرب العاصمة، في مشهد لم يكن متاحًا قبل الثورة على حد تعبيره، حيث خلقت الثورة مناخًا مواتيًا للمبادرات الاجتماعية الوليدة، وشجعت فاعلين جدد في إنتاج أشكال وممارسات تضامنية تقليدية ومبتكرة في المجتمع التونسي.
خلال دراسته تناول مبروك مصادرة دولة الاستقلال في تونس للعمل الاجتماعي والخيري بعد حلها للأوقاف والجمعيات الأهلية التي كانت تقدم الخدمات للفقراء، ومن خلال تأسيس مؤسسة بيروقراطية هي الاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي، كانت بحسب مبروك إحدى أذرع النظام السياسي ووسائله في اختراق أنسجة المجتمع، ومقاول عمومي للعمل الخيري ضمن زبونية سياسية تراقب فعل الخير، وتنظمه، وتضيق عليه في الوقت نفسه.
على عكس ما جري في البلدان العربية الأخرى التي شهدت ظاهرة انتشار «موائد الرحمن» الرمضانية من خلال مبادرات أهلية طوعية، كانت تلك الموائد في تونس تحت رعاية وإشراف الدولة، وكانت هي وأشكال المساعدات الاجتماعية الأخرى جزء من آليات شراء الولاء السياسي، التي لم تخل بحسب مبروك من التجاوزات والفساد والتوزيع طبقًا للمحسوبية وعوامل القرابة والانتماء السياسي.
عقب الثورة شهد المجتمع التونسي نشأة أواصر اجتماعية جديدة خارج الهياكل الرسمية للتضامن، ومن بينها مبادرة «إفطار صائم الكبارية» التي انطلقت في عام 2012، والتي تمثل موضوع هذه الدراسة.
يشير مبروك إلى أن هذه المبادرة لم تقتصر فقط على تقديم الإفطار للصائمين، ولكنها قدمت أيضًا عددا من الخدمات الأخرى مثل ختان الأطفال ليلة السابع والعشرين من رمضان، وتقديم «قفة رمضان» التي تشمل مواد غذائية للمحتاجين لتغطية احتياجاتهم طيلة الشهر.
يشير مبروك كذلك إلى أن تلك المبادرة أعادت الاعتبار لحي الكبارية الذي عانى من سيادة صورة نمطية سيئة عنه أدت إلى وصمه وتهميشه اجتماعيًا، ويفتخر مؤسسو المبادرة في هذا السياق بأن مبادرتهم حازت تغطية إعلامية دولية، ونقلت صورة إيجابية عن حيهم، ودفعت كبار المسئولين السياسيين إلى زيارتهم ومن بينهم رئيس الوزراء التونسي الأسبق يوسف الشاهد.
من خلال الاستشهاد بنظريات ومقولات عدد من علماء الاجتماع الغربيين، خلص مبروك إلى أن الثقة التي نشأت بين الشبكات الاجتماعية الملتفة حول المبادرة تحولت إلى رأس مال اجتماعي ثمين، يمثل بدوره ركنا حصينا في بناء الديمقراطية، ويقطع الطريق أمام المخاوف والشكوك ويكثف التواصل بين مختلف الفاعلين، ويخلق هوية جماعية.. في ختام دراسته، بعد الثناء على تجربة مبادرة مائدة الإفطار في الكبارية، يعود مبروك لنقد الأوضاع السابقة قبل الثورة ويقول في تعليق أخير أن حل الأوقاف عام 1958 مصحوبًا بحل آلاف الجمعيات الخيرية، مزق الدثار التقليدي التضامني، فغدا المجتمع عاريًا إلا من دثار إرادة رسمية تغلف المجتمع، حالت بينه وبين أغطيته التضامنية التقليدية، ولم يكن هذا في رأيه محض علمنة للتضامن الحديث في تونس، ولكن كان دَوْلَنة مفرطة أحكمت الرقابة على المجتمع حتى شكلت عقيدة لم تستطع الثورة حتى الآن خلخلة أسسها بشكل كامل.



