خلال الحلقة الرابعة عشر بعد المائة من حلقات «أسمار وأفكار»، تحدث أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة قطر د. أحمد إبراهيم أبو شوك عن الداعية الإصلاحي الشيخ محمد رشيد رضا، وسلط الضوء على تكوينه المعرفي والثقافي وأبرز إسهاماته الإصلاحية في الفكر الإسلامي الحديث.
ولد رشيد رضا في قرية القلمون اللبنانية على ساحل البحر الأبيض المتوسط عام 1865. حفظ القرآن وتعلم مبادئ اللغة العربية على يد والده الشيخ «علي رضا» إمام مسجد القلمون، التحق بعد ذلك بمدرسة الرشيد الابتدائية، ثم التحق بالمدرسة الإسلامية الوطنية في طرابلس (لبنان) التي كان يديرها الشيخ الإصلاحي اللبناني المعروف حسين الجسر.
خلال فترة دراسته في طرابلس، تعرف رشيد رضا على العالم والفقيه والمفكر الإصلاحي المصري «محمد عبده» الذي كان منفيًا في لبنان بعد اتهامه بالمشاركة في الثورة العرابية. حاول رشيد رضا الاتصال أيضًا بالسيد جمال الدين الأفغاني، ولكنه لم يستطع أن يلتقي به لأن الأخير كان مقيمًا في استانبول في ذلك الوقت وحتى وفاته.
حصل رشيد رضا على الإجازة في العلوم الشرعية من قبل الشيخ حسين الجسر عام 1897، وانتقل إلى مصر في العام التالي مباشرة، والتقى هناك مجددًا بالشيخ محمد عبده الذي كان قد عاد من منفاه عام 1889 بعفو من الخديوي توفيق. استطاع رضا أن يقنع عبده بتأسيس مجلة «المنار» في شهر مارس\ آذار من العام نفسه، لتتحول الأخيرة في غضون عدة سنوات إلى: «أهم مدونة مصدرية للفكر الإسلامي الحديث توثق لفكر حركة الإصلاح في الربع الأخير من القرن 19 والنصف الأول من القرن 20» كما وصفها المؤرخ الإنجليزي (لبناني الأصل) ألبرت حوراني.
حاول رشيد رضا أن يوظف مجلة المنار في مجال الإصلاح الديني والعقائدي ومسائل التوحيد ومحاربة البدع والخرافات، واهتم هذا السياق بمجال التفسير وأعتمد في هذا الصدد على تفسير الشيخ محمد عبده للقرآن الكريم، واهتم رضا كذلك بالفقه، وانتقد في هذا السياق جمود الفقهاء التقليديين الذين كانوا يرون قفل باب الاجتهاد، وقد احتوت المجلة على باب للفتاوى كان يتم الرد من خلاله على أسئلة الجمهور في القضايا الفقهية والعقدية المختلفة. كما خصصت مجلة المنار بابًا يتناول أخبار الشعوب المسلمة ومناهضة الاستعمار ومواجهة التنصير.
على خلاف السائد في تعاطي الكثير من الباحثين مع رشيد رضا كشخصية مؤثرة في الشرق الأوسط بشكل رئيسي، وبوجه خاص على جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر عام 1928، يسلط الدكتور أحمد أبو شوك الضوء على تأثير رشيد رضا ومجلة المنار في منطقة جنوب شرق آسيا، حيث شهدت اندونيسيا تأسيس الحركة المحمدية في على يد كايا أحمد دحلان في العام 1912، وهي حركة بلغت عضويتها في أوائل العشرينات أكثر من 6 مليون عضو، وكان تأثير مجلة المنار واضحًا بشكل جلي على المنهج الإصلاحي لتلك الحركة.
يرصد د. أبو شوك كذلك تأثير محمد رشيد رضا على الحضارمة اليمنيين في اندونيسيا، وانعكاس ذلك في تأسيس الجالية الحضرمية لحركة الإرشاد والإصلاح في جاكرتا، ويسلط الضوء على المنابر الصحفية التي ظهرت في شرق آسيا متأثرة به وبمجلة المنار مثل مجلة «الإمام» الناطقة باللغة المالاوية في سنغافورة التي أسسها أحد كتاب مجلة المنار المتأثرين برشيد رضا وهو الشيخ طاهري جلال الدين، ومجلة المنير في بادنغ (أندونسيا) التي ألتزمت بنفس نهج مجلة المنار الصادرة من القاهرة. وكل ذلك على سبيل المثال لا الحصر.
وللاستزادة يمكن الرجوع إلى الحلقة على موقع يوتيوب على الرابط التالي:



