يرينا صاحبنا المغربي الرجل الكريم المقيم في بلجيكا عبر كاميرا هاتفه ضيعته الموجودة في ركن من أركان المغرب، فترى مباشرة التفاصيل: البقرة، والدجاج، وأشجار الزيتون، وبركة الماء، والسلاحف، و… ومستخدَمه القادم من جنوب المغرب والذي بنى له فيها بيتا فهو فيه يقيم، هو وزوجه، وابنه، وابن أخيه المتوفى.
صاحبنا يحكي أن الأرق أصابه ذات ليلة من ليالي بروكسيل الطويلة فأشعل كاميرا هاتفه في الثالثة صباحا ليطل على الضيعة، فإذا بالماعز يأكل أوراق شجر الزيتون، فما كان منه إلا أن اتصل بمستخدمه فأيقظه من نومه ليطلب منه إبعاد الماعز.
هذا من طرائف ما حكاه لنا، غير أن العجيب هو ما سأحدثكم عنه الآن.
غرس الفلاح النبيه الذكي ذو الهمة شتلات أشجار الزيتون، والكثير من الغرس، ثم سقاه وتعهده، وانتظر، لكن النتيجة لم تكن بالتي ترضيه. وصاحبنا في بروكسيل يتابع التجارب في ضيعته لحظة بلحظة، وخطوة خطوة … يشاهد ويستمع للفلاح، ويسأل عن التفاصيل ثم يبحث. وهو منهمك في بحثه عن الحلول أوصلته نقرات على هاتفه الى قرية من تلك القرى التجريبية الفريدة المنتشرة في ربوع فرنسا.
هناك؛ حيث استقر مجموعة من الشباب الفرنسي منهم أطر ذوو شهادات عليا، ومنهم من كان الأجر الذي يتقاضاه من عمله في شركات عملاقة قد يصل إلى عشرة آلاف أورو في الشهر. هؤلاء هجروا باريس وغيرها من المدن، يبتغون التجربة، تجريب نماذج بديلة للإنتاج والعلاقة بالطبيعة والمدرسة وتنظيم مجتمعي أكثر إنسانية وهم عاكفون على تثبيت أركان تنمية مستدامة يريدونها ممتدة عبر الأجيال، ويأملون تحقيق اكتفاء ذاتيا، واستقلالا تدريجيا عن المنظومة الاستهلاكية الصناعية المهيمنة. هكذا يقولون!
فهم يجبرون كسر أمنا الأرض التي أرهقتها شراسة الآلة والمبيدات الكيماوية والأسمدة، وهم يعيدون إليها الحياة، يغسلونها وينظفون جنباتها من إرث الحقبة الصناعية الثقيل. ثم هم يستلهمون في مسيرتهم هذه خبرة وطرق المجتمعات الإنسانية التقليدية وميراثها الزراعي.
ارتاحت تربة الأرض وتنفست الصعداء فجادت بالخيرات وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فهم الآن يسوقون غلالهم محمولين على جناح الموجة البيئية المنتشرة بين الشباب وغيرهم.
ولكن هناك شيء آخر يسوقونه ويبيعونه إضافة الى ما تنتجه الأرض، إنها تقنيات جربوها فنجحت ومعرفة بالأرض والزراعة راكموها فوثقت، وهم ينظمون دورات تدريبية في عين المكان عندهم لمن أراد استنساخ التجربة والاطلاع على المشروع عن قرب. ولمن بعدت عليه الشُّقَّة كرب ضيعتنا المغربية يبقى باب الانترنيت السحري مفتوحا ليل نهار لا يغلق ولا يوصد أبدا في وجه من يبغي الغرف من علم البشرية وتجربتها.
وهكذا أصبح صاحبنا عضوا مشاركا يؤدي مبلغا ماليا مقابل الحصول على فيديوهات ونصائح المجموعة.
بل يرسل لهم أسئلته، ويخبرهم بالمشاكل التي تواجه فلاحه، ويتبادل معهم فيديوهات من أرضه بل يرسل لهم حتى دقائق مكونات التربة.
ومازال الفلاح يجرب ويطبق ما يأمره به رب الضيعة من توجيهات ونصائح قادمة من فرنسا. فمرة يتعجب ومرة يعترض اعتراضا لطيفا متعللا بأن طرقا كهذه لم يسبق له وهو الفلاح بن الفلاح أن اختبرها، لكنه يكون في جل أحواله جذلان فرحا منبهرا بما يعاين عن قرب إذ كبرت أشجار الزيتون وآتت باكورة ثمرها في زمن قياسي وأصبحت الضيعة محل تساؤل المتسائلين وفضول الفضوليين وحسد الحاسدين من بعض الفلاحين والجميع يسأل عن السر بما فيهم ذلك المهندس الزراعي الذي كان للضيعة من الزائرين ولأهلها من الناصحين.
إن وراء السر الذي يتساءل عنه القوم أسرارا ومغامرات، وتجارب إنسانية جبارة لأناس أغلبهم شباب اعتنقوا فكرة وآمنوا بها وخططوا لتحقيقها، وتعلموا، وثابروا، وصبروا، ودونوا، وسجلوا، وتقاسموا تجاربهم ومعارفهم. والسر الآخر يكمن في تلك النقرة الجادة، الواضحة الهدف، والباحثة عن المعرفة، فتصلك رغم تباعد المسافات. من يملك المعرفة قد يبيعها ويكسب رزقه من خلالها وقد يمنعها عمن يريد إن شاء، ومن ليس له علم وتجربة ومعرفة يلج بها هذا العالم الافتراضي السحري فمآله الروتين اليومي وخصوصياته وجسده وتفاهاته رأس ماله يتاجر به.



