في الكتاب الصادر عن منشورات جامعة أدنبرة عام 2025، تحت عنوان: “The Enduring Legacy of the Habsburg Islam Policy: Muslim Communities in Central and Southeast Europe” (الإرث الدائم لسياسة آل هابسبورغ تجاه الإسلام: الجاليات المسلمة في وسط وجنوب شرق أوروبا)، تحلل مجموعة من الباحثين بالتفصيل أوضاع الجاليات المسلمة في الإمبراطورية النمساوية المجرية (الهابسبورغية)، ويستكشفون إرث السياسات التي انتهجتها تلك الإمبراطورية تجاه الإسلام، وما خلّفته من ميراث مؤسسي وقانوني وهياكل تنظيمية لا تزال تؤثر في كيفية تنظيم شؤون المسلمين في عدد من دول أوروبا الوسطى وجنوب شرق أوروبا حتى اليوم. كما يناقش الكتاب خصوصية التعايش في أوروبا الوسطى بين المسلمين الأوروبيين الأصليين، الذين عاشوا فيها لقرون، والمهاجرين المسلمين الذين استقروا فيها حديثًا، ومسار تفاعلهم مع الدول الأوروبية المعاصرة. [[1]]
وكما يشير المحرران: توماس شميدينغر وسيفجي أداك، فإن فهم أوضاع المسلمين اليوم في دول مثل النمسا والبوسنة وكرواتيا وسلوفينيا والمجر والتشيك وسلوفاكيا، وحتى بولندا، لا يكتمل من دون العودة إلى السياسات الدينية التي وضعها آل هابسبورغ منذ أواخر القرن التاسع عشر، ولاسيما بعد ضم البوسنة والهرسك إلى حوزة الإمبراطورية عام 1878.
ويولي الكتاب اهتمامًا خاصًا لقانون الإسلام الصادر عام 1912، الذي منح الإسلام اعترافًا رسميًا داخل الإمبراطورية الهابسبورغية، لتصبح بذلك أول دولة كاثوليكية أوروبية تعترف بالإسلام دينًا معترفًا به قانونًا. ويُعد هذا القانون نقطة الانطلاق التي يبني عليها الكتاب تحليله؛ إذ يتتبع الباحثون المشاركون في تأليفه الظروف السياسية التي أدت إلى إصداره، وكيفية تنظيم المؤسسات الإسلامية آنذاك، واستمرار تأثيره بعد انهيار الإمبراطورية عام 1918، وإعادة توظيفه في التشريعات الحديثة، ولا سيما في النمسا.
ويعارض الكتاب التصور الشائع الذي يعتبر الإسلام في أوروبا ظاهرةً مرتبطةً فقط بالهجرة الحديثة، إذ يبين أن هناك نمطين من الوجود الإسلامي في المنطقة: أولهما المسلمون التاريخيون من السكان الأصليين، وفي مقدمتهم مسلمو البوسنة وبعض مناطق البلقان، الذين يعيشون في هذه الأراضي منذ قرون. وثانيهما المهاجرون المسلمون الذين وفدوا بعد الحرب العالمية الثانية. ويرى الكتاب أن السياسات الحكومية الحالية لا يمكن فهمها إلا من خلال التفاعل بين هذين المكونين المختلفين.
وينتمي هذا الكتاب إلى الدراسات التاريخية والسياسية المقارنة، إذ يجمع بين التاريخ القانوني، والتاريخ الإمبراطوري، وعلوم السياسة، ودراسات الأديان، ودراسات الأقليات. ولذلك لا يركز المؤلفون المشاركون على العقائد الإسلامية، بل على كيفية تعامل الدولة مع الإسلام بوصفه دينًا لديه مؤسسات ذات طابع قانوني.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يقدم تفسيرًا طويل المدى للعلاقة بين الدولة والإسلام في أوروبا الوسطى، ويرفض اختزال هذه العلاقة في قضايا الهجرة أو الأمن أو الاندماج المعاصرة. ويؤكد أن كثيرًا من الأطر القانونية الحالية تعود جذورها إلى سياسات وُضعت قبل أكثر من قرن، وأن هذا الإرث لا يزال حاضرًا في التشريعات والمؤسسات حتى اليوم. ويُعد هذا الكتاب من أبرز الإصدارات الحديثة في مجاله، لأنه يربط بين تطور أوضاع المسلمين في أوروبا من منظور تاريخي مقارن، بدلًا من الاقتصار على تناول قضايا الهجرة والاندماج المعاصرة.
[[1]]https://edinburghuniversitypress.com/book-the-enduring-legacy-of-the-habsburg-islam-policy.html



