في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحت عنوان: “China’s Malacca Dilemma, After Hormuz” (معضلة ملقا الصينية، في أعقاب هرمز)، يقول الكاتب تشي مينغ تان إنه عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا على إيران، أقدمت طهران على إغلاق مضيق هرمز، فأطلقت الصواريخ وأسقطت الألغام في قاع البحر، ما دفع ناقلات النفط إلى العودة أدراجها خلف الممر المائي الضيق الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي. [[1]]
وقد كان لهذا الإغلاق تداعيات مالية واسعة؛ إذ ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة لمضيق هرمز بين عشية وضحاها، بعدما أعادت شركات التأمين الخاصة تسعير التغطية التأمينية إلى مستويات تفوق قدرة أي شركة شحن على التحمل، أو رفضت إصدارها نهائيًا.
وكانت الصين من بين الدول التي وقعت ضحية هذا الحصار، رغم سنوات من الود بين طهران وبكين، وتلقي الأخيرة ضمانات بالسماح للسفن الصينية بالمرور في حال فُرض الحصار.
ويأتي في الواقع ما يقرب من نصف واردات الصين النفطية من الشرق الأوسط.
وإذا عجزت بكين عن ضمان استمرار تدفق النفط إليها عندما تسيطر دولة صديقة على نقطة اختناق حيوية مثل هرمز، فماذا سيحدث عندما تسيطر دولة معادية، كالولايات المتحدة، على نقطة الاختناق التالية؟
لقد أنشأت الصين أكبر أسطول في العالم من المركبات الكهربائية والألواح الشمسية وتوربينات الرياح، لكن مصانعها وشاحناتها وسفنها وطائراتها المقاتلة لا تزال تعمل بالنفط. وثمة ما يقارب 11 مليون برميل، من أصل 15 إلى 16 مليون برميل تستهلكها يوميًا، تُنقل بحرًا عبر مياه لا تسيطر عليها بكين. ورغم أن نحو 40% منها يعبر مضيق هرمز، فإنه ليس نقطة الاختناق الأهم بالنسبة للصين، إذ يذهب هذا الوصف إلى مضيق ملقا، الممر البحري الطويل والضيق الذي تتشارك ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة في إدارته.
ويعبر مضيق ملقا يوميًا نحو 23.2 مليون برميل من النفط، أي أكثر مما يعبر مضيق هرمز، كما يمر عبره نحو 80% من واردات الصين النفطية بواسطة ناقلات النفط.
ولطالما اعتبرت بكين اعتمادها الكبير على مضيق ملقا نقطة ضعف. ففي عام 2003، حذر الرئيس الصيني آنذاك، هو جين تاو، من “معضلة ملقا”، أي احتمال أن تتمكن قوة معادية تسيطر على المضيق من احتجاز إمدادات الطاقة الصينية رهينة. وقد خشي من فرض حصار فعلي يُجبر ناقلات النفط الصينية على العودة بالقوة، إلا أن الأزمة الإيرانية كشفت عن أمر أكثر خطورة.
ففي حال اندلاع نزاع حول تايوان، يمكن إغلاق ممرات النفط الصينية دون الحاجة إلى فرض حصار بحري مباشر. ولتحقيق ذلك، لن تحتاج الولايات المتحدة سوى إلى أمرين: رفع أسعار التأمين على النفط الصيني إلى مستويات تُخرجه من السوق، وتحذير الدول المطلة على المضيق من أن تسهيل واردات النفط الصينية ينطوي على تكلفة باهظة.
وقد أوضحت الحرب الإيرانية بجلاء أن قطاع الشحن يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التأمين؛ فبدون تغطية تأمينية تبقى السفن راسية في الموانئ. ومع اندلاع القتال، قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة لمضيق هرمز، وارتفع قسط التأمين لناقلة نفط متوسطة الحجم، تبلغ قيمتها 250 مليون دولار، من 625 ألف دولار إلى 7.5 مليون دولار للرحلة الواحدة، ما جعل العبور غير مجدٍ تجاريًا.
وقد أدى ذلك فعليًا إلى توقف حركة الملاحة، عقب التصنيف الائتماني عالي المخاطر الذي أصدرته اللجنة المشتركة للحرب التابعة لـ«رابطة سوق لويدز»، وهي مجموعة من شركات التأمين الغربية التي تقود صناعة التأمين العالمية منذ قرون، وتحديدًا منذ تأسيسها في لندن عام 1688.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/05/11/china-oil-economy-insurance-hormuz-strait-malacca-dilemma/?tpcc=recirc_latest062921



