في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان “Cyprus, Iran and the Long 20th Century” (قبرص وإيران والقرن العشرون الطويل)، يقول الكاتب ديفيد وينغريف إن موسم هجرة الطيور في طريقها شمالًا إلى أوروبا فوق جزيرة قبرص خلال فصل الربيع هذا العام سيشهد انضمام الطائرات النفاثة والطائرات المسيّرة والذخائر المقذوفة، إلى طيور القبرة والهازجة والبلشون والهدهد، مع استمرار تصاعد الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. [[1]]
ففي الأول من مارس/آذار، ضربت طائرة مسيّرة من طراز «شاهد» القاعدة العسكرية البريطانية في منطقة أكروتيري على الساحل الجنوبي لجمهورية قبرص. وكانت هذه أول ضربة عسكرية مباشرة تتعرض لها الجزيرة منذ تقسيمها عام 1974. وقد أثار الهجوم استياءً واسعًا بين القبارصة، الذين شعر كثير منهم بأن استمرار الوجود البريطاني جعلهم هدفًا في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وبحلول الثالث من مارس/آذار، أرسلت اليونان وفرنسا والمملكة المتحدة سفنًا حربية إلى البحر الأبيض المتوسط، بهدف معلن هو الدفاع عن الجزيرة. وبحلول الثامن من الشهر نفسه، أرسلت إيطاليا وإسبانيا وهولندا فرقاطات وقوات، فيما نشرت تركيا طائرات مقاتلة من طراز «إف-16» في جمهورية شمال قبرص التركية، بعد أن نشرت اليونان طائراتها من الطراز نفسه في الجنوب.
وفي غضون عشرة أيام من هجوم لم يسفر عن أي إصابات، ولم يُلحق سوى أضرار طفيفة بحظيرة طائرات حربية، أصبحت قبرص ومياهها المحيطة مركزًا لأكبر حشد بحري أوروبي منذ سنوات، لينضم إلى وجود أمريكي قوي يضم عدة مدمرات وحاملة الطائرات الأمريكية «جيرالد فورد».
وتُعد منطقة أكروتيري إلى جانب منطقة ديكليا في الشرق، منطقتين عسكريتين أجنبيتين لا تخضعا للسيادة المحلية في الجزيرة. وهما ليستا قاعدتين مستأجرتين، بل أراضٍ بريطانية ما وراء البحار.
وعندما نالت قبرص استقلالها عام 1960، أصرت بريطانيا على هذا الترتيب. فبعد أن فقدت قاعدتها في مصر عقب أزمة السويس عام 1956، أرادت الإمبراطورية البريطانية، التي كانت تتقلص آنذاك، الاحتفاظ بـ«موقع استراتيجي» يطل على الشرق الأوسط.
وفي القرن الحادي والعشرين، كانت أكروتيري وديكيليا من بين أهم المراكز العسكرية البريطانية المتقدمة في المنطقة. ومؤخرًا، استُخدمتا بشكل مشترك من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لرحلات استطلاع فوق غزة، وشن غارات على الحوثيين في اليمن، وتنفيذ عمليات ضد تنظيم داعش.
ولطالما كانت قبرص في قلب الأحداث؛ فهي تقع على بعد 40 ميلًا جنوب تركيا، و230 ميلًا شمال مصر، ونحو 100 ميل غرب بلاد الشام. وفي يوم صافٍ، يمكن الوقوف على شبه جزيرة كارباز المدببة ورؤية الساحل السوري.
ورغم صغر مساحتها نسبيًا، إذ لا يتجاوز طولها 140 ميلًا، فقد حظيت الجزيرة بتقدير كبير لمواردها وموقعها الاستراتيجي منذ عهد الفينيقيين. وقد بنى فرسان الحروب الصليبية قلاعًا مترامية الأطراف على قمم جبالها، بينما حصّن البنادقة موانئها وأحاطوا مدنها بأسوار ضخمة. ومنذ عام 1571، بدأ العثمانيون جمع الضرائب من قراها.
ولا تزال قبرص اليوم مقسمة بين جمهورية قبرص، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، وجمهورية شمال قبرص التركية، وهي دولة لا تعترف بها سوى تركيا.
أما «القرن العشرون الطويل»، فبعد ستة وعشرين عامًا على انتهائه، تُبعث اليوم فرضياته وأطره من جديد، ولكن لتأكيد زوالها. فقد أدت الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران ولبنان إلى موجة أخرى من الفوضى العالمية، ومعها فرصة جديدة للتذكير بأن العالم القديم قد ولّى. فمنذ 28 فبراير/شباط، أعرب مارك كارني عن قلقه من أن «البنية العالمية» لما بعد الحرب تنهار، وأعلنت أورسولا فون دير لاين أن «النظام القديم قد مات»، فيما صرّح ألكسندر بيرنز الصحفي البارز في مجلة بوليتيكو بأن دونالد ترامب «يدفن القرن العشرين».
وفي ختام مقاله، يقول وينغريف إن هذا قد يكون صحيحًا، بمعنى ما، لكن استمرار شيوع خطاب «الوداع الأخير» لطالما أوحى له بسذاجة السرديات الكبرى، وبأي مطلب ضمني يدعو إلى التقيد بها.
[[1]]https://www.newstatesman.com/international-politics/2026/03/cyprus-iran-and-the-long-20th-century



