في مقالها المنشور في صحيفة الغارديان البريطانية تحت عنوان”‘A mission of mine’: during Ramadan, Sudanese food is a reminder of what is at stake in a time of war” (مهمةٌ من مهامي: خلال شهر رمضان، يُذكّرنا الطعام السوداني بما هو على المحك في زمن الحرب)، تستعرض الكاتبة نسرين مالك كتاب «المطبخ السوداني» للمؤلف عمر التيجاني. ويقدم هذا الكتاب الخاص بفن الطهي مجموعةً من الوصفات المحلية تحتفي بثقافة السودان، وتُذكِّر الجميع بما هو على المحك في أوقات الصراع والنزوح. [[1]]
وقد أدرك مؤلف هذا الكتاب لأول مرة حاجته إلى تعلّم إعداد الطعام السوداني بنفسه أثناء دراسته في جامعة مانشستر في المملكة المتحدة خلال مطلع العقد الثاني من الألفية. فلم يكن إعداد وجبات الطعام التي تعدها والدته يستغرق وقتا طويلا، وقد سئم من طعام الطلاب وبدأ البحث عن وصفات، لكن المصادر كانت شحيحة. وعلى مدى خمسة عشر عامًا، قاده شغفه بتتبّع وتوثيق الوصفات السودانية إلى مختلف أنحاء السودان. وقد أصبح عمله مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالتاريخ السياسي للسودان، إذ جمع الوصفات وتتبع ثقافة الطعام على أرض الواقع خلال الثورة التي أطاحت بالرئيس عمر البشير الذي حكم البلاد ثلاثين عامًا.
وقد وجد التيجاني أن المطبخ السوداني يشمل طيفًا واسعًا من الأطباق المنتشرة في أرجاء البلاد، كما استكشف أنه ممزوج بتأثيرات أفريقية وعربية. ولكن نظرًا لتركُّز القوة السياسية والاقتصادية في السودان في الخرطوم ومعاقل النخب، فإن كثيرًا من المطبخ السوداني لا يزال مجهولًا لدى أهله. ويقول إن كتاب «المطبخ السوداني» يُعدّ اكتشافًا مذهلًا لكل من السودانيين وغير السودانيين. وقد دُهش هو نفسه عندما اكتشف أن الفطر يُزرع في بعض مناطق السودان، وأنه يُطهى في طبقٍ يُسمى «يخنة الدجاج منزوعة العظم».
ويُعدّ تصفح الكتاب تجربة مفيدة تتيح للقارئ التعرف على السودان، فقد بذل التيجاني جهدًا كبيرًا في تتبع الوصفات وإرجاعها إلى مناطقها وتضاريسها. لكن هناك شعورًا لا مفر منه بالفقدان يُخيّم على العمل برمته، وهو شعور يزداد وطأة مع كل تلك الصور للمنازل والساحات والأمهات والجدات أمام مواقد الطبخ؛ لأن الحياة بالنسبة لكثيرين في السودان قد توقفت أو انتهت بسبب الحرب الأهلية التي خلقت أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم الآن.
ولو صدر كتاب «المطبخ السوداني» قبل الحرب لكان رد الفعل مختلفًا تمامًا. أما اليوم فيبدو وكأنه يحمل في طياته الكثير من المشاعر الجياشة والصدمات. ويقول التيجاني: “لقد لامس الكتاب وترًا حساسًا لدى الكثيرين. وكان كثيرون متأثرين للغاية في حفل الإطلاق؛ فقد كانت تلك المرة الأولى التي ترجع فيها البلاد إليهم، وكأن الحياة عادت إليها فاستعادت عافيتها، وعادت تنبض بالفرح”.
وبحسب التيجاني، لا يتميز الطعام السوداني بخصائص طعام الشارع أو المقاهي العادية؛ فهو غني بأطباق اللحوم المطهوة ببطء، والتوابل والأوراق المقطعة يدويًا، والفطائر والمعجنات المالحة المخمرة والمحضرة يدويًا؛ فهو ليس طعامًا يُشترى من الشارع، بل هو الشيء الذي يدفعك إلى العودة إلى المنزل.
ويقول التيجاني إن الطعام الآن “ليس مجرد عشاء”، بل هو تجربة جديدة يصعب استيعابها خارج المنزل وسياقه المعتاد. ويزداد هذا الشعور عمقًا خلال شهر رمضان. وقد تفنن التيجاني في وصف أجواء رمضان في السودان، وجوّه المنزلي الدافئ وتفاعله الاجتماعي المكثف.
فقبل حلول شهر رمضان تمتلئ الشوارع بالمكونات المجففة المستخدمة في العصائر واليخنات. ويقول التيجاني إن الأيام القليلة الأولى من رمضان هي ذروة الطهي. ويشير إلى أن الناس في السودان أكثر انفتاحًا خلال شهر رمضان، “حيث تفتح البيوت أبوابها وتُوجَّه الدعوات. ويستغرق التحضير للشهر الكريم أسابيع، يبدو خلالها منزلك مختلفًا، ويتلاقى فيه أشخاص مختلفون، لأنك لا تستطيع الاستعداد لرمضان بمفردك؛ لذا تجد النساء يتنقلن من بيت إلى آخر”.
وفي ختام مقالها تقول مالك إن هذا الكتاب يمثل بالنسبة لها شكلًا من أشكال المقاومة؛ فهو السبيل الوحيد الذي استطاعت من خلاله وضع السودان على الخريطة من جديد في مواجهة الدمار، ولرواية قصة السودان كذلك. إنه عكس الطمس؛ فما يرويه الكتاب أشياء ثابتة: فقد عاشت في هذه البيوت، وطُبخت هذه المكونات، واستُخدمت هذه الأواني؛ وهكذا تشكّلت حياتها.
[[1]]https://www.theguardian.com/news/2026/feb/18/ramadan-fasting-sudanese-food-war-in-sudan



