في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «فورين بوليسي» تحت عنوان ” The World Is Paying the Price for America’s War ” “العالم يدفع ثمن حرب أمريكا” [[1]]، يقول رافي أغراوال (رئيس تحرير المجلة) إن استطلاع رأي أُجري مؤخرًا في ست دول من الجنوب العالمي أظهر وعيًا واسعًا بالصراع الراهن بين الولايات المتحدة وإيران في تلك البلدان؛ إذ أعرب سبعة من كل عشرة مستطلَعين عن قلقهم البالغ إزاء غلاء المعيشة عالميًا نتيجة تداعيات هذه الحرب.
ويمكن تفسير هذه الحساسية المتزايدة تجاه أحداث الخليج، جزئيًا، بحقيقة أن غالبية دول العالم، التي يبلغ عددها نحو 200 دولة، تُعد مستوردًا صافيًا للطاقة. وتستحوذ آسيا على وجه الخصوص، على 40% من الطلب العالمي على الطاقة، مما يجعل دولها شديدة التأثر بتقلبات الأسعار.
وغالبًا ما تفتقر الاقتصادات النامية إلى الموارد المالية اللازمة لدعم الطاقة لمواطنيها، الذين يتقاضون في الأصل أجورًا منخفضة، ويتضررون بشكل كبير عند ارتفاع أسعارها.
وقد تصدّرت باكستان عناوين الأخبار العالمية مؤخرًا، لوساطتها في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، غير أن ما لم يحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام هو مدى حاجة إسلام آباد إلى إنهاء الحرب. إذ تستورد باكستان 80% من احتياجاتها من الطاقة من دول الخليج، وقد أدّى الصراع في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل فيها إلى مستويات قياسية. ونتيجة لذلك، فرضت الحكومة نظام العمل أربعة أيام في الأسبوع في المكاتب الحكومية، وأمرت نصف موظفيها الاتحاديين بالعمل من المنزل، وأغلقت المدارس لمدة أسبوعين، وطلبت من وزرائها التنازل عن رواتبهم لشهرين. وفي غضون ذلك، اضطرت باكستان إلى اللجوء إلى المملكة العربية السعودية للحصول على خطة إنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار، في ظل معاناتها من صعوبة سداد ديونها.
وتتكرر معاناة باكستان في جميع أنحاء جنوب آسيا. فقد فرضت بنغلاديش، التي تستورد 95% من احتياجاتها من الطاقة ولا تملك سوى احتياطيات تكفي لأقل من شهر، قيودًا يومية على مبيعات الوقود وسط حالة من التهافت على الشراء. كما أغلقت العاصمة دكا الجامعات، وأمرت مراكز التسوق بالإغلاق بحلول الساعة الثامنة مساءً. وارتفعت أسعار غاز البترول المسال محليًا، الذي يُستخدم على نطاق واسع في الطهي وتشغيل عربات الريكشة، بنحو النصف منذ بداية النزاع. وبالنسبة لعامل في مصنع ملابس يتقاضى ما يعادل 4 دولارات يوميًا، فإن ارتفاع سعر غاز الطهي بنسبة 50% يعني تضحية يومية مؤلمة.
كما اعتمدت سريلانكا أسبوع عمل من أربعة أيام. وفي نيبال، أدت إضرابات النقل إلى ارتفاع أسعار الأرز والخضراوات في بلد تنفق فيه الأسر الريفية بالفعل أكثر من نصف دخلها على الغذاء. وحتى بوتان، التي تُعلن نفسها أسعد دولة في العالم، تشهد طوابير طويلة أمام محطات الوقود.
وتتمتع الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم وسادس أكبر اقتصاد، بهامش مناورة أكبر من جيرانها. ومع ذلك، فقد تأثر سكانها، البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة، بشدة بالصراع؛ إذ تستورد 90% من غاز البترول المسال من دول الخليج، وقد أجبر النقص المطاعم في جميع أنحاء البلاد على ترشيد الاستهلاك وإبطاء أعمالها. كما انخفض مؤشر سوق الأسهم الرئيسي بنسبة 8% منذ بداية العام، ومن المتوقع أن ينخفض الناتج الاقتصادي بنحو نقطة مئوية واحدة بسبب الصراع. وتستورد الهند كذلك ربع احتياجاتها من الأسمدة من الشرق الأوسط، مما يزيد من احتمالات حدوث أزمة غذائية في اقتصاد لا يزال يعتمد بشكل كبير على الزراعة.
وينطبق الأمر نفسه على مناطق أخرى في آسيا تستورد أربعة أخماس النفط الخام والغاز الطبيعي المارَّين عبر مضيق هرمز، مثل الفلبين التي أعلنت حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة في 24 مارس/آذار.
وقد أمرت تايلاند موظفيها الحكوميين بالعمل من المنزل، وحثّت المواطنين على مشاركة السيارات وترشيد استهلاك الكهرباء. أما فيتنام، إحدى أسرع الاقتصادات نموًا في آسيا، فقد وجّهت شركات الطيران التابعة لها إلى تقليص رحلاتها في ظل الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات. وجاء ارتفاع أسعار الأسمدة في وقت بالغ الحساسية لمنطقة على وشك بدء موسم الزراعة، وسط معاناة من موجة حر تاريخية.
ولا تسلم الاقتصادات الثرية هي الأخرى من تداعيات الصراع. ففي الأسبوع الماضي، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن حزمة دعم للوقود بقيمة 1.9 مليار دولار. وتشير التقارير إلى أن برلين خفّضت توقعاتها للنمو لعام 2026 إلى النصف. كما استدعت أيرلندا، إحدى أعلى دول الاتحاد الأوروبي من حيث تكلفة المعيشة، الجيش في وقت سابق من هذا الشهر لفض احتجاجات حاشدة على ارتفاع أسعار الوقود. أما البنك المركزي الأوروبي، الذي كان يستعد لخفض أسعار الفائدة في مارس/آذار، فقد رفع توقعاته للتضخم وخفض توقعاته لنمو منطقة اليورو.
ورغم أن أوروبا تمتلك قدرة أكبر على تحمّل الأزمات الاقتصادية مقارنة بالعديد من دول الجنوب العالمي، فإن القارة لا تزال تعاني من آثار صدمة الطاقة العميقة التي ضربتها عام 2022، حين شنّت روسيا حربها الشاملة على أوكرانيا. إذ شهد الاتحاد الأوروبي، الذي يعتمد على الغاز الطبيعي لتوفير خُمس احتياجاته من الطاقة، ارتفاعًا في أسعار الغاز بأكثر من 70% بعد اندلاع الحرب الإيرانية. كما وصلت مستويات تخزين الغاز إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2022، ما سيضطر أوروبا إلى دفع أسعار باهظة لتعبئة خزاناتها قبل حلول فصل الشتاء.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/04/20/trump-iran-war-energy-prices-stocks-ai-asia-africa/



