إيران، الحرب، التضخم، الطاقة، الرئيسية،في مقالها المنشور حديثًا في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان “The World Energy Shock Is Coming” (صدمة الطاقة العالمية قادمة) [[1]]، تسأل الكاتبة إيزابيلا ويبر القرّاء هل تتذكرون الأيام التي كان فيها العالم يعلم بوجود تفشّي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في مدينة ووهان وانتشاره السريع، لكنكم لم تكونوا قد خضعتم للحجر الصحي بعد؟
كانت تلك لحظةً انتقاليةً بدا فيها واضحًا أن كارثةً ما قادمة، لكن لم يكن أحد يعلم ما الذي تعنيه تحديدًا. وهذه المرحلة من الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي غير الشرعي على إيران تمثل لحظةً مماثلة: فالصدمة قد حدثت، وموجاتها وتوابعها في الطريق.
الخُمس، والثلث، وما يقارب النصف — هذه على الترتيب هي الحصص النسبية للصادرات العالمية من الغاز الطبيعي المسال، والنفط الخام، والأسمدة، والهيليوم، والكبريت، التي تمر عادةً عبر مضيق هرمز. وهذه سلع أساسية يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. ويُعدّ الوقود الأحفوري، بلا منازع، أهمّ المدخلات النظامية في الرأسمالية التي تعتمد — حتى الآن — اعتمادًا أساسيًا على النفط. كما يعتمد إنتاج الغذاء على الأسمدة، ويُعدّ الهيليوم والكبريت ضروريين لإنتاج الرقائق الإلكترونية، التي تُستخدم بدورها في كل شيء، من جزّازات العشب إلى مراكز البيانات التي تدعم طفرة الذكاء الاصطناعي. وقد توقّف مرور هذه المواد الخام — الأساسية لإنتاج كل شيء آخر — عبر مضيق هرمز فعليًا منذ بداية الحرب.
ويؤدي التوقف المؤقت لحركة التجارة إلى اضطرابات هائلة. ومع امتلاء مرافق التخزين المحلية للنفط والغاز خلف مضيق هرمز، فقد اضطُرّ العديد من مواقع الإنتاج إلى التوقف عن العمل. ولا تمكن إعادة تشغيل حقول النفط أو المصافي بين عشية وضحاها، إذ قد يستغرق ذلك أسابيع أو شهورًا. علاوةً على ذلك، تضررت البنية التحتية للإنتاج والنقل. وبما أن الأسمدة تُنتج باستخدام الغاز، والكبريت والهيليوم من المنتجات الثانوية لإنتاج النفط والغاز؛ فقد توقّف إنتاج هذه المواد الكيميائية أيضًا.
ولا يزال من غير الواضح متى سيُعاد فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة الملاحة، لكن هناك أمرًا واحدًا مؤكدًا وهو أن الاقتصاد العالمي ستلحقه ضربة قوية عبر سلاسل التوريد، بغضّ النظر عن سرعة انتهاء هذه الحرب.
ولا يزال المستهلكون الأوروبيون والأمريكيون بمنأى نسبيًا عن هذه الآثار، رغم ارتفاع أسعار البنزين، التي تُشكّل عبئًا ماليًا كبيرًا على الأسر. ويبقى الحجم الكامل للآثار القادمة غامضًا، لكن يمكن استشراف بعض ملامحه: تضخم، وصدمات في إعادة التوزيع، ونقص في السلع، وركود تضخمي، وعدم استقرار مالي عالمي.
حتى الآن، لم ترتفع إلا أسعار السلع الأساسية — كالنفط والغاز والأسمدة وغيرها. أما الشركات التي تشتري هذه المدخلات ولا تستطيع التأثير في أسعار منتجاتها، فهي مضطرة إما إلى تحمّل التكلفة أو التوقف عن الإنتاج، كما فعل العديد من المنتجين الصغار، مثل الصيادين في الفلبين، الذين لم يعودوا قادرين على تحمّل تكلفة الوقود بعد تضاعفها.
ولكن معظم الاقتصاد العالمي اليوم تُديره شركات عملاقة تحدد أسعارها بنفسها، وقد أدّت صدمة ارتفاع التكاليف إلى تنسيق عملية رفع الأسعار فيما بينها. إذ لم تتحمّل هذه الشركات تكلفة الجائحة والحرب، بل نقلتها إلى المستهلكين، ما حمى هوامش أرباحها وعزّز أرباحها النهائية. وهذا ما يُعرف بـ«تضخم البائعين»، حيث تنقل الشركات ارتفاع أسعار المدخلات الأساسية إلى الاقتصاد بأكمله من خلال تحديدها للأسعار، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى التضخم.
وثمّة خطر حقيقي يتمثل في أن كثيرًا من المستهلكين لن يضطروا فقط إلى دفع المزيد من المال، بل سيُحرمون تمامًا من شراء السلع. فحالات النقص قد تؤدي إلى تمزيق المجتمعات وامتدادها على طول خطوط الصدع الدولية، وهو واقع قائم بالفعل في أكثر الدول الآسيوية تضررًا من نقص الوقود. كما سيؤدي إقبال الاقتصادات الغنية على شراء ما تبقى من الإمدادات إلى حرمان سكان الدول النامية من الوصول الفعلي إلى هذه السلع. ويبلغ متوسط القدرة الشرائية للفرد في الاتحاد الأوروبي، بالدولار الأمريكي (وهو المقياس المعتمد لشراء الواردات)، نحو 15 ضعفًا مقارنةً بجنوب آسيا (ويصل في المملكة المتحدة إلى 18 ضعفًا).
أما الأمر الأكثر إثارة للقلق فهو نقص الغذاء. فمع تعرّض نحو 40% من صادرات الأسمدة للخطر، فإن انخفاض إنتاج الغذاء خلال موسم الحصاد القادم يشكّل خطرًا حقيقيًا. وما قد يبدو صدمةً سعريةً في الشمال العالمي، قد يتحول إلى أزمة نقص غذائي في المناطق المعتمدة على الاستيراد في الجنوب العالمي، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية كبيرة.
وفي ختام مقالها، ترى ويبر أن على الحكومات التدخل بأسرع ما يمكن، باستخدام جميع الأدوات المتاحة لاحتواء الصدمات، بدلًا من تركها تتفاقم وتُدمّر المجتمعات حول العالم. وتشمل هذه الأدوات وضع سقوف لأسعار الجملة في أسواق السلع، وسقوف لهوامش الربح على امتداد سلاسل التوريد لكبح جماح «تضخم البائعين»، إلى جانب فرض سقوف لأسعار البيع بالتجزئة على السلع الأساسية، مع ترك أسعار السوق للسلع الأخرى (أي التسعير غير الخطي). ولمعالجة خطر النقص الفعلي في الإمدادات، تدعو الكاتبة إلى وضع بروتوكولات عادلة لتقنين توزيع السلع على الجمهور.
[[1]]https://www.newstatesman.com/international-politics/geopolitics/2026/03/the-world-energy-shock-is-coming



