في تحقيقه الصحفي المنشور في دورية «كريستشن ساينس مونيتور» تحت عنوان “Committed, but weary? Russia stays the course after 4 years of war in Ukraine” (ملتزمة بموقفها، لكن منهكة؟ روسيا تُصرّ على موقفها بعد أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا) يقول الصحفي الكندي فريد وير إنه رغم دخول روسيا عامها الخامس من الحرب في أوكرانيا، وخضوع اقتصادها لعقوبات دولية قاسية، تبدو الحياة في البلاد، ظاهريًا، طبيعية بشكلٍ لافت للنظر. [[1]]
فالحياة اليومية مستمرة كما كانت قبل الحرب، مطاعم ومقاهي موسكو تعجّ بالحركة، ولا يزال مترو المدينة الشهير ينقل ما يصل إلى 9 ملايين راكب يوميًا، ويقدم مسرح البولشوي عروضه الفنية الشهيرة للباليه.
وتقول ليودميلا بوكاميستوفا، وهي عضو مجلس محلي في موسكو، إنها لا تلمس أي تغيرات حادة في مزاج سكان دائرتها. وتضيف: “عندما بدأت الحرب قبل أربع سنوات، كان الناس متوترين وقلقين بالفعل. لكن الآن، يسود الاعتقاد بأن ثمة شيئًا ما يحدث هناك، لكن حياتنا هنا هادئة، ويمكننا الاستمرار كالمعتاد.”
وفي الواقع، فقد انخرطت روسيا في حربٍها في أوكرانيا لفترة أطول من تلك التي خاضها الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية. ولا تزال البلاد ملتزمة حتى اليوم بموقف القتال، لكنّ ثمن ذلك بدأ يظهر جليًا؛ فتحت هذا الشعور بالاستقرار، تلوح في الأفق بوادر توتر متزايدة. ويشير القائمون على استطلاعات الرأي العام إلى أنهم يلاحظون تزايدًا في الإرهاق من الحرب، حيث تُفضّل أغلبية ساحقة تسويةً تفاوضية، شريطة أن تُحقق روسيا أهدافها العسكرية الرئيسية. ويبدو أن ثمة قلةً من الروس يعارضون الحرب أو مبررات الحكومة لها، لأن استهلاكها للوقت والموارد يفوق ما توقعه معظم الروس – أو ما أرادوه.
وبحسب استطلاع رأي حديث أجراه مركز “ليفادا” المستقل في موسكو، فإن غالبية الروس يتحدثون باحترام عن المشاركين “في العمليات العسكرية الخاصة” وهم في الغالب جنود متطوعون يخدمون في الجيش الروسي، وسعداء بالرواتب والمزايا السخية التي تمنحها لهم الدولة.
لكن ثمة مخاوف كبيرة أيضاً من أن يكون المحاربون القدامى العائدون يعانون من صدمات نفسية شديدة تعوق اندماجهم في المجتمع، حيث أعرب 41% من المستطلعين عن قلقهم من أن التعرض المستمر للقتال قد “يدمر نفسية” الجنود، بينما رأى 19% أنه قد يجعلهم “قساة وميالين للعنف”.
ويقول كيريل بوبوتنيكوف، وهو مهندس معماري في مدينة ياروسلافل إن الناس يتأقلمون. إلا أنه يضيف مستدركًا: “لكن الحالة العامة التي أراها حولي هي حالة من الاكتئاب”. يشعر الجميع بالإرهاق، ولا شيء يزداد سهولة.
وتُعدّ خسائر الحرب سرًا من أسرار الدولة التي تُحاط بتكتم شديد، ولا تُناقش أبدًا في وسائل الإعلام. ويُقدّر مراقبون غربيون، مثل مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية عدد القتلى والجرحى الروس منذ عام 2022 بنحو 1.2 مليون، بمعدل إصابات حالي يبلغ 26 ألف قتيل أو جريح شهريًا. ومن المرجح أن سكان بعض المجتمعات الفقيرة في البلاد، الذين يُشكّلون غالبية المجندين الجدد في الجيش، على دراية بهذا الموضوع أكثر من غيرهم.
لكن لا توجد عمومًا تقارير عن مصاعب الحرب، مثل نقص السلع الأساسية، أو انهيار الخدمات العامة. كما لا توجد دلائل على مظاهرات واسعة النطاق مناهضة للحرب.
وهذا على خلاف ما حدث في بداية الحرب، عندما وجد عدد كبير من الروس طرقًا للاحتجاج على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال أعمال العصيان المدني، وحتى في الشوارع. ولكن الدولة حينها شنت حملة قمعية، وفرضت الغرامات وأحكام سجن مخففة، وعبّر وقتها عشرات الآلاف من الروس المتعلمين ذوي الفكر الليبرالي عن استيائهم بمغادرتهم للبلاد.
ولا يزال القمع البوليسي عاملاً مؤثراً، لكن العديد من المحللين يرون أنه غير كافٍ لتفسير حالة الخمول الشعبي التي سادت مع تقدم الحرب، حتى مع مرور الأشهر وتزايد التكاليف.
ويشير فرانتس كلينتسيفيتش، البرلماني السابق ورئيس إحدى منظمات قدامى المحاربين: “كان هناك أمل في الغرب بأن يملّ الروس من الحرب، وينقلبوا على حكومتهم. لكن النخب الروسية، وحتى الأوليغارشية، توحدت حول الرئيس. لقد أدركوا أنه لا مفرّ. إما أن نتحد، أو سنُدمّر”.
ومن العوامل المهمة في صياغة المشهد الهادئ الحالي أن الكرملين تجنب التعبئة القسرية لنحو 20 مليون جندي احتياطي في البلاد، بعد محاولة فاشلة ومتسرعة لتجنيد عدد كبير من الجنود في أواخر عام 2022، مما أدى حينها إلى اضطرابات اجتماعية حادة ونزوح جماعي للرجال المؤهلين من البلاد. ومنذ ذلك الحين، استدركت الحكومة الموقف واختارت التجنيد من خلال تقديم مكافآت توقيع كبيرة (تبدأ من حوالي 5000 دولار أمريكي، وتصل إلى عشرة أضعاف ذلك)، ورواتب عالية، ومزايا سخية، مما جذب أعدادًا كافية من المتطوعين، معظمهم من المناطق الأقل حظًا.
ويقول دينيس فولكوف، مدير مركز ليفادا: “قد يتساءل البعض عن سبب إقدام أي شخص على مثل هذه المخاطرة من أجل المال، لكن بالنسبة للعديد من العائلات، قد يكون هذا هو سبيلهم الوحيد لشراء شقة، وبفضل تحمل المتطوعين معظم العبء، يستطيع معظم الناس أن يشعروا بعدم الاكتراث، وأن ينظروا إلى الأمر على أنه عمل يقوم به متطوعون”.
ويضيف فولكوف أن الحكومة الروسية اتخذت قرارًا واعيًا بالحفاظ على الاستقرار الاجتماعي من خلال مكافحة التضخم ومواصلة الإنفاق الاجتماعي، حتى على حساب النمو الاقتصادي؛ فـالأولوية هي الاستقرار، للحفاظ على الشعور بالحياة الطبيعية. وحتى وقت قريب، كان هذا النهج ناجحًا”.
وقد كان من نتائج هذا الإنفاق الحكومي الهائل على المجهود العسكري: إعادة توزيع الدخل، حيث ذهب معظمه لصالح المناطق الأكثر فقراً في البلاد. كما توسعت الصناعات الحربية مع تزايد العقود العسكرية، وتحسنت أوضاع عائلات رجال من المناطق الفقيرة بالانضمام إلى الجيش، مما أدى إلى طفرة في سوق الإسكان في بعض المناطق مثل داغستان وبورياتيا. كما ترسخت الصناعات التي تركز على إنتاج بدائل للسلع المستوردة سابقاً، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الروسي.
لكن بعد نمو قوي في السنوات الأولى للحرب، يلاحظ الاقتصاديون تباطؤ الاقتصاد الروسي مع نفاد حافز الإنفاق العسكري، وظهور التكاليف الطويلة الأجل للحرب والعقوبات.
ويقول أوليغ بوكليميشيف، الخبير الاقتصادي البارز: “تحت السطح، نرى الكثير من التغيرات البنيوية التي يصعب عكسها، حتى لو حلّ السلام غداً”. ويضيف: “لقد شهدنا إعادة توزيع واسعة النطاق، فهناك فائزون، وهناك خاسرون. كما ازدهرت بعض القطاعات الصناعية، بينما عانت قطاعات أخرى من الركود. والأمر الأهم هو ازدياد اعتمادنا على الصين، التي أصبحت موردنا الأخير، وزبوننا الأخير، وأصبح اليوان عملتنا الأخيرة، وسيستمر هذا الوضع لفترة طويلة.”
[[1]]https://www.csmonitor.com/World/Europe/2026/0223/ukraine-war-russia-anniversary-peace-talks



