في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان “The ICE killers are Donald Trump’s secret police” (قتلة إدارة الهجرة والجمارك هم الشرطة السرية لدونالد ترامب) يقول الكاتب والصحفي الأمريكي لي سيغل إنه لم يمضِ على مقتل رينيه غود، المواطنة الأمريكية البريئة التي وقعت ضحية عملية نفذتها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في مسقط رأسها مينيابوليس، ثلاثة أسابيع؛ حتى وقعت جريمة قتل بدم بارد مماثلة، يومَ السبت (24 يناير)، راح ضحيتها المواطن الأمريكي أليكس بريتي البالغ من العمر 37 عامًا، الذي كان يعمل ممرضًا في وحدة العناية المركزة في نظام الرعاية الصحية للمحاربين القدامى في مينيابوليس، المُخصص لرعاية المحاربين القدامى.[[1]]
وكما وثّقت مقاطع فيديو التُقطت من زوايا مختلفة حادثة إطلاق النار على غود وابتعادها بسيارتها عن العنصر الذي أطلق عليها النار عندما كانت تحاول جاهدة الفرار بنفسها؛ فقد أظهرت أيضًا عدة مقاطع فيديو، التقطت من زوايا مختلفة، أن بريتي كذلك لم يُشكّل أي تهديد لعناصر إدارة الهجرة والجمارك المدججين بالسلاح الذين أحاطوا به.
وقد تحرك بريتي لنجدة متظاهرة رُشّت برذاذ الفلفل في وجهها من قِبل أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك. لينقضّ عليه بعدها نحو سبعة عناصر مفتولي العضلات، مدججين بالسلاح، دفعوه أرضًا وانهالوا عليه بالضرب. وتمكن رؤية أحد العناصر بوضوح وهو يُخرج مسدسًا مما يبدو أنه حزام بريتي ويرفعه في الهواء. بعد ذلك مباشرة، أطلق أحد العناصر النار على بريتي العاجز عن الدفاع عن نفسه في ظهره، وأطلق عنصر آخر النار عليه تسع مرات.
ويسمح قانون ولاية مينيسوتا في الواقع للأفراد بحمل سلاح ناري مخفي. ومن المعقول افتراض أن بريتي أخذ سلاحه معه خوفًا.
وكما فعلوا مع غود التي تُصر إدارة ترامب حتى الآن على أنها “إرهابية محلية” كانت تحاول قتل عملاء فيدراليين بسيارتها التي تحتوي على ألعاب طفلها الصغير، لجأ ترامب وحاشيته إلى استراتيجيتهم المألوفة، والتي تعود جذورها إلى ألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن الماضي، والمتمثلة في تكرار الكذبة حتى يصدقها الناس. وقالت كريستي نويم، وزيرة الأمن الداخلي، إن بريتي “ارتكب عملًا إرهابيًا داخليًا”. وادعى غريغوري بوفينو، “القائد العام” لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك – الذي يُحب نطق كلمة “غيستابو” على التلفزيون بلكنة ألمانية واضحة “شتابو”؛ كما في قوله: “لسنا غيستابو” – أن بريتي أراد ” شن مذبحة بحق رجال إنفاذ القانون”.
وتشير جميع التقارير إلى أن عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) الذين قتلوا غود وبريتي كانوا من قدامى المحاربين الذين خدموا رسميًا لسنوات طويلة. ويبدو من غير المعقول، -كما يقول البعض- أنهم أطلقوا النار نتيجة قلة الخبرة والتدريب، أو لعدم استعدادهم للمهمة الموكلة إليهم. ولذلك يُرجح الكاتب سيناريو مختلفا: فهم على استعداد متزايد للقتل لأتفه الأسباب، لأن أمريكا تتجه اليوم بسرعة نحو نوع من الاستبداد.
فبعد أن حوّل ترامب وحاشيته إدارة الهجرة والجمارك إلى شرطة سرية خاصة به، فإنهم يمضون قدماً الآن على مراحل. في البداية، بدا أنهم يلاحقون فقط المجرمين العنيفين المقيمين في البلاد بشكل غير قانوني. ثم توسعوا ليشملوا جميع المهاجرين غير الشرعيين. ثم أصبح جميع المهاجرين- حتى ولو كانوا مواطنين أو مقيمين شرعيين- هدفاً مشروعاً. والآن، بعد أن كسروا المحظور المقدس المتمثل في قتل الشرطة الأمريكية للمواطنين الأمريكيين كيفما شاءوا، فإنهم في الواقع يوجهون جميع الأمريكيين إلى الخوف على حياتهم إذا عارضوا إرادة النظام. ومن خلال عدم الاعتذار، وعدم التحقيق، والترويج مراراً وتكراراً، لرواية تخالف النسخة الواقعية من الأحداث؛ فإنهم يُعلنون بوضوح عن نيتهم جعل انتهاكهم للقانون هو القانون الجديد في البلاد.
وفي حال خسر الجمهوريون مجلس النواب، وربما حتى مجلس الشيوخ، في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، يستطيع ترامب أن يعلن تزوير الانتخابات، ويفرض الأحكام العرفية بينما تستمر عمليات إعادة الفرز إلى ما لا نهاية، ويرسل القوات – التي سيصبح حينها وجودُها مألوفًا في الشوارع الأمريكية – لقمع الاحتجاجات. ولكن، حتى لو اندلعت انتفاضة شعبية سلمية، سيعرف ترامب ما يجب فعله. سيفتعل ببساطة أزمة أخرى، وسينشغل المعلقون الليبراليون بتحليلاتهم الداخلية – هل مات حلف الناتو؟ هل ماتت الأمم المتحدة؟ هل مات النظام الليبرالي القائم على القواعد؟ هل انتهت العلاقات الخاصة بين أمريكا وبريطانيا؟ – وستتلاشى تلك الأزمة، لتحل محلها أخرى، وهكذا دواليك.
في ختام مقاله يقول سيغل إن ترامب ورجاله عباقرة في إثارة الفوضى، وهم يعرفون بالغريزة كيف يشنّون حربًا على مجتمعاتهم حالما يصلون إلى السلطة، من أجل البقاء في سدتها. ويقول أيضًا إن أمريكا، في نوفمبر المقبل، ستواجه تحديًا أشدّ خطورة حتى من الحرب الأهلية. فترامب مهووس بالخوف من هزيمته في الانتخابات، وعزله، ومحاكمته جنائيًا، وإدانته، وإذا فاز الديمقراطيون بمجلس النواب في نوفمبر، كما هو شبه حتمي، فسوف يسعون إلى عزله، مرارًا وتكرارًا؛ ولكن لن يسمح ترامب بعزله مرة أخرى. ومن خلال استعراض أنصار ترامب اليوم لجرائمهم، بما فيها القتل، يوضح هؤلاء كما في أفلام العصابات الأمريكية، أنهم لن يقبض عليهم أحياء. ولذلك يعتقد سيغل أن نظام ترامب الحالي لن يتخلى عن السلطة طواعيةً أبدًا. وعلى الأمريكيين، وحلفائهم الأوروبيين، أن يستوعبوا ذلك جيدًا.
[[1]]https://www.newstatesman.com/world/americas/north-america/us/2026/01/the-ice-killers-are-donald-trumps-secret-police



