في كتابه الصادر حديثًا عن منشورات جامعة برنستون الأمريكية تحت عنوان “Great Power Diplomacy: The Skill of Statecraft from Attila the Hun to Kissinger” «دبلوماسية القوى العظمى: فن الحكم من أتيلا الهوني إلى كيسنجر» (أكتوبر، 2025) يأخذنا المؤرخ والدبلوماسي الأمريكي أ. ويس ميتشل في رحلة عبر تاريخ الدبلوماسية، منذ أتيلا الهوني في القرن الخامس الميلادي وصولاً إلى الزمن الحديث والمعاصر، مسلطا الضوء في هذا السياق التاريخي الطويل الممتد على مدار أكثر من 15 قرنًا، على شخصيات بارزة مثل: رجل الدين ورجل الدولة الفرنسي الكاردينال ريشيليو، وميترنيخ وزير خارجية الإمبراطورية النمساوية، وبسمارك مستشار الرايخ الألماني، وهنري كيسنجر مستشار الأمن القومي ووزير الولايات المتحدة سابقًا، كما يسلط الضوء أيضًا على أفراد أقل شهرة. [[1]]
يعتقد المؤلف أن الدبلوماسية ليست مجرد وقف للحرب أو حاجة ثانوية في العلاقات الدولية، بل هي أداة إستراتيجية مركزية للدول، لإعادة ترتيب ميزان القوى لصالحها دون الانزلاق إلى صراع مفتوح. ويركز ميتشل على أن فن الدبلوماسية — كما مارسه الحكّام والدبلوماسيون عبر التاريخ— يمكن أن يمنع الحروب، ويفتح آفاقًا لتحقيق مصالح الدولة في مواجهة خصوم أقوى عسكريًا.
والدبلوماسية بحسب ميتشل ليست مجرد مفاوضات أو ممثلين في عواصم أخرى، بل هي فن إعادة ترتيب المشهد الدولي عبر التحالفات، وتقسيم الساحات، والعلاقات المعقّدة بين القوى الكبرى. وهنا تبرز حقيقة أن الدول القوية ليست تلك التي تملك قوة عسكرية أو اقتصادية فقط، بل تلك التي تعرف كيف تستخدم أدوات السياسة بمرونة وحكمة.
ومقارنةً بالنهج الغربي الحديث والمعاصر الذي يميل إلى الاعتماد على القوة العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، فإن ميتشل يشدد على أن الدبلوماسية كانت على الدوام أكثر فعالية في تحقيق الاستقرار أو إنقاذ أوضاع مستعصية. ومن الأمثلة على ذلك: التعامل البيزنطي مع أتيلا الهوني الذي أوضح كيف تستخدم الإمبراطوريات المفاوضات والمال لإفشال أي تهديد خارجي، ومن الأمثلة أيضًا مقدرة جمهورية البندقية (فينسيا) التجارية في القرن الخامس عشر على التكيف سياسيًا مع صعود القوة العثمانية، ومن الأمثلة الأخرى كذلك إعادة هنري كيسنجر في سبعينات القرن الماضي تشكيل التوازن الدولي عبر فتح قنوات مع الصين؛ مما أضعف العلاقة بين الصين والاتحاد السوفيتي
ولا يقتصر الكتاب على سرد مثاليات تاريخية، بل يستخلص دروسًا عملية تشمل: بناء التحالفات الذكية بدلًا من الانعزالية أو التنافس الأعمى. وتفكيك التحالفات المعادية عبر التلاعب بالوقت، والمصالح المتناقضة، والمرونة في التفاوض حتى مع ألد الخصوم، والاعتراف بأنه ليس كل انتصار عسكري هو تقدم استراتيجي فعلي؛ لأن التنازل المدروس أو السلام يخدم أحيانًا مصلحة الدولة على المدى الطويل.
ويخلص ميتشل بوجه عام إلى أن الدبلوماسية هي فن وتقنية سياسية للحفاظ على مصالح الدولة، وليست مجرد تبادل رسائل أو تمثيل رمزي. وأن التاريخ غني بأمثلة عن قادة عرفوا كيف يغيرون قواعد اللعبة لصالحهم دون اللجوء دائمًا إلى الحرب. وأنه في عالم اليوم، حيث التنافس بين القوى الكبرى يتصاعد من جديد، فإن إحياء فن الدبلوماسية وفهمه بعمق أمر حاسم لاستقرار النظام الدولي ومستقبل العلاقات بين الدول.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف أ. ويس ميتشل مؤرخ ودبلوماسي أمريكي. شغل منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأوروبية والأوراسية. وهو مؤلف كتاب “الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الهابسبورغية” الصادر أيضًا عن جامعة برينستون. وهو المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لمبادرة ماراثون، وهي مركز أبحاث يركز على الاستراتيجيات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية.
[[1]]https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691236872/great-power-diplomacy?srsltid=AfmBOoqrpBGEwm87_19TM4vq6jc-pelpsN4YrNgElv6Ee2tTdJlMIkh8



