في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان “Donald Trump Is Drunk on War” (دونالد ترامب ثمل بالحرب) [[1]] يقول الكاتب جيت هير إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدأ عام 2026 بانقلاب في دولة أخرى، مستخدمًا الجيش الأمريكي لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس. ويشير إلى أن انتهاك ترامب للسيادة الفنزويلية يُعد جريمة ضد الدستور الأمريكي والقانون الدولي.
وقد تباهى ترامب بالحرب أمام قناة “فوكس نيوز” قائلاً: “هذا الأمر المذهل الذي حدث الليلة الماضية. علينا أن نكرره. نستطيع تكراره أيضاً. لا أحد يستطيع إيقافنا”.
وخلال المؤتمر الصحفي نفسه، قال ترامب مبتهجًا: “استُخدمت القوة العسكرية الأمريكية الساحقة، جواً وبراً وبحراً، لشنّ هجوم مذهل، وكان هجوماً لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية”.
ومع تراجع شعبية ترامب محلياً وتهديد سمعته جراء الكشف عن علاقاته بالمعتدي الجنسي جيفري إبستين، يتجه الآن إلى السياسة الخارجية باعتبارها ساحة لا يزال بإمكانه استعراض قوته فيها.
وقد أشار ترامب في مؤتمره الصحفي إلى أن المبدأ التاريخي للسياسة الخارجية المعروف باسم “مبدأ مونرو” أمرٌ بالغ الأهمية، ولكن تم تجاوزه، وأن اسمه الآن هو “مبدأ دونرو” نسبة إليه كدونالد.
ويشير هير إلى أن هذا المبدأ ليس في الواقع سوى استعمارٍ سافر، قائمٍ على فكرة أن نصف الكرة الغربي هو ملكٌ فعليّ للولايات المتحدة. وفي المؤتمر الصحفي نفسه، برر ترامب مراراً وتكراراً الانقلاب على فنزويلا بأنه ضروري لأن موارد النفط في البلاد مملوكة لشركاتٍ أمريكية. وقال ترامب: “سندير البلاد إلى أن نتمكن من إجراء انتقال آمن وسليم وحكيم للسلطة”. وأضاف: “لقد سُلبت منا بنية تحتية نفطية ضخمة كما لو كنا أطفالاً، فلم نفعل شيئاً حيال ذلك.. لن تسمح أمريكا أبداً لقوى أجنبية بنهب شعبنا أو إجبارنا على التراجع إلى نصف الكرة الأرضية الغربي أو الخروج منه”.
بعد فنزويلا، يتطلع ترامب إلى مهاجمة دول أخرى في نصف الكرة الغربي. ففي مقابلة مع مجلة “ذا أتلانتيك” قال: “نحن بحاجة إلى غرينلاند، بكل تأكيد”. وأضاف أن غرينلاند “محاصرة بسفن روسية وصينية”. وفي مقابلة أيضًا مع قناة فوكس نيوز، قال ترامب: “لا بد من فعل شيء ما بشأن المكسيك”. وصرح وزير خارجيته، ماركو روبيو، يوم الأحد لبرنامج “ميت ذا برس” بأن “الحكومة الكوبية مشكلة كبيرة” و”أنها في ورطة كبيرة”. كما هدد ترامب بشن هجوم عسكري ضد كولومبيا وإيران.
ولكن يجب التمييز بين تبجح ترامب وما هو قادر عليه فعلاً. لأن تركيز الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي، حيث تتمتع بتفوق عسكري ساحق ولا تمتلك أي قوة منافسة لها هناك أسلحة نووية، يُعدّ بحد ذاته مؤشراً على تراجعها كقوة عظمى.
ولذلك فإن مشهد الانقلاب في فنزويلا رغم أنه كان عنيفاً، إلا أنه خلق انطباعا بالتغيير أكبر مما يستحقه الواقع. فباستثناء مادورو وزوجته، أبقى ترامب على الحكومة الفنزويلية القائمة، مع تولي نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز زمام الأمور. بمعنى آخر، ما حققه ترامب هو تغيير في القيادة لا تغيير في النظام، وبتواطؤ على الأرجح من النخبة السياسية الفنزويلية نفسها.
وخلافًا لما أعلنه ترامب، لن تدير الولايات المتحدة فنزويلا بشكل مباشر على أرض الواقع؛ بل ستواصل استخدام الإكراه لتحقيق أهدافها السياسية. ولكن ستصبح فنزويلا تحت سيطرة الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى، وساحة مفتوحة أمام مجتمع الأعمال الأمريكي، إلا أن هذه كلها أهداف كان من الممكن تحقيقها على الأرجح من خلال عقد اتفاق مع مادورو، كما كان يأمل البعض في إدارة ترامب حتى الصيف الماضي.
وللأسف، لا توجد مؤشرات تُذكر على وجود أي تحدٍ جاد لمشروع ترامب داخل المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة. فالحزب الجمهوري في وضع ميؤوس منه. أضف إلى ذلك أنه بينما كان العديد من الديمقراطيين في الكونغرس صريحين في مهاجمة سياسة ترامب الخارجية، كان قادتهم، مثل تشاك شومر وحكيم جيفريز، أكثر تحفظًا، وغالبًا ما ركزوا على الاعتراضات الإجرائية، مثل ضرورة الرقابة البرلمانية، عوضًا عن توجيه أي نقدٍ جوهري. بل إن بعض الديمقراطيين الوسطيين يجادلون، بشكلٍ سري، بأن حزبهم يجب أن يدعم القبض على مادورو.
وقد قدم القادة الأوروبيون ردًا متحفظًا ومتناقضًا على الانقلاب في فنزويلا، حيث مزجوا بين إدانة مادورو باعتباره طاغية، والتعبير عن إيمانهم الراسخ بالقانون الدولي. وثمة تحذير الآن بأن ردود الفعل الأوروبية الباهتة على حرب ترامب في فنزويلا هي دعوةٌ ضمنية للاستيلاء على غرينلاند.
في ختام مقاله يقول هير إن انقلاب فنزويلا ليس غير شعبي فقط، بل إنه يُبرز أسوأ مظاهر الفوضى وانعدام القانون. مشيرا إلى أن تنظيم حركة مناهضة للحرب في الولايات المتحدة يُعدّ أمرًا صعبًا الآن في غياب خسائر بشرية أمريكية كبيرة، لكنّ عدم تمتع ترامب وسياساته بالشعبية قد أدى بالفعل إلى احتجاجات واسعة النطاق. ويمكن لدعوة مناهضة الحرب أن تستغلّ اليوم لحشد المزيد من التعبئة ضد ترامب، وأن تُقدّم للمعارضة سببًا أقوى لمقاومة هذه الإدارة الإجرامية على حد تعبيره.
[[1]]https://www.thenation.com/article/politics/donald-trump-venezuela-coup-imperialism/



