في كتابه الصادر عام (2009) عن دار روتليدج للنشر بالمملكة المتحدة تحت عنوان “History of Islam in German Thought: From Leibniz to Nietzsche” والذي صدرت ترجمته إلى العربية عام 2019 عن مؤسسة ريم وعمر الثقافية، بترجمة فاطمة الزهراء علي، تحت عنوان «تاريخ الإسلام في الفكر الألماني: من لايبنتز إلى نيتشه»، يطرح المؤلف: إيان ألموند دراسة حول تصور الإسلام لدى ثمانية من أهم المفكرين الألمان في القرنين: الثامن عشر والتاسع عشر (وهم: لايبنتز، وكانط، وهيردر، وغوته، وشليجل، وهيغل، وماركس، ونيتشه)، ويستكشف كيف استُخدم “الإسلام” كمرآة فكرية عكس من خلالها هؤلاء الفلاسفة والمفكرون الألمان أسئلتهم عن: العقل والدين، والحداثة والتقليد، والأخلاق والسلطة، والتاريخ والتقدم، وأوروبا والآخر غير الأوروبي. [[1]]
يعتقد ألموند أن صورة الإسلام في الفكر الألماني لم تكن ثابتة أو واحدة، بل متقلبة، وانتقائية، ومشحونة بالسياق الأوروبي. فالإسلام يُمدح تارة حين يخدم نقد الكنيسة، أو عندما يدعم العقلانية الغربية؛ ويُذم تارة أخرى حين يُراد تأكيد تفوق أوروبا، أو فكرة التقدم التاريخي. وبعبارة أخرى فإن هؤلاء الفلاسفة الألمان قد تحدثوا في العادة عن الإسلام ليقولوا شيئًا عن أنفسهم، وعن تصوراتهم للعالم.
يرى ألموند أن صورة الإسلام لدى المفكرين الألمان تطورت عبر عدة مراحل، أولها المرحلة التي تبدأ من لايبنتز حتى عصر التنوير، والتي كان يُقدَّم الإسلام خلالها أحيانًا كنموذج لدين عقلاني بسيط مقارنة بالمسيحية الكنسية. لكنه يُختزل غالبًا في كونه دين “تشريع” لا “روحانية”.
أما في المرحلة الثانية المرتبطة بإيمانويل كانط والتنوير الأخلاقي، فقد كان الإسلام يُقدم على أنه دين للضبط الخارجي، قائم على الطاعة، لا على الاستقلال الأخلاقي، وكان استدعاؤه يُستخدم لترسيخ تصور كانط عن الدين العقلاني.
ولكن خلال المرحلة الثالثة المرتبطة بالرومانسية الألمانية لدى (هيردر، غوته)، كانت ثمة نظرة أكثر تعاطفًا، وإعجابًا بالشعر العربي والقرآن، وتقديرًا لروح التوحيد والبساطة. وكان غوته خصوصًا يرى في الإسلام قوة روحية كونية.
أما في المرحلة الرابعة المرتبطة بهيغل وفلسفة التاريخ، فإن الإسلام أدرجه الأخير ضمن مراحل التاريخ العالمي، لكنه اعتبره مرحلة “تجريدية”، ولم يمنحه دورًا مركزيًا في تحقق “الروح المطلق”، وهنا يبدأ الإسلام يُهمَّش باسم فلسفة التقدم.
وأخيرًا في المرحلة الخامسة المرتبطة بماركس ونيتشه، بات الإسلام يُقرأ ضمن البنية الاقتصادية والاجتماعية، لا بصفته دينا مستقلا. وكان لدى نيتشه موقف مزدوج في هذا السياق، يتضمن نقدا حادا للمسيحية، وإعجابا ضمنيا بالإسلام كدين قوة وانضباط. بينما قرأه ماركس كظاهرة مادية تاريخية في المجتمعات الشرقية.
ويخلص ألموند في الأخير إلى أن الفكر الألماني لم يكن استشراقيًا تقليديًا على الطريقة الفرنسية أو البريطانية، لكنه لم ينجُ أيضا من نزعة المركزية الأوروبية؛ وأنه قد أعاد إنتاج صور نمطية أكثر تعقيدًا عن الإسلام، وقد أظهرته بصور متعددة، وذلك بحسب الأغراض التوظيفية لفكر كل فيلسوف لا بحسب الواقع التاريخي لهذا الدين؛ ومن ثم لم يكن الإسلام في الفكر الألماني مادةً للمعرفة الموضوعية، بل ظل ساحة لصراع فلسفي حول معنى العقل، والدين، والتاريخ، وأوروبا نفسها.
تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يقدّم نقدًا دقيقًا للاستشراق الفلسفي لا الاستشراق الكلاسيكي فقط، وفي كونه أيضا يشرح كيف أن “الحداثة الأوروبية” تشكّلت دائمًا عبر مقارنة نفسها بالإسلام. وهو مفيد للمهتمين بالفلسفة الألمانية، ودراسات الاستشراق، ونقد الحداثة، ودراسة العلاقة بين الإسلام والغرب.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف إيان ألموند أستاذ للأدب العالمي بجامعة جورجتاون في قطر. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب من جامعة إدنبرة. وهو متخصص في نظرية ما بعد الاستعمار، وأدب جنوب آسيا، وتصوير الإسلام، والأدب العالمي. وهو مهتم بشكل خاص بتوضيح كيف كان الإسلام عاملاً مهملاً في تشكيل أوروبا. وله مؤلفات عدة، تُرجمت إلى عدة لغات منها: العربية والتركية والفارسية والكورية والإندونيسية والبوسنية.
[[1]]https://www.routledge.com/History-of-Islam-in-German-Thought-From-Leibniz-to-Nietzsche/Almond/p/book/9780415897792



