في مقاله المنشور في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان “Jordan, the crossroads of empires” (الأردن، ملتقى طرق الإمبراطوريات) [[1]] يسرد الصحفي نيكولاس هاريس تجربته عن زيارته مؤخرًا للأردن في رحلة رسمية بموجب عمله، ويروي مجموعة من انطباعاته ومشاهداته هناك.
يقول هاريس إن الأردن بلدٌ يُظهر مزيجًا مُربكًا من الألم والثقة بالنفس، ويشير إلى أن قطاع السياحة يُشكّل 14-15٪ من الناتج المحلي الإجمالي الأردني. وقد انهار القطاع السياحي منذ تصاعد الأحداث في المنطقة بعد السابع من أكتوبر 2023، وانخفضت أعداد الزوار الدوليين إلى البتراء بنسبة 75-70٪ بين يونيو 2023 ويونيو من هذا العام 2025. ويشير هاريس إلى أنه في سعي الحكومة الأردنية الحثيث لتحسين هذا الوضع، وسّعت الأخيرة نطاق البدائل من قبيل: السياحة العلاجية، ومنتجعات الاستجمام؛ إلى جانب فعاليات ثقافية أخرى مثل إعادة تمثيل الأحداث التاريخية.
يروي هاريس تجربة انطلاقه جنوبًا نحو البحر الميت، وتوقفه لاستكشاف التلال الوعرة هناك، وتأمله شريط الأضواء القادم من مدينة أريحا الفلسطينية عند الغسق، ومن فوقها أنوار مدينة القدس الشرقية المتوهجة. ويحكي هاريس أنه استيقظ في وقت مبكر من صباح اليوم التالي، ونزل مرتديًا ثوبًا للسباحة تحت شروق الشمس. ويقول بأن المرء لا يسبح في البحر الميت بالضرورة، فالطفو الطبيعي المالح يمنعك من وضع ساقيك تحت السطح، فتنجرف ككرة شاطئ منسية. لكن ما يواجهك هناك أكثر من الملح هو الضغط. فالبحر الميت هو أدنى نقطة على وجه الأرض. ويقول بأن كل ما تشعر به وأنت مستلق هناك هو ثقل الهواء في هذا المكان، بينما تحيط بك تلال الصحراء من كل جانب.
يحكي هاريس أنه رغم هروبه من شاطئ البحر الميت، إلا أنه ظل يتحرك في عالم من الماء الثقيل والهواء الثقيل، وصولاً إلى بلوغه موقع معمودية المسيح من النبي يحيى في نهر الأردن. ويصف هذا المكان بأنه أبيض وجاف ومُتداعٍ، لكنّه مليء بسيقان القصب والينابيع التي تتغذى من النهر. ويشير إلى أن الموقع يحتوي على بقايا كنائس قديمة مُختلفة، وهو محفوظٌ بتبجيلٍ من قِبَل فريق مُعتمد من اليونسكو على شاكلته القديمة “كما رآه المسيح ويحيى” (عليهما السلام).
عند اقترابه من البتراء، يقول هاريس إن هذا المكان التاريخي دليل كافٍ على أن الأردن كان قوة عظمى بدورها، تتاجر وتحكم وتبتكر. ويقول إنه من الصعب وصف البتراء؛ حيث إنك تقترب من المكان وأنت تخوض في غمرة التوقعات. ثم يستحضر هاريس هنا قول الشاعر جون ويليام بورغون، الحاصل على جائزة نيوديغيت من أكسفورد عام 1845 في قصيدته عن البتراء: “لا تُضاهيني روعة كهذه إلا في المناخ الشرقي / مدينة وردية اللون عمرها نصف عمر الزمن”.
يقول هاريس إنه من البتراء إلى صحراء وادي رم، يُمكنه القول بسعادة إنه قد تخلى عن أي طموحات كمحلل جيوسياسي، وأنه أصبح يتخيّل أمامه جبال الألب، عارية من الثلج أو أشجار الصنوبر، ولكنها عوضًا عن ذلك، باتت حمراء اللون تحت شمس الصحراء. وأنه بين قمم الجبال تلك، هناك بحر من الرمال الحمراء تذروه الرياح، تتخلله أغصان من نباتات الصحراء. ثم يضيف بأنه: “قبل ملايين السنين، كان هذا البحر تحت الماء، لكن البحر صعد إلى سماء زرقاء لا نهاية لها. ثم في الليل، كانت النجوم ذات الأسماء العربية، ترتفع وتهبط، وغبار درب التبانة الناعم يتدلى في قوس فوق رأسي”.
في ختام مقاله يقول هاريس بأنه فوق هذه المناظر الطبيعية، اليباب، الخاوية من البشر اليوم، فُرضت حدود الجغرافيا السياسية في القرن العشرين. ومهما كانت ثمة محاولات لإعادة صياغتها في القرن الحادي والعشرين، يُمكن للمرء أن يُصدّق بسعادة أن هذه الأماكن ستُراقب ما يحدث وستنجو في نهاية المطاف.
[[1]]https://www.newstatesman.com/international-politics/2025/11/jordan-the-crossroads-of-empires



