في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان ” Donald Trump in Jeffrey Epstein’s kingdom ” (دونالد ترامب في مملكة جيفري إبستين) [[1]] يقول الكاتب والصحفي الأمريكي لي سيغل إن الضجة الراهنة حول قضية جيفري إبستين ليست مشروعة فحسب، بل ربما تكون الدافع الأكثر صحةً اليوم في الحياة الأمريكية.
يشير سيغل إلى أن عقل حركة “ماغا” (لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا) يكاد ينفجر الآن، بسبب أن رئيسهم الذي وصل إلى البيت الأبيض بسبب انتشار الهوس بنظرية “كيو أنون” التآمرية الشعبوية عن الاستغلال المزعوم للأطفال من طرف قيادات الحزب الديمقراطي، ورجال “الدولة العميقة”؛ يقبع الآن في قلب المؤامرات ذاتها.
“لقد سقط ترامب هو وموكب مؤيديه المحمل بالمجرمين والمجانين والمهرجين لتحرير البلاد من عبوديتها السرية” أمام ما تكشف الآن عن مملكة إبستين الخفية، على حد تعبير سيغل، حيث اجتمع رجال أثرياء وأقوياء من كل طبقة أمريكية تقريبًا، وتآمروا، ودبروا، وأساءوا، واغتصبوا الفتيات الصغيرات. وها هو ترامب الذي يواجه اليوم تبعات الكشف عن خبايا تلك القضية، لا يبدو وكأنه استمتع بعلاقته الوثيقة سابقًا مع ذلك الشخص المعتدي على القُصر فقط، بل بدا وكأنه استفاد منها، منذ البداية، وحتى اليوم.
لقد كشف “عالم إبستين” السري عن قسوة السلطة المتروكة لحالها دون حساب، وكشف عن اللامبالاة الجشعة للسلطة والثروة عندما يُحوّلان انتباههما إلى تحصيل المتعة، وكشف عن وجه واقع مجتمعٍ رأسماليّ يعيش في ظلّ ديمقراطيّةٍ مُنحطّةٍ على جانبي نظامها الحزبيّ؛ وكشف القناع عن الحياة الأمريكية التي تعاني من الفوضى الجامحة، والتجارة الجشعة التي تقوم بتسليع كل شيء، والتجاوزات، والأكاذيب.
لقد وجّهت الحقائق العارية لمملكة إبستين ضربةً موجعةً للنخبة الأمريكية في مجال إدراك الذات.
ويبدو أن علاقات السلطة وتحالفاتها السرية- كما يظهر مما تكشف حتى الآن من تفاصيل في قضية إبستين- تلقي بظلالها اليوم على الواقع الذي نعيشه برمته، حيث نجد الجميع متورطين: العائلة المالكة الانجليزية، والأكاديميون البارزون، وشخصيات هوليوود، وعمالقة المال، وحتى الموساد. كل هؤلاء كانوا شركاء حاضرين في عالم إبستين الذي لا يشعر فيه الأقوياء بالراحة الحقيقيّة إلا فيما بينهم عندما يخضعون الفتيات الصغيرات، ويقومون بالاعتداء عليهن، وإذلالهنّ، وتلويثهنّ.
هذه الهاوية من الحيرة المُربكة تُذيب كل عقلٍ سليمٍ في جحيمها المُدوّي. فبعد أن شجبت النخب الليبرالية الأمريكية ترامب في كل مناسبةٍ لأكاذيبه، وخداعه المُتحدي، وانحطاطه الأخلاقي المُطلق- على حد تعبير سيغل- تنتظر الآن، أن يقوم هذا الرئيس “المُحاصر” بالإفراج عن الملفات، بِصراحةٍ وشفافية، بعد أن وقّع تشريعًا يسمح بذلك. كما لو أن التلاعب ببعض الملفات ومحوها وإخفاءها سيُشكّل مشكلةً عمليةً له؛ أو أنه قد تراجع بالفعل عن مقاومته السابقة لنشر الملفات دون أن يتأكد أولاً من أنها لن تحتوي على ما يُسيء إليه أو يُدينه.
ثم يأتي الجزء الأكثر حزنًا من القصة: النساء اللواتي كنّ ضحايا إبستين في طفولتهن. يبدو أنهن يخفن الآن إهانة ذوي النفوذ بقبولهن طلبات الكشف عما يعرفنه، تماما كما كن يخشين الإهانة آنذاك، إذا ما رفضن تنفيذ ما أُمرن به وهن صغيرات. إنه لأمر مأساوي ومُفجع. ولأن ما قد يكشفه هؤلاء النسوة قد يُغير مسار التاريخ الأمريكي، فإن خوفهن من إبداء الحقيقية- حتى ولو بدا مفهومًا- يظل مُحبطًا، ومحزنًا.
في ختام مقاله يقول سيغل بمرارة ساخرة: “هللويا (عبارة تعني التسبيح والحمد للرب) لدينا توقيع الرئيس الفاسد على مشروع قانون أقرته أغلبية جبانة، ميتة أخلاقيًا، وفاسدة في الكونغرس، وسنحصل على الملفات”. ثم يردف: “في أمريكا جيفري إبستين، يبدو أن الجميع يُجبرون على عيش أوهام الآخرين”.
[[1]]https://www.newstatesman.com/world/americas/north-america/us/2025/11/donald-trump-in-jeffrey-epsteins-kingdom



