وقفت الإمبراطورية العثمانية على مدار ستة قرون حتى لحظة اندلاع الحرب العالمية الأولى على مفترق طرق التجارة بين القارات، ممتدةً من البلقان ومنطقة البحر الأسود مروراً بالشرق الأوسط الحالي ومعظم ساحل شمال إفريقيا.
وفي كتابه الصادر عن دار روتليدج البريطانية للنشر تحت عنوان “The Ottoman Economy and Its Institutions” «الاقتصاد العثماني ومؤسساته» (2009) يتناول المؤرخ الاقتصادي شوكت باموق أداء الاقتصاد العثماني ومؤسساته على المدى الطويل، ويستكشف أسباب استمرار هذه الإمبراطورية الشاسعة حتى منتصف العقد الثالث من القرن العشرين، ويحاجج بأن الدولة والمجتمع العثمانيين أظهرا قدرةً كبيرةً على إعادة التنظيم والتكيف مع الظروف المتغيرة من خلال تغييرات مؤسسية انتقائية؛ وذلك حتى قبل إصلاحات القرن التاسع عشر بوقت طويل. كما يُؤكد على أنه حتى القرن التاسع عشر، لم تكن مستويات المعيشة في أجزاء كثيرة من الإمبراطورية مختلفةً كثيراً عن تلك السائدة في معظم أنحاء أوروبا.[[1]]
الكتاب هو عبارة عن تجميع لمقالات كتبها باموق حول المؤسسات والسياسات الاقتصادية للإمبراطورية العثمانية ونتائجها الاجتماعية والسياسية، التي يسلط فيها الضوء على المؤسسات المالية العثمانية، ونظام حيازة الأراضي، وخفض قيمة العملة، والتمويل بالعجز، والتجارة الخارجية، والاستثمار، وتبحث معظم المقالات أسباب طول عمر الإمبراطورية العثمانية المحير.
كما يتحدى باموق في أطروحاته هذه بعضَ الآراء السائدة التي تُقلل من شأن ديناميكية الإمبراطورية بعد القرن السادس عشر، مُؤكدًا أن المؤسسات والسياسات الاقتصادية للإمبراطورية تغيرت بشكل كبير بمرور الوقت. ولا تُفنّد مقالات باموق الحجج الرئيسية لبعض الدراسات المعروفة فحسب، بل تُدقّق أيضًا في البيانات المُستخدمة في تلك الدراسات، وتكشف عن تحيزاتها المسبقة، وتستبدل الأسباب المُستقرة والسائدة لدى المؤرخين بمتغيرات وآليات سببية جديدة تُفسر الروابط بين العمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.[[2]]
تستكشف فصول الكتاب أيضًا المراحل الحرجة التي شهدت تغييرات كبيرة في المؤسسات والسياسات الاقتصادية، وتُحلل العواقب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتلك التغييرات. وفيما يتعلق بالمؤسسات الاقتصادية العثمانية، يُشدد باموق على أهمية العملية الديناميكية لبناء المؤسسات وتشكيل التحالفات التي جرت على الرغم من استمرارية المؤسسات الرئيسية للإمبراطورية. وعلى النقيض من الدراسات التنقيحية التي عادةً ما تُصوِّر القرن التاسع عشر على أنه بداية للتحولات المؤسسية الكبرى، يزعم باموق أن التغييرات المؤسسية الجوهرية سبقت “عصر التنظيمات”، وهذا الأخير مصطلح يشير إلى فترة الإصلاحات التي شهدتها الدولة العثمانية على مرحلتين: الأولى في الفترة ما بين عامي 1839 و1876، خلال عهدي السلطان عبد المجيد الأول والسلطان عبد العزيز الأول اللذين شهدا تحديثات على النمط الأوروبي في مجالات الإدارة والقضاء والتعليم والجيش؛ والثانية التي تعرف بالمشروطة (إعلان الدستور) خلال عصر السلطان عبد الحميد الثاني، وقد امتدت من عام 1876 إلى 1908.
ويُقر باموق في الكتاب بحقيقة فترة التضخم التي شهدتها “ثورة الأسعار” في الإمبراطورية العثمانية، لكنه يتبنى نظرة أقل تشاؤمًا لتأثيرها على “الانحدار العثماني” منذ أواخر القرن السادس عشر، معتبرًا الحاجة لتمويل جيوش أكبر وحروب أطول السبب الأقوى للمشاكل المالية العثمانية (وذلك من بين عدة عوامل أخرى). ويعرب باموق عن عدم إعجابه بمفهوم “الانحدار العثماني” المشار إليه أعلاه والذي يتبناه المؤرخون، ويشرح في المقابل كيف تكيفت المؤسسات المالية مع الظروف المتغيرة على مر تاريخ الإمبراطورية.[[3]]
نشير ختامًا إلى أن المؤلف شوكت باموق أستاذ الاقتصاد والتاريخ الاقتصادي في معهد أتاتورك للتاريخ التركي الحديث وفي قسم الاقتصاد في جامعة بوغازجي (البسفور) في تركيا.
[[1]]https://www.routledge.com/The-Ottoman-Economy-and-Its-Institutions/Pamuk/p/book/9780754659815?srsltid=AfmBOoqYMode4YyALsXTGM1ld4Ba0Lw1i7rQ7TKHSa4VsOt1MGkM_7HN
[[2]]https://www.proquest.com/openview/7c646da83bfe7c6d71fd291f8e8c290f/1?pq-origsite=gscholar&cbl=1746339
[[3]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/22/1/82/692502



