في دراسة المستشار طارق البشري المنشورة تحت عنوان«الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر»، الصادرة ضمن 3 مؤلفات مختلفة، هي كتاب «نحو وعي إسلامي بالتحديات المعاصرة» تحرير محمود محمد سقر بالبحرين عام 1985- 1986، وكتاب «الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية» تحرير د.عبد الله النفيسي بالكويت عام 1989، والثالثة كفصل تمهيدي ضمن كتاب منشور تحت العنوان نفسه، من إصدار دار الشروق في القاهرة عام 1996، يذهب المفكر والمؤرخ والقاضي المصري إلى أن تاريخ المنطقة المعاصر بدأ مع بزوغ حركتين متضاربتين للإصلاح:
أولى الحركتين، هي حركة التجديد الفقهي والفكري التي ظهرت مع دعوات كل من: محمد بن عبد الوهاب (1703 – 1791) في نجد في القرن الثامن عشر؛ ومحمد بن نوح الغلاتي (1752- 1803) في المدينة المنورة؛ وولي الدين دهلوي ( (1702- 1762) في الهند؛ ومحمد بن علي الشوكاني (1758 -1823) في اليمن؛ ومحمد بن على السنوسي (1778 – 1859) في المغرب؛ والشهاب الألوسي (1802 – 1854) في العراق؛ ومحمد بن أحمد المهدي (1843 – 1885) في السودان.
يلاحظ البشري سمة مشتركة في كل هذه الحركات والدعوات السابقة ألا وهي: أنها كلها حركات تجديدية؛ لأنها جميعًا حركات تنبذ التقليد وتدعو إلى فتح باب الاجتهاد. كما يلاحظ سمة أخرى ألا وهي انطلاق تلك الحركات من مناطق الأطراف، متفادية منطقة القلب الخاضعة آنذاك للهيمنة السياسية للدولة العثمانية، ويقصد البشري بمنطقة القلب: محور ( إستانبول – دمشق – القاهرة).
أما الحركة الإصلاحية الثانية بحسب البشري، كانت هي حركة الإصلاح المؤسسي التي قامت منذ نهايات القرن الثامن عشر، وامتدت إلى نهايات القرن التاسع عشر في الولايات الخاضعة رسميًا للحكم العثماني.
بدأت هذه الحركة الإصلاحية بسعي السلطان سليم الثالث لإعادة بناء الجيش العثماني على الطراز الحديث؛ بغية التمكن من مواجهة الأخطار المحدقة بالدولة العثمانية، من قبل روسيا القيصرية في الشمال، والأسطول الانجليزي في البحر المتوسط، ومن سائر الدول الأوروبية الكبرى في ذلك الوقت. ثم تلت تلك الحركة الإصلاحية الأولى التي يصفها البشري بالفاشلة، حركة السلطان محمود الثاني (1808 -1840)، وحركة محمد علي في مصر (1805- 1840).
يلاحظ البشري أن نقطة البداية في حركة الإصلاح المؤسسي تلك، كانت تحديدًا في مجال الجيش وفي استخدام آلات القتال كالمدافع، وإدخال أدوات القتال الحديثة؛ الأمر الذي استدعى إدخال نظم إدارية وأنماط تعليم حديثة، تساعد على استخدام تلك الوسائل الحربية الجديدة، على مستوى صناعتها وتركيبها واستخدامها.
أدى هذا النهج التحديثي بحسب البشري، إلى نشوء «مؤسسات بديلة» منقطعة تاريخيًا ومؤسسيًا عن المؤسسات التقليدية، حيث لم يهتم رجال الدولة الذين قادوا تلك الحركة الإصلاحية المؤسسية الرسمية، بتبني حركة تجديد شاملة، يخرج فيها الجديد انبثاقًا من القديم، كجزء من سيرورة تطور اجتماعي عام للأمة؛ ولهذا السبب نشأ ازدواج بين المؤسسات القديمة والحديثة، أنتج لنا في الأخير صدًعا تاريخيًا في الأمة ونظمها الاجتماعية وهياكلها الفكرية، فصار القديم أبتر مقطوعًا لم يفض إلى جديد، وصار الجديد أجنبيًا لقيطًا قادمًا من نسق عقائدي آخر ومن أوضاع اجتماعية وتاريخية مختلفة.
لعب هذا الفصام التاريخي بين الحركة الإصلاحية المؤسسية والدينية، الدور الرئيسي على الأرجح في وراثتنا اليوم لهذا المجتمع المصدوع بين حركات الإسلام السياسي ومعظم النظم الرسمية في العالم العربي، وفي خلق ما أسماه المفكر السوري برهان غليون بـ «المحنة العربية» في كتابه المنشور تحت العنوان نفسه : (المحنة العربية : الدولة ضد الأمة)، الذي تناول فيه حالة العداء بين الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي للمجتمع، وتحول تلك الدولة إلى عائق لمسيرة التطور السياسي والاجتماعي في المجتمعات العربية؛ الأمر الذي أدى بدوره إلى تفجر ثورات الربيع العربي خلال العقد الفائت.



