بعد صدمة العنف الجماعي والنزوح السكاني الهائل الذي أعقب تقسيم الهند وباكستان عام ١٩٤٧، واجه الدولتين الجديدتين تحدّ هائل وكبير تمثّل في خلق سرديات ورموز وتاريخ وطني جديد، بالإضافة إلى بناء إطار جديد لحياتهما السياسية.
وبينما ادّعت قيادة غاندي في الهند انتماءها للحركة العالمية المناهضة للاستعمار، واستندت على إرثٍ حضاري كبير ممتد في شبه القارة، واجهت النخبة السياسية الجديدة في باكستان مهمة أكثر تعقيدًا؛ ألا وهي صياغة تاريخ إسلامي وتقاليد سياسية منفصلة ومتميزة من داخل تاريخ طويل من التفاعل والاختلاط والتعايش الثقافي والديني امتد لألف عام. [[1]]
في كتابه الصادر عن منشورات جامعة ستانفورد الأمريكية عام 2024 تحت عنوان “Qaum, Mulk, Sultanat: Citizenship and National Belonging in Pakistan” (قوم، ملك، سلطانات: المواطنة والانتماء الوطني في باكستان) يسعى المؤلف علي عثمان قاسمي إلى تتبع التطور المعقد لمفاهيم المواطنة والانتماء الوطني في باكستان ما بعد الاستعمار، مقدّمًا تاريخًا شاملًا ودقيقًا للفترة التكوينية للبلاد، وراسما في هذا الإطار صورةً ثريةً بالتفاصيل لعملية كتابة دستور ديمقراطي لباكستان، وهي عملية طويلة وشاقة، وغالبًا ما شابتها الصراعات، ويروي في الوقت نفسه ابتكار مؤسسي البلاد لمجموعة من طقوس الدولة مثل اختيار لون العلم بدقة، واعتبار عيد الأضحى “احتفالًا وطنيًا”. كما يقدّم تحليلًا كاشفًا لممارسات المواطنة الباكستانية، وصورةً جديدةً للتاريخ الإسلامي في شبه القارة الهندية.
واعتمادا على أرشيف غنيّ بمصادر متنوعة، واستنادا كذلك إلى نتائج البحث التجريبي الذي أُجري على مدى سنوات طويلة، يُحلل قاسمي النقاشات الفكرية والأيديولوجية، التي سبقت تأسيس باكستان؛ ويتمحور جوهر هذه النقاشات حول كيفية تحول غير الأوروبيين والرعايا المُستعمَرين إلى مواطنين.
كما يفتح هذا البحث التاريخي حول المواطنة الباب أمام استكشاف مسألة “الانتماء” و”القومية” الأكثر صعوبةً وغموضًا في هذا البلد. ويكشف عن دور الدولة في تشكيل هذا الشعور بالانتماء الوطني، وكيف نظر إليه المؤرخون؟ وكيف تناول مؤرخو القانون والدستور المعاصرون هذا الموضوع من منظور الدولة. وكما يُشير قاسمي، فإن هدف مشروعه “ليس كتابة تاريخ مُفصّل للقومية الإسلامية، بل التفكير في عمليات وتحولات تشكيل الدولة والأمة في فترة ما بعد الاستعمار”.[[2]]
نشير ختامًا إلى أن المؤلف علي عثمان قاسمي مؤرخٌ لجنوب آسيا الحديث، ونشر في السابق كتابين هما: “التشكيك في سلطة الماضي: حركات أهل القرآن في البنجاب”، و”الأحمديون وسياسات الإقصاء الديني في باكستان”. ومنذ عام ٢٠١٢، يُدرّس قاسمي التاريخ في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة لاهور للعلوم الإدارية. [[3]]
[[1]]https://www.sup.org/books/asian-studies/qaum-mulk-sultanat
[[2]]https://academic.oup.com/jis/advance-article-abstract/doi/10.1093/jis/etaf031/8248848
[[3]]https://thecivilizationismproject.stanford.edu/people/ali-usman-qasmi



