بين خمسينيات القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى، لجأ حوالي مليون مسلم من شمال القوقاز إلى الإمبراطورية العثمانية. وقد غيّرت تلك الهجرة وجه الدولة العثمانية، حيث أنشأ الشركس والشيشان والداغستانيون وغيرهم مئات القرى في أنحاء البلقان العثمانية والأناضول وبلاد الشام. ولا تزال معظم هذه القرى قائمة حتى اليوم، بما في ذلك ما يُعرف الآن بمدينة عَمَّان (عاصمة الأردن). وقد أنعشت عملية إعادة توطين اللاجئين المسلمين من روسيا الاقتصادات الإقليمية، لكنها زادت أيضًا من حدة المنافسة على الأراضي، وفي بعض الأحيان، عجّلت بتوترات طائفية؛ مما أدى إلى تحولات جوهرية في المناطق الحدودية للإمبراطوريتين الروسية والعثمانية.[[1]]
في كتابه الصادر عن منشورات جامعة ستانفورد الأمريكية عام 2024 تحت عنوان: “Empire of Refugees: North Caucasian Muslims and the Late Ottoman State” (إمبراطورية اللاجئين: مسلمو شمال القوقاز والدولة العثمانية في أواخر عهدها) يسعى المؤلف فلاديمير حامد ترويانسكي إلى إعادة قراءة التاريخ العثماني المتأخر من خلال تحليل تأثيرات ظاهرة النزوح الجماعي من حدود ما يعرف الآن بروسيا الاتحادية إلى المشرق العربي، ويكشف عن جذور تلك العملية التاريخية التي أعادت تشكيل ديموغرافيا الشرق الأوسط الحديث.
يشير ترويانسكي إلى أن الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر قد أنشأت نظامًا للاجئين، سبق أنظمة اللاجئين التي وضعتها عصبة الأمم والأمم المتحدة؛ ويستند في هذا الزعم إلى أبحاث أرشيفية في أكثر من عشرين أرشيفًا عامًا وخاصًا في عشر دول، كما يناقش الكاتب كذلك الحدود المُفترضة عادةً بين مسألة الهجرة القسرية والطوعية، وبين اللاجئين والمهاجرين، ليعيد في هذا الإطار كتابة تاريخ عمليات هجرة المسلمين ولجوئهم في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
يناقش حامد في الكتاب أيضًا سياسات روسيا الإمبريالية الوحشية في شمال القوقاز، والتي أجبرت، بشكل مباشر أو غير مباشر، حوالي مليون مسلم على الهجرة إلى الإمبراطورية العثمانية بين عامي 1858 و1914. ويركز المؤلف في هذا الإطار على مصير النازحين الشركس الغربيين (ومن بينهم الأبزاخ، والبزيدوغ، والشابسوغ، وغيرهم) والشركس الشرقيين (القبرديني والبيسليني)، الذين شكلوا غالبية اللاجئين. إلا أن ترويانسكي يتناول أيضًا إثنيات مسلمة أخرى مثل الأبخاز، والأباظة، والكراشاي، والبلقار، والنوغاي، والأوسيتيين، والشيشان، والإنغوش؛ بالإضافة إلى علماء المسلمين والمتصوفة من داغستان. ورغم عدم توفر أرقام دقيقة في المراجع والمصادر والأرشيفات، إلا أن المؤلف بذل جهدًا كبيرًا في جمع التقديرات المتاحة وتحديد ذروة الهجرة لكل مجموعة عرقية على حدة. [[2]]
وقد أدى عبور اللاجئين والمهاجرين البحر الأسود في قوارب مكتظة إلى حدوث خسائر فادحة في الأرواح. وقد ترافقت عمليات النزوح مع انتشار للأمراض الوبائية ومجاعات في كثير من الأحيان في مناطق الموانئ العثمانية. ومع ذلك، حافظت السلطات العثمانية على سياسة الباب المفتوح تجاه اللاجئين المسلمين من شبه جزيرة القرم والقوقاز، والتي تضمنت الحق القانوني في الحصول على مساحة ثابتة من الأراضي الصالحة للزراعة والتمتع بإعفاءات ضريبية مؤقتة. ومع ذلك، كانت اللجنة العثمانية للاجئين، التي كان من المفترض أن تدير عملية إعادة التوطين وتسهلها، تعاني بحسب المصادر من نقص مزمن في التمويل.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف فلاديمير حامد ترويانسكي هو مؤرخ متخصص في الهجرة العالمية والنزوح القسري، ويتمتع بخبرة في تاريخ الإمبراطوريتين العثمانية والروسية والدول التي خلفتهما، وهو أستاذ مشارك في الدراسات العالمية بجامعة كاليفورنيا (سانتا باربرا). وقد حصل حامد ترويانسكي على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة ستانفورد، وكان زميلًا في دراسات ما بعد الدكتوراه في جامعة كولومبيا. ويتناول مشروع كتابه الجديد “الهجرة العالمية: هجرة اللاجئين المسلمين منذ عام 1850” التاريخ الحديث لنزوح المسلمين في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا. [[3]]
[[1]]https://www.sup.org/books/middle-east-studies/empire-refugees
[[2]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/36/3/469/7920710



