هذا المقال/التعليق كتبه أستاذي الدكتور امحمد بن عبود تفاعلا مع جلسة “صالون الإحياء” حول كتاب “نبي الإسلام” للمرحوم حميد الله والتي حضرها المترجم وثلة من المثقفين. ونظرا للطفها ننشرها في موقع أواصر توثيقا وتعريفا بقيمة وجلال رجل أفنى حياته في العلم.
***
كنت أقرأ كثيرا للعلامة محمد حميد الله في سنة 1975 بالإنجليزية والفرنسية. وكان متقنا لعدة لغات. وعندما سافرت للقائه من تطوان إلى باريس في سيارة فياط 127 في طريقي إلى مدينة إدنبره في أسكوتلندا، زرته في شقته الصغيرة قرب حديقة لكسنبورغ وشارع سان ميشيل.
طرقت باب شقته التي تتكون من مكتبته ومطبخ صغير جدا وغرفة صغيرة فيها فراشه. وتعجبت لكون هذا الرجل العظيم يعيش وحده، يعيش تلك الحياة البسيطة، حياة الرجل الصوفي. استقبلني بحرارة مع أننا لأول مرة نلتقي. ورحب بي بحرارة وطلب مني أن أجلس.
أخبرته بعد ذلك أنني في طريقي إلى إدنبره، وأنني أنجز أطروحة لنيل الدكتوراه تحت إشراف البروفسور وليام مونتغومري واط. ثم أضفت وأنا خائف. إنني قرأت كتبك: كتابك “الإسلام” بالإنجليزية، ” ساحات معارك الرسول” بالفرنسية، وترجمتك للقرآن الكريم بالإنجليزية، وتحقيقك ودراستك لاتفاقية الحديبية. فأريد أن تنصحني.
تأمل حميد الله قليلا ثم قال. لو سألتني قبل التسجيل في إدنبره لنصحتك بتسجيل عملك في باريس. ولكن مكان الدراسة واختيار المشرف ليس هو الأهم، لأن قيمة عملك سيقررها مجهودك الشخصي بالدرجة الأولى، أما شهادة الدكتورة فلا يجب أن تمنحها كثيرا من الاعتبار، لأن هدفك الرئيسي والأخير يجب أن يكون هو البحث العلمي. عندئذ سقط عن كاهلي ذلك الثقل الذي كان يضايقني وهو إنجاز أطروحة لنيل الدكتوراه.
استمر العلامة حميد الله في كلامه قائلا: لذلك أقترح عليك أن تنهي أطروحتك في أقصر وقت تسمح لك به الجامعة لتهب ما بقي من حياتك للبحث العلمي.
كان يتكلم -رحمه الله- بهدوء وبصوت منخفض.
تأثرت كثيرا بجوابه الحكيم فشكرته بحرارة وأنا متأثر بكلامه، بعد ذلك واصلت رحلتي إلى إدنبره في سيارتي بعد قضاء ثلاثة أيام في لندن.
لم أنس نصيحة محمد حميد الله طول حياتي، وطبقتها حرفيا، وما زلت أطبقها إلى يومنا هذا. رحمه الله وجزاه الله خيرا.
صاحبني في تلك الرحلة ابن خالتي الدكتور رياض بوهلال الذي ظل ينتظرني في سيارتي الصغيرة خلال مدة اجتماعي به. بعد ذلك صاحبني إلى لندن حيث قضيت ثلاثة أيام معه، ليعود بعدها إلى فرنسا لمتابعة دراسته الجامعية في الطب.
أما أنا فأخذت طريقي إلى إدنبره لمتابعة دراستي الجامعية العليا. وكنت أراسله خلال المدة التي قضيتها في إدنبره في موضوع الاستشراق، وكان يجيب بسرعة عن جميع الرسائل التي بعثتها له.
مازلت إلى اليوم أتذكر وجه ذلك العجوز النحيل، البسيط، الحكيم، الودود، وهو يتكلم باحترام كأن النور يخرج من بين شفتيه.
لم يستغرق اللقاء أكثر من نصف ساعة ولكن تأثيره في نفسي كان قويا جدا. بعد ذلك اللقاء توضحت الصورة في ذهني، وقررت أن أبحث عن العمل في الجامعة، وأتفرغ للبحث العلمي. قررت ألا أبحث عن المناصب العليا لأنني لم أخلق لها.
ربما تأثرت بكلام حميد الله لأنه كان يطبقه حرفيا. كان يقضي 6 أشهر من كل سنة في باريس و6 أشهر في إسطنبول حيث كان يدرس بالجامعة.
وفي ختامي هذه الكلمة، أشير إلى أن كتابه المفضل عندي هو دراسته حول العلاقات بين الدول وهي دراسة في الفقه الإسلامي الدولي وأن الأحكام في هذا الباب تختلف عن بعضها البعض حسب أوقات الحرب وأوقات السلم.



