في مكانٍ آخر في المشرق، وفي مجتمع اليمن، باحث انثروبولوجي يشتغل في حقل انثروبولوجيا الفقه بطريقة متمايزة ومختلفة كلياً عن اشتغالات (غيرتز وأيكلمان وروزن)، ألا وهو الانثروبولوجست برينكلي ميسيك “Brinkley Messick” الذي كانت له اشتغالات متميزة حول نصوص الشريعة في سبعينيات القرن الماضي في اليمن وتحديداً خريف 1974، ثم استمر يعمل بما تتيح له الظروف، لأجل الكشف عن التقاليد الخطابية وحضورها في الممارسة اليومية للشريعة.
العمل المميز الذي كتبه هو نصوص الشريعة: انثروبولوجيا تاريخية “Shari’a Scripts: A Historical Anthropology” والذي صدرَ عن دار نشر جامعة كولومبيا عام 2018، والذي مارس فيه منهجيته المبتكرة في حقل الانثروبولوجيا التاريخية عبر استكشاف إنتاج النص وأدائه في زمن الحكم الإماميّ، والذي أسماه هو بمنهجية الانثروبولوجي كقارئ “The Anthropologist as Reader”، ولقد قدمه كمقال (Islamic Texts: The Anthropologist as Reader)، وقد استطعنا-لحسن الحظ- الحصول عليه، وسنقدم مراجعة لأبرز أطروحاته فيه.
لقد كان دافعه الأبرز للكتابة عن نصوص الشريعة الإسلامية ومدى حضورها وتأثيرها هو اتفاقه في الرأي مع وائل حلاق الذي قال بالموت البنيوي للشريعة بفعل الاستعمار ومد الدولة القومية؛ لذا فهو يصف ما هو موجود اليوم من الشريعة ب (قشرة الشريعة) التي لا تزال تعمل بنحو جزئي في القوانين المدنية وفي مؤسسات التعليم التقليدي؛ ولعل هذا الأمر كان أحد دوافع دراسته للشريعة في اليمن إذ حاول التعرف على التمزق المعرفي من خلال التحليل التاريخي لتلك النصوص.
وبحسب ما يقول: فإن نظام الشريعة كان قائماً في المرتفعات (شمال اليمن) في منتصف القرن العشرين، وفي العقود التي سبقت ثورة 1962، وانتهت الفترة المذكورة قبل بحثي الميداني بوقت طويل، إذ بدأتُ بشكل متقطع في خريف 1974 حتى الوقت الحاضر، وأنا أركّز على تلك الفترة التاريخية، بدلاً من السنوات المعاصرة التي يجب التركيز تقليديا عليها خلال مساكنتي البحثية، ولعل الفرصة التي يقدمها الزمن السابق هي مجموعة فريدة ومثالية للفهم التاريخي للشريعة، وتتجلى في النقاط التالية:
- التعرف قبل البدايات المحلية على مجموعة متنوعة من التغيرات الحديثة المميزة، ولاسيما ما يتعلق بتقنين الدولة القومية وتشريعاتها، (2) لم تكن مرتفعات اليمن مستعمرة من قبل قوة غربية، وفي الوقت نفسه كان اليمن على مسافة من التحولات العديدة، والمتكافئة التي كانت مرتبطة بالاستعمار، مثل التقييد الحاد لمجال تطبيق قانون الشريعة للأسرة.
ومع ذلك فإن الأهم من خلال هذا العصر المبكر هو الفرصة المتاحة قليلاً لدراسة الشريعة في إطار حكم مميز لدولة إسلامية على الطراز الكلاسيكي، إذ تم التركيز على العقود الوسطى من القرن الماضي، إذ إن مشروع الانثروبولوجيا التأريخية يستلزم مثل هذا الاستقصاء التاريخي عبر استرجاع الماضي من خلال البحوث الاثنوغرافية التي أجريت في العقود التالية في ظل عصر الجمهورية.
لقد كان ميسيك منشغلاً في حقل الدراسة الميدانية، بالحكم الإمامي، أي الإمامة الزيدية في اليمن، التي حكمت مرتفعات صعدة في البداية، وذلك الحكم استمر سبعة قرون، امتدت من عام 898م – إلى 1962م، وكانت الشريعة الاسلامية هي المطبقة في سائر الشؤون آنذاك، وذلك على وفق المذهب الزيدي، والمذهب الزيدي- كما هو معلوم- ينسب إلى الإمام زيد بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
ويتحدث ميسيك عن منهجيته المعتمدة في دراسته تلك قائلاً: أركز اليوم على عدة تقنيات للقراءات الانثروبولوجية عبر استخدام التاريخ الشفوي، وكذلك بناءً على مجموعة كبيرة من الكتب والوثائق، لأجل دراسة الدولة الإسلامية المعنية التي كان يرأسها (إمام) أي إمام عظيم، على عكس إمام المسجد، هذا الإمام من المفترض أن يكون مترجماً مؤهلاً للشريعة، على الرغم من أن صيغة القاعدة المنصوص عليها إلى حد كبير في كتب القانون شاخت بحسب جوزيف J Schacht كما صرح ميسيك بشكل لا لبس فيه: أن الدولة كما تصورتها النظرية الإسلامية، مجرد قانون من الخيال لم يكن موجوداً في الواقع. ولكن ألف سنة من تاريخ الدولة الإسلامية في مرتفعات اليمن ضد هذا الرأي.
وبحسب رأيه فإنه يمكن تعريف الدولة الاسلامية، بعبارات بسيطة، بأنها الدولة التي تطبق الشريعة. وأن فحص خصوصيات نظامها الشرعي هو الذهاب إلى قلب مثل هذه الدولة. إن هذا التمييز آمل أن يساعد على تفادي استنتاجات أضيق حول ما إذا كان نظام الشريعة السابق معيارياً.
لكن مصادره التي يمكن عدها ضمن سياقات (أنثروبولوجيا الفقه الإسلامي) متعددة للغاية، ولكنها كانت كلها ضمن دائرة النصوص الفقهية المعتمدة في سائر شؤونهم الحياتية، وعن ذلك يتحدث ميسيك بكل وضوح قائلا: تراوحت مصادري في المرتفعات بين كتب الفقه وشروحها، وآخرها كتب من ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، فضلاً عن الأقوال الشخصية للأئمة الحاكمين، وتفسيراتهم، وفتاوى المفتين المحليين، والأحكام الصادرة عن المحاكم الشرعية والمحاكم الابتدائية المحلية الخاصة ووثائقها، بما في ذلك الصكوك مثل العقود والوصايا، والسمات المهمة لهذه المجموعة من المصادر، إنها كانت في نطاق غير معتاد، وقد عاصر بعضها البعض في الزمان والمكان المناسبين.
إن الفكرة التي استخلصها ميسيك هي: أن نصوص الشريعة كانت نصوصاً قانونية حاكمة وناظمة لكل تفاصيل حياة اليمنيين في المرتفعات التي درسها (ميدانياً)، ولكنه انتبه إلى أن هذه (النصوص) كانت تحتاج إلى مصطلحين جوهريين لأجل فرزها على شكل مجموعتين. ولهذا فهو يقول إنه استخدم مصطلحين: (المكتبة) و(الأرشيف) للإشارة إلى مجموعتين رئيسيتين من نصوص الشريعة، فالكتاب والوثيقة في هذه العوالم المحلية كانا يتعلقان -وعلى التوالي- بالقليل والكثير من المصطلحات التي تهدف إلى إجراء تمييز تحليلي داخل التقاليد التي تم تعلمها، والتي ربطت بين المكتبة والمدرسة، بينما كان الأرشيف لمنتصف القرن الماضي روابط أساسية ضمن أعمال محكمة القاضي ومحيطها، بما في ذلك كاتب العدل الخاص.
إن وضع زمن المكتبة والأرشيف المحلي معاً في مركز البحث، كان جزءاً لا يتجزأ من فحصي للشريعة على أنها (قانون مكتوب). لقد اتسعت هذه الفكرة القديمة متجاوزة مرجعها الطبيعي (القانون) في الكتب والمؤلفات القانونية أو الفقه القانوني، المتمحور حول الفقه، ولقد أخذت في الحسبان الاعتبار القانوني للكتابة التي توضع في المستويات الأقل مستوى علمياً.
فلهذا كانت قراءته شمولية لنصوص الشريعة، لأنه لم يتوقف عند الكتب الفقهية (المكتبية) المعروفة، بل تجاوز ذلك إلى الوقوف على ما تصدق عليه، وعلى دلالاتها ضمن العمل (الأرشيفي) الموثق لتطبيقات سائر الأحكام الفقهية والفتاوى الفقهية الصادرة من الأئمة وأهل الإفتاء في حينها كما بينّا سابقاً.
هو يعتقد أن النصوص القانونية المعتمدة في المحاكم، أي محاضر المحاكم ضمت تفاصيل مهمةً عن صلات عدة قضايا مع الشريعة الإسلامية، المفردات والمصطلحات الخاصة بالمناطق المحلية المتباينة، من أسماء الناس ومواصفات أو سمات الأشياء المتنازع عليها، فضلاً عن مؤشرات دقيقة للمبالغ والكميات، وطبيعة العملات المستخدمة في تداولها، ولهذا فقد وضع فرضية مفادها: أن النظام القانوني المعقد قد يكون أكثر فائدة من خلال اقترابه من تحليل أعمال مكتوبة. وذلك لأنه يجيب عن شتى الاستفسارات عن نوع الكتابات ونوع القوانين المستخدمة، وذلك لأن التعامل مع النصوص المكتوبة الوثائقية أو المكتبة أو الأرشيف، ليس بوصفهِ وسيلة للتحقيق للمصادر التقليدية، ولكنه يسهم في معرفة التمايز بين الأعمال والمصنوعات اليدوية، بين الأحداث التاريخية العابرة للكتابة وأشيائهم المادية الموجودة. إذ إن دراسة الأخير لا تشير فقط إلى أنواع النصوص فحسب، بل تشير- وبالتساوي- إلى مؤسسات العمل البشري. لأن هدفي هو تقديم مثال تاريخي لعمل الشريعة بأبعاد منهجية، وذلك على عكس معظم الأبحاث الحالية حول الشريعة الإسلامية.
إنهُ يريد أن يقول إن الجرد المادي والمعنوي لأحكام النصوص القانونية الصادرة بعدة طرق، لاسيما عبر الفتاوى والأحكام القضائية، إنما يقدم رؤية شاملة لتطبيقات الشريعة الإسلامية في المجتمع اليمني آنذاك، تلك التطبيقات التي طالت مجموعة كبيرة من الشؤون الحياتية وفي سياقات متعددة، وهذا إن دل على شيء بحسب نظر ميسيك، فإنما يدل على سعة تطبيقات الشريعة الإسلامية وحضورها (الفقهي/ القانوني) المهيمن آنذاك.



