شهد الفكر السياسي الإسلامي في الفترة الحديثة صحوة علمية وبحثية ملحوظة تمثلت في ظهور عدد من الأعمال والنصوص الفكرية المهمة، التي حاول أصحابها الجواب عن السؤال/المستجد السياسي الإسلامي من منظورات معرفية مختلفة، وذلك في أفق التوفيق بين الإسلام والحداثة السياسية، أو في أفق استئناف الدينامية الحضارية الإسلامية وتنفيذ جملة من الإصلاحات بعد حقبة الاستعمار الشامل. ولا نحتاج للتذكير في هذا السياق أن هذه اليقظة الفكرية – الإسلامية تزامنت مع انهيار النظام السياسي الإسلامي التقليدي، وتراجع شرعية مفاهيمه التأسيسية، حيث ألصقت به أوصاف الرِّجعية، والاستبداد، والتخلف..، وتزامن أيضا مع ظهور أنظمة ونماذج سياسية جديدة في المجال الإسلامي بعيدة عن الأشكال السياسية القديمة ومتجاوزة لها.
لقد تأثرت النّصوص المرجعية في الفكر السياسي الإسلامي الحديث المتداولة بين المسلمين وإلى اليوم بسياقات مختلفة، وضاغطة، تتصل بالظروف والإكراهات التاريخية والثقافية التي ظهرت في نطاقها، من أبرزها على سبيل المثال لا الحصر: حادثة سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924م؛ وحادثة ظهور الدولة الوطنية (الدولة – الأمة) بعد ذلك؛ وصعود وهيمنة الفكر السياسي الشمولي الاشتراكي أو الديكتاتوريات العسكرية…
وهكذا، فقد ظهرت بالعالم الإسلامي في هذا السياق حركة سياسية-ثقافية نشطة، قادها عدد من أعلام الفكر والثقافة الكبار، ومن أبرزهم: رفاعة الطهطاوي (ت. 1873م)؛ وجمال الدين الأفغاني (ت. 1897م)؛ وتلميذه الإمام عبده (ت. 1905م)؛ ومحمد الكَرْدُودي (ت. 1852م)؛ وعليّ السَّمْلالي (ت. 1893م)؛ والشيخ رشيد رضا (1935م)؛ وعبد الرحمن الكواكبي (1902م)؛ وعبد الرزاق أحمد السنهوري (ت. 1971م)؛ وأبو الأعلى المودودي (ت. 1979م)؛ وتقي الدين النبهاني (ت. 1977م)؛ والطاهر بن عاشور (ت. 1973م)..
غير أن الفكر السياسي الإسلامي الذي تمخض عن هذه الحركة، والذي أنشأه هؤلاء الأعلام في سعيهم لبناء الأصالة، وإشاعة الروح الأخلاقي في الفكر الإسلامي الحديث لم يتسلح رواده بوعي منهجي جديدٍ، واضح المعالم، واستعانوا، ووظفوا مجموعة من الآليات المنهجية، الواضحة الصلّة بمنظومة التفكير التقليدية، وإن لم يفقهوها، وهو ما جعل الكثير من عبارات هذا الفكر ونصوصه سَلفية البنية، تقليدية الروح، الشيء الذي يجعلنا نطرح السؤال التالي: هل كانت هناك إمكانية لتجديد الفكر دون تجديد منهجه؟
وقد أدرك المفكر الباكستاني فضل الرحمن (ت. 1988م) هذه الحقيقة مبكرا في عمله النوعي الموسوم بـ «الإسلام والحداثة»، الذي صدر أواخر السبعينيات من القرن الماضي، حيث أشار إلى أن الإجابات التي قدمها كلّ من الأصوليين والحدثيين عن أسئلة السياسة في العالم الإسلامي في الفترة الحديثة كانت تفتقد إلى الوضوح المنهجي الكافي.
ومن ثم، من المعضلات الكبرى التي واجهها مفكرو السياسة في العالم العربي والإسلامي هو سعيهم القوي إلى تحقيق مطالب التجديد، والجواب عن مستجدات الحياة بواسطة آليات ووسائل منهجية عتيقة، هي نفسها متهمة بالتواطؤ مع التخلف، ومتعايشة معه، فلا تجديد بدون منهج جديد. وسنحاول في القادم من الأيام بحث هذه المعضلة.



