تاريخ المشاعر «history of emotions»، هو مجال من مجالات البحث التاريخي يهتم بالعاطفة الإنسانية، وخاصة الاختلافات بين الثقافات والفترات التاريخية في تجربة المشاعر والتعبير عنها، وقد تبلور ذلك المجال بدءاً من القرن العشرين مع أعمال لوسيان فيفر وبيتر جاي، اللذين طبقا مجموعة من الأساليب المنهجية للتأريخ في هذا السياق. وبالاستعانة بأساليب ذلك المنهج تستكشف الباحثة إيف تينول في كتابها الصادر عن منشورات جامعة كامبردج عام 2023 “Grief and the Shaping of Muslim Communities in North India, c. 1857–1940s” (الحزن وتشكيل المجتمعات المسلمة في شمال الهند) كيف لعبت مشاعر الحزن والألم الجماعي دورًا عميقًا في تشكيل هوية المجتمع المسلم وفي التعبئة السياسية في شمال الهند في أعقاب انتفاضة عام 1857 حتى أربعينيات القرن العشرين. [[1]]
يعد هذا الكتاب بمثابة دراسة للجماليات السياسية، ويكشف عن عالم التأثر والعاطفة المتغير الذي أعيدت صياغة الهوية الإسلامية في الهند الاستعمارية في إطاره، ويستكشف الأشكال العديدة التي مر بها الحزن في مجتمع شمال الهند المسلم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وينسج معًا أسئلة من تاريخ المشاعر والممارسات العاطفية مع قراءة متأنية للشعر، مما يُظهر حساسية نادرة في التعامل مع اللغة.
تبحث تينول في هذا الكتاب بالاستعانة بمجموعة غنية من المصادر الأردية التي تستحضر الماضي، مثل الصحف والسجلات الاستعمارية والكتيبات والروايات والرسائل والمقالات والشعر، في الطرق التي اكتسبت بها الكتابة أهمية خاصة للنخب المسلمة في شمال الهند خلال هذه الفترة. وعبر الكشف عن حلقات مختلفة في تاريخ الهند البريطانية كقصص قصيرة، تسلط تينول الضوء على تعدد الأساليب العاطفية وأعمال الذاكرة وطبيعتها المثيرة للجدل.
ويوضح الكتاب كيف لعب الحزن دورًا مهمًا كأداة استباقية في خلق التضامن، وهو ما يعمق بدوره فهمنا للديناميكيات وراء العمل الجماعي في المجتمع المسلم في شمال الهند في الحقبة الاستعمارية.
تستخدم تينول منهجيات التحليل الأدبي، لاستكشاف كيف ولماذا استحضرت نخبة المسلمين في شمال الهند الحزن والمفاهيم ذات الصلة أثناء الحكم البريطاني (1858 – 1947)، وتقدم ترجمات وتحليلات على نطاق واسع الشعر باللغة الأردية، إلى جانب التعليق النثري أحيانًا المنشور في الصحف والمجلات الحزبية في تلك الفترة. كما تنظر في المذكرات الرومانسية المطبوعة باللغة الأردية، وكذلك بعض الرسائل غير المنشورة والمخطوطات الأخرى التي كتبها رجال ونساء مسلمون من النخبة والطبقة المتوسطة. وتلقي المؤلفة الضوء على ذلك المصطلح المشترك متعدد المعاني باللغتين العربية والأردية للحزن وهو (الغم)، والذي يحمل دلالات متعددة في الأردية، من بينها: الحزن الجماعي، والحنين المستسلم اليائس، والرثاء على مجد الماضي الضائع وغير القابل للاسترداد، والتطلع إلى الفداء أو الاسترداد، والألم الجسدي أو العاطفي، من بين أطياف دلالية أخرى. [[2]]
استناداً إلى النهج النظري المتطور لتاريخ المشاعر، تمكنت تينول من التعامل مع ذلك الحزن على الماضي المتخيل باعتباره عاطفة متغيرة وقوية، وهي العاطفة التي أدت إلى تجربة ثقافية مشتركة عملت كحافز للانتماء، وفي بعض الأحيان، كدعوة إلى العمل. وتوضح أن ذلك المصطلح الأردي المشار إليه أعلاه الذي يعبر عن الحزن والذي يظهر أكثر في المصادر، يشكل جوهر شبكات دلالية متعددة تشير بشكل مختلف إلى استدعاءات مترابطة لمشاعر مثل المعاناة، والشوق، والعزلة، واليأس، وحتى إشباع الحنين إلى الماضي. ويحتل الشعر مركز الصدارة في هذا التحليل، الذي تقدمه تينول. وبعض هذه المصادر تعد مراجع مألوفة، وبعضها جديد في مجال دراسات اللغة الإنجليزية. وجميعها أعيدت قراءتها بأسئلة ومنظورات جديدة. [[3]]
نشير ختامًا إلى أن المؤلفة إيف تينول هي باحثة بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في باريس، وزميلة في معهد الدراسات الآسيوية في مرسيليا.
[[1]]https://www.cambridge.org/eg/universitypress/subjects/history/south-asian-history/grief-and-shaping-muslim-communities-north-india-c-18571940s?format=PB&isbn=9781009297677
[[2]]https://direct.mit.edu/jinh/article-abstract/54/4/540/122376/Grief-and-the-Shaping-of-Muslim-Communities-in?redirectedFrom=fulltext
[[3]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/35/3/431/7691300



