يقدم هذا المقال الخطوتين الأساسيتين المساعدتين على تحقيق “نقلة نوعية” في الثقافة العربية بما هي الفضاء التفاعلي بين إنتاج النصوص وتلقيها كُتابا وقراء؛ الأولى متعلقة بتخلص المنتج والمتلقي من “منطق التعليم” العمودي إلى “منطق المرافقة” الأفقي، المتخلص من الفوقية والإملائية في الفكر، حيث السمة الأساسية للتحول المطلوب تتمثل في ضرورة استبدال التصريح بالتلميح في الخطاب الفكري، بما يساعد الكاتب على الابتعاد عن التلقينية الفجة ويعين القارئ على الابتعاد عن التلقي السلبي.
فالتلميح أسلوب يعين على إخلاء المسافة بين الكاتب والمكتوب أولا، وبين القارئ والمقروء ثانيا، إذ سيغدو بذلك النص ضربا من الحوار المفتوح متعدد الأبعاد، يحاور فيه الكاتب ذاته وقارئه، ويحاور فيه القارئ ذاته وكاتبه، فيغدو الفكر إبداعا واجتهادا بحق، لا تعليما تلقينيا جافا، وذلك عندما ينقدح بين الكتاب والقراء فضاء تأويلي قد لا يمكننا تصور حجم ثمراته الإيجابية عندما يتكثف بفضل الطريقة التلميحية التي سيتولد عنها بالضرورة تفكير نسقي يمكّن المنتج والمتلقي من الاقتدار على الرؤية الشاملة التي تتجاوز النظر الذري الذي لم يبرح فقه الأجزاء والجزئيات، الأمر الذي سيعين على تحقيق “النقلة النوعية” التي هي في الجوهر عبارة عن تحول جذري في الهابيتوس النفس-معرفي داخل الفضاء الفكري يصل درجة تجعل من الفاعلَين الأساسيين في الثقافة العربية: المنتج والمتلقي يشعران بأنهما منتجان للمعنى بحق، يتصرفان فيه بوصفهما الفاعلين المسؤولين عن علاج وإصلاح التكوينية النفسية والذهنية للمجتمع بعامة، لقدرتهما على تحويل المعنى الغفل إلى معنى مدرك يمكن التصرف فيه علاجا للعليل منه وتعميما للقويم منه.
أما الخطوة الثانية بعد ذلك، والتي يفترض أن تكون نتيجة حتمية عن التحول الأول، وهي تحرير الكاتب والقارئ من انكفائيتهما، التي تقوم على محورية “الرغبة الشخصية” لكليهما، فالمتلقي يرغب في أن يستقي من الكاتب ما يميل إليه، والمنتج يفرض على المتلقي ما يرغب ويميل إليه، دون شعور بالحاجة إلى الاحتكام إلى “مشروع عام” معلن وواضح المعالم ذو معايير موضوعية، يكون الارتباط بالنسغ الحضاري الذاتي سمته الرئيسة.
وذلك لكون الاستتباع المتبادل بين منتج الخطاب والمتلقي، إنما ناتج عن تبعية أعلى منهما، تبعية إلى فكرة مشتركة غير معلنة ولا واعية قابعة في لاشعور المتلقي، هي فكرة “اللحاق بالركب” التي هي سليلة فكرة “التقدم الأصم” بوصفه النموذج المعرفي المؤسس للهابيتوس النفس-معرفي الغربي، فكرة التقدم التي تفتقد إلى معلم عمودي يتقاطع مع خط التقدم الأفقي في الزمن، هذا المعلم العمودي الذي ينبع من الوجود “المفارق-المحايث”، يتسم بأنه “تام الصياغة” ونهائي في مضامينه التوجيهية العامة، يرتكز كضوء في المسار الجماعي العام للأمة، بما هو “الفعل المؤسس” كما سيأتي في هذا المقال.
1. في تحول وضع المتلقي من الانجذاب إلى الاشعاع
سيتيح الانتقال من وضع “البؤر الجاذبة” إلى وضع “الضوء المشع” حالة إمكان تحقيق نقلة نوعية في الثقافة العربية، وذلك لما سيؤدي إليه الوضع البديل الجديد من وعي محدث لمعنى ومكانة المحاولات والمساهمات التي يقدّمها المجتهدون على اختلاف مشاربهم، وذلك لكونهم سيحيطون المتلقي العربي بالتنوير الذي يطلبه هو، لا الذي يطلبه منه المجتهدون، وهذا يعني إعادة تأسيس العلاقة بين المنتج والمتلقي، فيكون الأخير هو الحكم، الذي تعود إليه مسؤولية التخلص من “قابلية” الانسياق والانزلاق نحو البؤر الجاذبة.
ذلك أن المطلوب من المتلقي امتلاك الثقة التي تجعله يصمد أمام الجواذب العالقة في متون ونصوص المجتهد العربي، وعليه فالمعول من المتلقي العربي هو تغيير “منطق التلقي” ليكون منطقا نقديا، فيمتلك المصفاة التي تعينه على غربلة المتن الاجتهادي من بقايا ورواسب “الجذب” الشخصاني، فيحولها -بفضل استحضاره الدائم لمنطق الضوء المشع- بعد الغربلة لتصير أفكارا ذات بعد موضوعي.
بهذا تصبح النصوص والمتون المبدعة صامدة بقدر ما تتمتع به من “عالم أفكار” وابتعادها عن “عالم الأشخاص”، حيث رواج الأخير يعود إلى علّة التعلق الطفولي بالآباء والأشياء لدى القارئ، كما قد يعمد المنتج أحيانا إلى توظيف “عالم الأشياء” الذي يفقهه المتلقي جيدا يخاطب غريزته بما يركسه ولا يحرره، حيث الأخير هو أخطر من الذي يتعلق طفوليا بعالم الأشخاص، ذلك أن الثاني يتخذ من عالم الأفكار الذي هو الوجه الآخر لـ”الحقيقة الموضوعية” مصدر تربّح مصلحي رمزيا كان أو ماديا، فتضيع الحقيقة الموضوعية بين العوالم الثلاث.
لذلك فإن تمسك القارئ بـ”عالم رابع” يتجاوز العوالم الثلاث الأولى: الأشخاص والأشياء والأفكار، سيكون هو النبع الذي منه تصدر العوالم الثلاث، وإليه تؤول نهاية، سيكون العالم الرابع المحرر للمتلقي العربي من تلاعب المنتج بعقله، إذ يعين هذا العالم الرابع المتلقي على اكتساب منطق نقدي يجعل منه “سيدا” على المجتهد.
وعليه، يبقى أن المطلوب من القارئ التحول من وضع التبعية إلى وضع السيادة، وتحديدا في مسألة “الوضوح المنهجي”، أعني أن يتحول القارئ إلى باحث عن التعليل الدقيق من الاستنباطات التي يصلها المجتهد، دون النزول إلى درك مناقشة المسلمات التي تتفق عليها الجماعة العلمية إلا ببرهان، يبقى هذا كلاما شكليا في الكليات، يتطلب تطبيقات عملية على إمكان إخضاع أي اجتهاد لغربلة مسألة الوضوح، وحسبي أن أشير هنا إلى ما يمكن أن يكون فكرة عامة يستطيع القارئ الاجتهاد في إسقاطها على المثال الذي يشاء، (إذ هنا يتواشج الشكل المنهجي بالمضمون النظري).
فضلا عن مسألة مركزية تتعلق بـ”الوعي اللانسقي” العاجز عن لملمة الجزئيات لتكوين النظرة الكلية العامة وتأسيس أحكام الخطأ والصواب على ذات الأساس “الموضوعي” النابع من عالم الأفكار، لأن مشكلة المشاكل -ومبدأ الانزلاق السفسطائي في المعرفة- يكمن في عدم القدرة على تحقيق الوعي النسقي التام، بما هو فقدان لمعايير الموضوعية التي ليست مجرد منهج حصاة تجريبي أجنبي بقدر ما هو قدرة على اختزال ظاهراتي هو عين الاستمهاء الذي هو الوجه التقريبي الآخر لمفهوم الألباب القرآني..
2. الرؤية النقدية الإسلامية من الهامش إلى المركز
سيؤدي تركيز الجهد نحو تحويل “الوضع الهامشي” للفكر النقدي الإسلامي لإحلاله في “المركز” إلى قلب شامل لكل “الهابيتوس” السيكو-معرفي في المجال الثقافي العربي، ذلك أن غياب هذا الهدف جعل من الممارسة الفكرية والأكاديمية العربيين ضربا من العمل الفردي المنقطع عن سياقه التاريخي والاجتماعي، وأن الجهد العلمي بحثيا كان أو تعليميا لم يعد يخرج من أحد نطاقين:
- نطاق الأداء البحثي أو التعليمي الجيد بمنطق “إبراء الذمة” أمام الله والتاريخ، وفقا لأضعف الإيمان والرضى بالقليل بمنطق لو عمل كل الناس مثله لاستقام الحال.
- أو نطاق السعي للتأثير بما جادت به القريحة الابداعية بشكل منفرد، فيكون المبدع حينها، أشبه بالدونكيخوت الذي يصارع الطواحين، وهو يسبح في سديم جارف لا نفع فيها للرؤية التبشيرية النبوية المفردة.
ذلك ما جعل من الجهد والاجتهاد العلمي غير قادر على مواجهة السيل التاريخي والنسقي الجارف الذي انحط بالاشتغال الأكاديمي والفكري دركا يعسر انتشاله منه بمجرد الجهود الفردية مهما كانت مجدة أو مبدعة، حد الاستحالة، فالعلة بالطبع ليست شكلية فحسب، وهي في جزء منها كذلك، أعني ما يتعلق بصانع القرار التربوي والتعليمي في الوطن العربي المتراوح بين التبعية وعدم الأهلية في اعتماد سياسات تربوية وتعليمية مساعدة على استعادة الإنسان العربي لسويته النفسية والفكرية، إنما هي أيضا متعلقة بالصورة النموذجية المؤسسة للممارسة العلمية التي تكلّست على فكرة “اللحاق بالركب” التي تجعل الغاية شبه مستحيلة، ذلك أنها تحمل بذرة استحالتها في ذاتها عندما تعتقد أن الأمر متعلق بمجرد اللحاق.
لذلك فإن تحول الرؤية من مجرد اللحاق اللاهث وراء السراب، إلى رؤية إصلاحية تتعلق بإعادة النظر في الغاية التي درج عليها الجميع وهي “الاندراج” في السياق العلمي والأكاديمي السائد وأنه لا فارق إلا في الهيكلة والتراكم، بينما الأمر متعلق أولا بالتصالح مع “الذات” عبر استنطاق إنيتها أولا ومكنوناتها ثانيا.
إنّياً، يتعلق الأمر بـمحورية “الفعل المؤسس” لحضارتنا، والذي يعد “تامّا” منذ بدايته، وأن ما يحصل بعده إلا السعي لإدراك فحواه ومعانيه ومغازيه بقدر مستطاع كل جيل، وهو يعد كاف لأي استئناف ممكن للمسيرة العلمية، لأن الارتباط به وبدلالاته سيجعل من إنسانه خلقا آخر في الجهد والنشاط الدؤوب والمستمر عملا لأجل الغاية.
وإن مجرّد القول بأن خط الاستئناف لا يتعلق بلهاث وتقدّم إلى الأمام، هو ضرب من التحرر من فكرة “التقدّم” و”التطور” التي أسرت بالوعي أو بالغفلة الإنسان المسلم، فاستهوته فكرة التقدم الأعمى، ذلك أنها النهاية الحتمية لمقولات “العقل الوضعي” التي تتصور “العقل” كافيا لوحده لمواجهة التحديات الطبيعية والتاريخية، التي واجهته والتي ستواجهه، بينما تشير أبسط الدلائل إلى فشله الذريع في ذلك.
وعليه كان على “العقل المسلم” أن يحين النظر من رؤية خطية -ورؤية حلزونية كانت البديل النيتشوي الفاشل أيضا- إلى رؤية تناظرية تجعل من لحظة “الفعل المؤسس”، التي هي لحظة من الماضي بالنسبة لنا، لكنها راهنة ومستقبلية باعتبار مكنوناتها، فهي غاية لذاتها نعمل العقل في استثمار كنوزها بمنطق عدم النفاذ الوارد في آية المداد (الكهف 109).
- فالإنية من خلال الآية هي معنى “عدم نفاذ الكلمات الإلهية” و”المدد المدادي” المضاعف، كثروة متاحة وكنز موجود بالقوة.
- أما المكنونات فهي مهمة العقل البشري في استخراجها نظرا، واستثمارها عملا بتحويل الثروة والكنوز إلى التحقق الفعلي في التاريخ.
وعليه فإن لهذا التصور التناظري عائد سيكو-معرفي انقلابي وهائل للعقل المسلم بعامة سيؤدي إلى تحول جذري في الهابيتوس الخاص بالمجال العربي، أولا، باعتباره مجال اكتشاف الفكر النقدي، بما هو حنيفية محدثة مركّبة، ثم العالم الإسلامي، باعتباره المعني بكل هذا التحول، ثم كونيا باعتبار إشعاعه الذي سيطال العالم كله.
وأخيرا فإن استحالة التطور إلى تناظر، سيجعل العمل البحثي في العالمين العربي والإسلامي، فكريا وأكاديميا، يصب في غاية واحدة على اختلاف المشارب الثقافية لعوالم الإسلام واختلاف الحوادس الفردية بحسب كل باحث، هي غاية التحول من وهم الاعتقاد بإمكان البناء والتأسيس استنادا إلى العمل الفردي المقطوع والمنقطع إلى العمل الجماعي الموصول والمتصل، بما هو عمل أمة، كما بينته في المبحث السابق عن “وضع المتلقي”.
3. دلالات “براديغم التمام” البديل، وحدوده
تقتضي فكرة تحويل الوضع الهامشي للفكر النقدي الإسلامي إلى الوضع المركزي، التخلص من فكرة اللحاق بركب التقدم الغربي، واستعاضتها بفكرة “الاشتغال في التمام” القائمة على الاستثمار في الفعل المؤسس لحضارتنا، ولما كان التفصيل في إيضاح دلالة “الاشتغال في التمام” يقتضي التفصيل أولا في “فكرة التقدم” الغربية، كان علي البحث في تاريخ ودلالات فكرة التقدم أولا، ومن جميل الصدف أن البحث أفضى بي إلى مقال لأبي يعرب عن الموضوع بعنوان “تقدم التاريخ كوريث لانحطاط الحضارات”، نسجه بطريقة تأريخية على غير المعهود، قدم فيه الخلاصة البدئية الكافية في تاريخ فكرة التقدم في الفكر الغربي من عصر الأنوار إلى المرحلة الراهنة، وهو ما سأعرض له بالتفصيل في بداية هذا المقال قبل أن أنتقل إلى عرض فكرتي عن دلالات الاشتغال في التمام وكيفياته.
لكن قبل ذلك لابد من بيان المغزى من هذا المقال بالتحديد، أو قل فكرته العامة والرئيسة في آن، ذلك أن الأمر متعلق بالتنبيه إلى ما نحن بصدده بخصوص الانتقال من براديغم التقدم الأعمى إلى براديغم الاشتغال في التمام، ذلك أن فكرة التقدم تستبطن دلالتين رئيستين هما: 1- الاكتفاء بالعقل الإنساني المجرد للبت في كل قضايا الوجود باعتبار أن كل شيء تحت سلطته وأن لا شيء يفارقه، 2- الاكتفاء بمنحى النظر إلى الأمام في خط الزمان باعتبار أن لا شيء محسوم مسبقا، بينما الاشتغال في التمام متخلص من “داء العمى” والذي يتجاوز فكرة التقدم التي آلت بالعقل البشري إلى حضيض “النهايات” و”علامات الساعة”، فهو اشتغال على هدى حضور المفارق للعقل بمعية العقل، والبناء على ما تم حسمه وتحقق تمامه.
- التأريخ اليعربي لفكرة التقدم وتجاوز فكرة الانحطاط:
رأى أبويعرب أن بزوغ “نظرية التقدم” في الفكر الفلسفي والعلمي الغربي التي فتحت أفق الأمل والتفاؤل جاء ردا على الأطروحة الدينية التي أشاعت روحا تشاؤمية في نفوس الناس، بتركيزها على مقولة “الانحطاط والتدهور” الذي يتلو زمن الأنبياء، حيث يغدو زمن النبي نقطة الضوء الوحيدة في التاريخ، أما بقية الأزمنة فليست إلا تاريخا للظلام، وتلك هي صورة التاريخ في الأديان الثلاث. وبفعل تأثير تلك الفكرة الدينية ورث أوروبيو العصور الوسطى فكرة استحالة تجاوز اليونان والرومان في التقدم والرقي الحضاري، وذلك لخضوعهم لتعليم رسخ فيهم أن اليونان مرجعية معرفية لا يرقى إليها الشك، حتى بلغنا مرحلة أصبح فيها الفكر الأوروبي أسير فكر أرسطو مكبلا بمقولاته، حتى أنهم راحوا يقلبون فيما أبهم من تراثه لتأويله بدل الاجتهاد في تأسيس منهج نظر جديد، هكذا أصبح ينظر إلى الزمن وكأنه عدو للمعاصرين، أي كلما تقدم كلما ازداد التدهور.
استمر الحال كذلك، إلى غاية خروج بيكون بـ”الأورغانون الجديد” الذي طرح فيه برنامج عمل محدد خلاصته أن الهدف من المعرفة أولا وأخيرا هو تحسين الحياة الإنسانية وزيادة سعادة الإنسان، وهو ما ألهم ديكارت الذي جعل من الكوجيتو عنوان النظر إلى المستقبل، مؤكدا أن مشروع العلم التقدمي المتفائل الذي حمله إنما يسعى إلى السمو بـ”طبيعة الإنسان” إلى أعلى درجات الكمال، ذلك ما أشاع حسا تمرديا في الفكر والفلسفة، كان من شأنه أن يتعدى المجالات الحياتية الأخرى، خاصة بعد أن أتم فونتال صياغة فكرة التقدم التي راجت بفضل عوامل تاريخية جعلت فكرة التقدم تغزو أوصال المجتمع الأوروبي، ما جعل من العلم يستحيل إلى “قوة حية”، حتى انتهى الأمر إلى شيوع “الإعلاء من قيمة الحياة” وأصبح أي جهد فكري أو عملي مسخر لخدمة الحياة التي اجتاحتها روح علمانية شاملة ختمت بظهور “مذهب المنفعة” الذي يعنى بتحقيق سعادة الإنسان أولا وأخيرا.
هكذا كان مدار “الحراك الفكري” إبان عصر الأنوار قائما على الموازنة بين قدرات المعاصرين بقدرات الأقدمين، وأصبح السؤال في مواجهة التشاؤمية الدينية: هل استنفذت الطبيعة قواها وعجزت عن توليد رجال يضاهون أولئك الذين وهبتهم ذات يوم؟ وهل يمكن أن تكون الطبيعة معينا لا ينضب للقوة والعقل؟
والواضح أن النقاش انتهى بتغلب “فكرة التقدم” بشيوعها في مخيلة الناس وتحولها إلى “أيديولوجيا” رسمية قامت عليها كثير من المجتمعات الأوروبية، وأن فحوى هذا الأيديولوجيا أن الإنسانية -وبعكس الفرد- لا تشيخ أبدا، وأنها دائما رابحة، وأن النضج حالة مستديمة، والتقدم لا نهائي.
إلا أن فكرة التقدم، وبما حققته من مكاسب كبيرة للإنسان الغربي إبان القرون الثلاث (17-19)، وبمرور الزمن انتهى الأمر في القرنين الأخيرين (20-21) إلى أصبحت عقبة كأداء أمام حقوق الإنسان والحريات العامة، وذلك لما حملته فكرة التطور من ترسيخ للمركزية الغربية التي ولدت الغزو والهيمنة الاستعماريين، سواء أكان بين الغربيين أنفسهم (حملات نابليون وأطماع هتلر) أو بين الغربيين وبقية الشعوب (الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية)، فضلا عن الضربات الفكرية المتتالية التي تلقتها فكرة التقدم من طرف كبار مفكري الغرب المعاصرين بداية من نيتشه الفيلسوف الذي ابتدأ هدم فكرة التطور، كما وبانهيار الاتحاد السوفياتي سقطت فكرة التقدم سياسيا، بوصف الاشتراكية حملت لواء الحتمية التاريخية للتقدم نحو يوتوبيا المرحلة المشاعية.
هذا السقوط النسقي لفكرة التقدم أعطى الإشارة لاستعادة فكرة الانحطاط التشاؤمي وبمسحة دينية، تجسد خاصة في تزايد وتكاثر الكتابات حول “نهاية التاريخ”، والتي انساقت الكتابات من بعدها إلى النبوءات الدينية التي تستشرف القيامة ونهاية الكون، وهو ما تزامن مع صعود المحافظين والإنجيليين الجدد، حيث صارت تشرف على تعزيز “فكر النهايات” بإصدار القصص والروايات التي تتحدث عن علامات الساعة والقيامة والترويج لمعركة هرمجدون كما في روايات جيري جنكتر وتيم لاهاي، خاصة بالتزامن مع غزو العراق 2003، حيث كانت تلك الإصدارات من بين الأكثر مبيعا فبلغت أكثر من خمسين مليون نسخة مباعة ما يعني تحولا عميقا في الأيديولوجيا الرسمية والشعبية الغربية من سيطرة فكرة التقدم إلى رواج فكر النهايات الذي هو التعبير المخفف عن فكرة الانحطاط الدينية. انتهى ملخص مقال أبويعرب.
- خطوط عريضة في كيفيات “الاشتغال في التمام“:
كان البديل الغربي عن فكرة التقدم الخطي إلى الأمام، فكرة المسار الحلزوني النيتشوية، المسماة بنظرية العود الأبدي، والتي كانت النقيض الحاد لفكرة التقدم المبدع والمتطور إلى الأمام دائما، لقولها بالتكرار المستمر لكل شيء، وأن لا شيء جديد، والتي كانت في جوهرها استعارة من الفكر الشرقي، الذي أصبحت العودة إليه والاستلهام منه موضة الغربيين في أيامنا، بل إن البراديغم الحيوي في المعرفة الذي يقوم على فكرة المماثلات بين الحياة الإنسانية والحيوانية ليس إلا تعبيرا خفيا عن فكرة النهايات والعود الأبدي.
فنجد مثلا أن رائد فكر النهايات المعاصر فوكوياما، ينطلق في تأريخه للسياسة، من تحليل حياة القرود، فينتهي إلى فكرة “الوحش الخجول” في وصفه للإنسان السياسي، ذلك في استعادة شبه صريحة للفكر الطبيعي، والتأصيل الدؤوب لكل الظواهر البشرية في الأصل الحيواني، وعلى وجاهة الطرح وما فيه من معقولية، تبقى روح “العود الأبدي” تركسها عن الاستهداء بمعلم عمودي في التاريخ مرتبط بالمفارق الذي يحايث يقدم معالم أساسية تخرج الفكر الإنساني من أسر التقدم والتكرار اللانهائيين إلى رحاب النسج على منوال التمام في الكليات والإبداع غير المتناهي في الجزئيات.
ذلك أن الفارق هو أن فكرتي التقدم والعود الأبديين لا يميزان بين الكليات والجزئيات، وأنها في تغير لا نهائي، تقدما أو عودة، لكونهما معا قائمتان على تأليه الإنسان ومركزيته من خلال إحلال الإنسان مكانة الله وإحلال الله مكانة الإنسان، بينما الاشتغال في التمام يقوم على المحسوم المفارق والمحسوم المحايث، ذلك أن المحسوم المفارق متعلق بالثوابت الماورائية من قبيل الوجود الإلهي وصفاته، وختم الوحي ومدلولاته، أما المحسوم المحايث فمتعلق بالثوابت الطبيعية من قبيل الأثر السببي لعناصر الوجود في بعضها، ومبادئ المنطق العقلي وثباتها.
وعليه فإن مشكلة الفكر الغربي العميقة تتعلق بعدم الشعور بالحاجة إلى المفارق، سواء كان خطي التقدم أم أبدي التكرر، بما هو غياب للمعلم العمودي المعين على تشكيل التعامد والتجانس، الذي يمكن من خلاله قيس عناصر الوجود البشري الأساسية الأربعة: الأخلاق، القانون، الوجود والمعرفة، فكيف ذلك؟
لقد تجسد المعلم العمودي المفترض في “فعل مؤسس” بما هو تدخل للذات المفارقة في لحظة من لحظات التاريخ ليترك أثرا ممتدا إلى غاية اللحظة، فهو الوحي الخاتم للوحي الذي خصت به مرحلة تاريخية محدد ورقعة جغرافية مخصوصة، فعل نتجت عنه تأثيرات وتداعيات استحالت لتصير محركا خفيا لسيرورة التاريخ يتجاوز قدرات البشر على الهيمنة والسيطرة عليه، فكان إذن تدخل من طبيعة خاصة تجسد في الوحي النازل عبر وسيط ما بعد طبيعي ليلقي عقيدة وشريعة تامين على شخص النبي، كانت جماع مصبات التاريخين الروحي والطبيعي، ليقوم النبي بمهمة إنفاذ التوجيه التكليفي بطريقة يصبح فيها على امتداد التاريخ من بعده تكليفا عينيا لكل مؤمن به، فأصبح المفارق بفضل تلك اللحظة محايثا:
- فهو يفارق الوجود من حيث طبيعته التي بلغت “الكمال” في ذاتها والمختلفة عن الطبيعة الحسية للإنسان (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)، له يخضع كل شيء وإليه يتضرع كل بشر، ومفارق أيضا من حيث زمانيته المفارقة (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون).
- وهو يحايث الوجود من حيث شريعته التي بلغت “التمام” في التاريخ، بفضل النموذج النبوي الذي أضحى المثال في الأخلاق (وإنك لعل خلق عظيم)، إليه يرتقي كل من بعده بوصفه الأكمل خلقيا، ومحايث أيضا للوجود من حيث “تمام” الرسالة بصياغة الشريعة بوصفها القانون الأساسي المنظم للعلاقات بين الناس (اليوم أكملت لكم دينكم).
فالتمام الذي حصل إذن في المحايثة خلقي وقانوني، أما التمام الذي حصل من حيث المفارقة فهو وجودي معرفي.
لذلك فإن تمام الفعل المؤسس إنما حصل في المجالات الأربع كما يلي:
- الوجود: نموذجه الطبيعة التامة، وهو تمام فعلي محايث ومحاكاته ممكنة لكن لا تكتمل
- المعرفة: نموذجه العقل الكامل، وهو تمام صوري مفارق ومحاكاته ممكنة لكن لا تكتمل
- الأخلاق: نموذجه الرسول الأكرم، وهو تمام فعلي محايث ومحاكاته ممكنة لكن لا تكتمل
- القانون: نموذجه الشريعة السمحة، وهو تمام صوري مفارق ومحاكاته ممكنة لكن لا تكتمل
أولا: في المسألة الوجودية والمعرفية، وصف الله الوارد في الوحي، باعتباره وصفا للذات الإلهية لنفسها، فهو تقرير لصفات الله، لا وصف للذات الإلهية التي تتمنع عن التجلي، أ- نصا (ليس كمثله شيء)، وفعلا (دك الجبل وصعق موسى)، فهو وصف حدي للذات الإلهية أحدهما صوري مفارق عقديا، والثاني فعلي محايث شريعيا، فهو ضبط للحد المابعدي للوجود الطبيعي (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) والعلم الإلهي (ولا يحيطون بشي من علمه) بوصفه النهاية والتمام في المعرفة التي لن يجدي البحث فيما بعدها إلا الغنوص والباطنية، وأن الأمر متعلق بإخبار بوجود لا متناه تام، يزاول بجهد التعقل السببي المتسائل:
أ- وجود وجودي هو الكون الطبيعي اللانهائي.
ب- وجود معرفي متعلق بالعلم الإلهي المحيط.
ثانيا: في المسألة الخلقية والقانونية، وصف الوحي للوحي في الوحي، باعتباره وصف الذات الإلهية للوحي، فهو تقرير لصفات الوحي، لا وصف لماهية الوحي التي تتمنع عن التعريف، أ- وصفا (ما فرطنا في الكتاب من شيء)، ب- فعلا (استهداء الإله للقرب من تلمس معاني الوحي)، فهو وصف حدي لماهية الوحي، الأول صوري عقديا، والثاني فعلي محايث شريعيا، فهو ضبط للحد المابعدي للوجود الشريعي (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) والعمل الإنساني (لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا)، بوصفه النهاية والتمام في الأخلاق التي لن تجدي معها أية محاولة خلقية تختلف عنها إلا التعدي والظلم، وأن الأمر متعلق بالإخبار بوجود قانون متناه تام يزاول بالجهد الروحي العملي التسليمي:
أ- وجود خلقي تاريخي جسده النبي محمد إبان حياته.
ب- وجود قانوني مبثوث في نص الوحي إبان نزوله.
ذلك هو التمام الحاصل الذي لا يقولب ولا يعلب، لا التجربة التاريخية الجماعية، ولا التجربة الوجودية الفردية، بقدر ما يضع لها الحدود لئلا تتيه أو تزيغ، وأن الحاصل الراهن كونيا على مستوى المجالات الأربع هو أحوج ما يكون إلى هذا التأطير الوجودي والقيمي، ذلك أن غاية ما يحصل كونيا على المستويين الفكري: علميا وفلسفيا والفعلي: سياسيا وأخلاقيا، هو البحث عن شاطئ أمان يرسو فيه البحث العلمي والسلوك العملي، فالحاجة ليست إلى تكوثر عقلي وعملي، بقدر إلحاح الحاجة إلى تأطير عقلي وعملي، تأطير يتجاوز التنافس الأفقي حول حيازة واحتكار مقومي الوجود والقيم والهيمنة عليهما، إلى التوافق العمودي على مصدرية المقومين باعتباره مصدر متعال عن الصراع الأيديولوجي، لكون مصدريته مفارقة صوريا ومحايثة فعليا، فهو استخلاف بديل عن مناكفات الأيديولوجيات البشرية، وأن ذلك لا يوجد في غير حضارة الإسلام، وأن عليها مسؤولية بيان حيازة الوصفة أولا، وبسط سلطانها بالشوكة عند الحاجة ثانيا. ذلك ما كان علي بيانه.



