عندما ننظر إلى خريطة العالم اليوم سنجد حشدًا متنوعًا من الدول القومية. لكن ليست هذه الدول هي المكان الذي توجد فيه القوة الحقيقية المؤثرة في تشكيل وصناعة واقعنا الراهن. فمنذ تسعينيات القرن العشرين فصاعدًا، مزقت العولمة الخريطة، وأدت إلى نشوء كيانات قانونية جديدة مثل: الملاذات الضريبية، والموانئ الحرة، والدول المدن (كسنغافورة)، والجيوب المغلقة، والمناطق الاقتصادية الخاصة. وقد تحررت هذه المساحات الجديدة من الأشكال العادية للتنظيم والضرائب والالتزام المتبادل. ويعتقد المنادون بالرأسمالية المتطرفة أنه من الممكن الهروب مع هذه الكيانات الجديدة من قيود الحكومة والرقابة الديمقراطية تمامًا. [[1]]
في كتابه المنشور باللغة الانجليزية في شهر أبريل / نيسان من العام الجاري 2024 تحت عنوان “Crack-Up Capitalism Market Radicals and the Dream of a World Without Democracy” “الرأسمالية المتصدعة: الراديكاليون في السوق وحلم عالم بلا ديمقراطية” (دار متروبوليتان للنشر) يتتبع المؤرخ كوين سلوبوديان أفكار مجموعة من أشهر دعاة الرأسمالية الراديكاليين مثل عالم الاقتصاد الأمريكي ميلتون فريدمان وهم يبحثون عن الموطن المثالي المتخيل عن السوق الحرة، وتأثير أفكارهم الذي امتد من ليختنشتاين في وسط أوروبا إلى الصومال، وإلى جنوب أفريقيا في أواخر أيام نظام الفصل العنصري، ومن هونج كونج إلى وادي السيليكون. ويرجع سلوبوديان كذلك في الزمن إلى الوراء إلى نماذج أقدم مثل الجنوب الكونفدرالي الجديد في الولايات المتحدة عشية الحرب الأهلية، وإلى مدينة لندن في العصور الوسطى؛ ليرسم المؤلف بنهاية المطاف الخريطة التاريخية لذلك السعي الدؤوب نحو فصل الرأسمالية عن الديمقراطية في أماكن مختلفة من العالم.
يدعونا سلوبوديان الذي يأخذنا في هذا الكتاب في رحلة عبر تلك المجتمعات المسورة والدول الفاشلة في العالم الرأسمالي اليوم، إلى تخيل مستقبل حول فيه الأثرياء العمال إلى طبقة من الخدم يمكن التخلص منهم، واشتروا دولًا بأكملها بشكل مباشر. ويوضح في هذا السياق كيف تعمل المناطق والجزر والدول الصغيرة والمجتمعات المسورة والعوالم السيبرانية على إعادة تشكيل كوكبنا اليوم. ويحذر سلوبوديان من أن المحتالين في العالم الليبرالي والرأسمالي الفوضوي باتوا أقرب الآن إلى تحقيق خيالاتهم تلك مما قد نتصور، ويدعو لتضافر عمل جماعي للحفاظ على الديمقراطية كما نعرفها وتوسيعها بشكل أكبر.
ولعل هذا الكتاب بمثابة تصحيح تاريخي للأساطير والأوهام التي سمحت بتقديم ديستوبيا مثل “دبي” كنماذج عالمية كي يتعلم منها الآخرون. كما يكشف كذلك عن الغطرسة المطلقة التي يتسم بها الدعاة الراديكاليون لحرية السوق الذين سعوا إلى تحرير الرأسمالية من الديمقراطية من خلال سعيهم الحثيث إلى تغيير الجغرافيا السياسية للعالم المعاصر، وإلى نقل القيمة الاقتصادية من الوجود المادي الملموس والحقيقي إلى فقاعات الفضاء الافتراضي في العالم السيبراني.
نشير ختامًا إلى أن مؤلف الكتاب كوين سلوبوديان هو مؤرخ وأستاذ لتاريخ الأفكار في كلية ويلسلي بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية وهو مؤلف كتاب “العولميون: نهاية الإمبراطورية وميلاد الليبرالية الجديدة”؛ وله العديد من المقالات المنشورة في الصحف والدوريات الغربية البارزة مثل صحيفة الغارديان، ونيويورك تايمز، ومجلة فورين بوليسي، وذا نيشن، ونيو ستيتسمان.
[[1]]https://www.penguin.co.uk/books/316685/crack-up-capitalism-by-slobodian-quinn/9780141993768



