ظاهرة سوء استخدام اللغة في النصوص والكتابة، والتي جعل منها الاستبداد العربي وسيلة لإخفاء مضمون الكلام، أمر يحتاج منا الخلاص من نصوص الرياء والكذب والتظاهر الفارغ، فحتى في وجه الحرب الدينية التي تعلن كذلك نجد من يقول عكس الواقع، ويلقي بكلام كثير تافه ساقط المعنى، ليقول إنه قال وهو لم يقل شيئًا إلا غثاء، لم يقل كلامًا صريحًا ولا مفهومًا. ولو اقتربنا من لغة القرآن التي هي حجتنا في اللغة نجد الحق الصريح بلا مواربة، هل قرأتم سورة نون وواجهتم قوله تعالى في وصف أحد المجرمين: (فلا تطع المكذبين* ودوا لو تدهن فيدهنون* ولا تطع كل حلاف مهين* هماز مشاء بنميم* مناع للخير معتد أثيم* عتل بعد ذلك زنيم* أن كان ذا مال وبنين*)، فقد صبت اللوم على المدهنين المنافقين المتزلفين، الذين يتمنون لو نافق الناس كلهم وداهنوا، فنهي النبي عن طريقتهم، وحذرت الآية من خلقهم ومن مداهنتهم، ثم جاء الوصف القاصم بعدها. في زمننا يحتاج الصادقون إلى لغة الصدق، أما الجبناء والمنافقون فلا مجال لاحترام كلماتهم ولا اعتبار عباراتهم، ولا أي شيء يقولونه أو يكتبونه، فهم ركن من أركان الهزيمة والفشل، ويريدون إقناعنا بفشلهم من خلال لغة الرياء والدونية السائدة.
سبق أن عملت مديرًا للنشر في دار نشر شهيرة، يعرض للنشر بها آلاف الكتب سنويًّا، وهناك لاحظت أزمة المثقفين العرب في التعبير عن أفكارهم، حتى لكنت أعرف النص الذي يكتبه سوري أو عراقي كان يعيش وقتها تحت استبداد البعث في العراق أو الشام، فيستخدم الكلمات قناعًا يواري به أفكاره، لا وسيلة للتعبير عنها كما هو متوقع في كتاب، فيكثر من الكلمات التي تحجب مراده، مما سبب وجود نصوص كثيرة جدًّا غير صريحة ومكبوتة، ووصل الأمر ببعضهم أن أخفوا آراءهم حتي لا يكادوا يفهمون هم ما يكتبونه، وكنت أعذرهم على إخفاء أنفسهم ولكن لا أعذرهم على الكتابة المتقنعة، ومن المؤسف أن غالبهم كانوا لا يعرفون مصيبتهم.
ويبدو لي أن لغة الجبن التي تسيطر على السياسيين والإعلاميين غلبت على ألسنة المجتمع عمومًا، حتى سادت للأسف ولم تعد مستنكرة، فأصبحنا نخفي مرادنا كما يخفي طغاتنا مواقفهم عنا، فننافقهم وينافقوننا بلغة مريضة عليلة غائبة عن الواقع، وهي لغة من لوازم المجتمعات الذليلة، والأسوأ من ذلك سيطرة الطغاة على اللسان. مرة ذكر لي الدكتور رافل ظافر أنه رتب زمن صدام لقاءً بأخته، إذ ما كان الطاغية يسمح له بالذهاب إلى بلده التي غاب عنها زمنًا طويلًا، والتقيا في دولة مجاورة للعراق وخرجت للقائه. يقول مستغربًا للغتها إنها كانت إذا ذكرت صدام تقول: “السيد الرئيس لعنه الله”! لقد اغتصب الاستبداد أذنها ولسانها فتبدأ بمدحه، كما كانت تسمع، ثم تُعقّب هي بموقفها منه في النصف الثاني من الجملة، فليس لها اختيار في القسم الأول فقد غُلبت عليه، ولم يأت اختيارها إلا بعد ذلك! تلك السيدة نعذرها ونقدر حالها، ولكن العيب على الذي لا يتنبه للسانه، ولا ينتقد وعيه، ولا يلاحظ مصادرة لغته وفكرته. إن مدرسة الجبناء الثقافية المعاصرة لا ترقى إلى قولها؛ فهي على الأقل تنبهت لما وقعت فيه وصححت قولها، وإن كررت الخطأ فقد كانت تكرر التصويب.
إن كثيرًا من مثقفينا وصحفيينا لا تجد في كلامهم إلا ألفاظًا ذليلة باردة منزوعة الدسم، كما يقولون، تكتب نصوصًا تملقية خداجًا قبل أن يخرجوها للعلن، ثم يتخيلون أنهم قالوا شيئًا، بل بعضهم يرى نفسه قد ساهم في التوعية والتنوير، وهو لم يقل إلا ظلمات لغوية غارقة في ظلمات الفكرة. أما تبرؤ الصرحاء من كتاباتهم فهي ظاهرة لا أقول يمارسونها هم فقط، بل كثيرون يرون ذلك مخرجًا، وقد مارستها أنا في زمن مضى، وكتبت ونشرت نصوصًا عديدة بغير اسمي، سواء على شكل كتاب أو مقالة، كانت تخرج بأسماء مختلفة، فإذا عبرت الكتب بصراحة عن حقيقة فلا بأس، مع أن هذا مسلك ضعيف؛ إلا إذا اشتهر به كاتب محدد، كما فعل لينين وفولتير، فليست هذه أسماءهم الحقيقية، وكان الخوف على أنفسهم في بلادهم صرفهم عن استعمال أسمائهم الصريحة في البدء، فكتبوا هكذا ثم عُرفوا بتلك الأسماء القلمية وكشفوا واستمروا. أما في بيئتنا فالكاتب الصريح قد يتبرأ من موقفه ومن كتبه ومن اسمه. ولعل من طريف ما قابلت أن أحدهم، وكان بيننا لقاءات وأحاديث وإن لم تصل إلى حد الصراحة، نشر كتابًا ساخرًا بخداع حكومته المرائي التظليلي للناس، فأراد أن يقدم لي الكتاب، فما كان منه إلا أن يهدي الكتاب ثم يمتدحه عدة مرات ويسأل عن رأيي فيه، ولم يكن يستطيع أن يعلن لي أنه هو الذي كتبه، وقد فهمت من الأسلوب ومن الشخص أن النص له، ولا أستطيع حتى اليوم الجزم بما توقعت، لا ذلك الوقت ولا الآن، ولا أشك أنه حزين على ضياع عمله، فلا يعرفه أحد كغيره ممن نشروا كتبًا أشبه بحال أبناء الزنا في المجتمعات المحافظة يُعطف عليها ولا يُعترف بها.
وعند المشايخ إغراق أحيانًا في الحديث بالكتابات الرمزية والاستخدام المفرط لحديث الرسول (ص): “ما بال أقوام يقولون كذا وكذا”[1]. فإذا كان الرسول صلي الله عليه وسلم قد كنّى مرة لحاجة ولأسباب فردية فهذه ليست لغته العامة ولا هي لغة القرآن، بل استثناء لحاجة، فما بال هؤلاء يعممونها على لغتهم، بل على دينهم، ويعتذرون بهذا الأسلوب عن قول الحقيقة، وعن صدم الباطل بوصفه الصحيح، وهذه من طرائق المبتدعة، يعظّمون الصغير ويصغّرون العظيم من الشرع، ولماذا تكون لغتهم رموزًا لا قيمة لها؟ إني أعذر من يعيش تحت نظم إرهابية، إذ اللائق بهم الصمت إن لم يستطيعوا قول الحق، ولا أعذر سواهم ممن هيمنت عليه المخاوف من القول الصريح، فأكثروا من المجمجة واللجلجة بلا فائدة، هؤلاء أقول لهم: اصمتوا لا تكثروا من اللغط المفسد لجو الثقافة، والمميت للمعرفة. لا يحتاج الناس رمزياتكم التي تدخل في سياق مصطلحكم الذي أوغلتم في استعماله، حتى أضعفتم غايته “الإعذار” الذي تعودتم عليه، للخلاص من اللوم العام أو من المسؤولية أصلًا؛ إذ يتوهمون أنهم بالإعذار قد قالوا حقًّا أو عملوا بواجب.
وقد لاحظ أحدهم قدرة اللغة العربية على ستر محتوى ما يراد قوله، وغالبًا بألفاظ دينية. يقول المستشرق الفرنسي جاك بيرك: “إن اللغة العربية التي تقود كل كلمة فيها إلى الله، قد جرى تصورها لتخفي الواقع، وليس لاكتناهه”[2]. هذه الملاحظة قد تكون صحيحة عن اللغة العربية المعاصرة، وليس اللغة الأصيلة، التي أسيء استخدامها لتخفي المعنى وتشغل السمع والعين بكلمات لا فائدة منها، وتستولي هذه اللغة التافهة على الألسن حين لا يريدون بيان مواقفهم الحقيقية ولا الصحيحة من الحدث الخطير الجاري، فهم يخافون على مناصبهم، وعلى مستقبل وجودهم في بيئة مستبدة معادية للحق والصراحة، أو يريدون التزلف والتملق لسلطة معادية فيكتبون ويقولون ما يؤملون نفعه لأشخاصهم ولو أضر بالموقف الصريح المطلوب، وهذا أنموذج شائن للتزلف. وعلى الجانب الآخر لاحظ شخصية السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام حينما يصف الحرب على غزة بأنها “حرب دينية”، وقد سبق له أن قال ذلك في زمن ترمب[3]، بينما لا تجد من المتسلطين العرب ولا من المضطربين المستغربين من يجرؤ حتى على تقليده في الصراحة، وهذه المعاناة منتشرة في الكتابة للشعر والنثر، وهي ما عبر عنه الشاعر أحمد مطر بقوله:
هل إذا بئس كما
قد عسى لا إنما
من إلى في ربما
هكذا سلمك الله قل الشعر
لتبقى سالما
هكذا لن تشهق الأرض
ولن تهوي السما
هكذا لن تصبح الأوراق أكفانا
ولا الحبر دما
هكذا وضح معانيك
دواليك دواليك
لكي يعطيك واليك فما
وطني يا أيها الأرمد
ترعاك السما
أصبح الوالي هو الكحال
فابشر بالعمى
[1] الحديث رواه أبو داوود.
[2] وردت في كتاب النفس المبتورة، هاجس الغرب في مجتمعاتنا، لدايوش شايجان، الترجمة العربية من الفرنسية، الساقي، لندن، ١٩٩١، ص. ١٢.
[3] The atlantic. Lindsey Graham’s “Religious war” November, 2, 2017 ورد قوله على فوكس نيوز وشهده العالم صوتا وصورة، ومن قبله بوش وصف حربه على المسلمين بالحرب الصليبية. وحين أطلق بوش الأب الحرب على العراق بات عنده في البيت الأبيض ليلتها القسيس الشهير جراهام ليبارك مسيحيا الحرب عام ١٩٩١.



