تقديم
لقد كانت المواطنة ولا زالت موضوعا من المواضيع المهمة التي سالت حولها الأقلام والتفَت إليها الكتاب والباحثون بالدراسة والتحليل خاصة في العالم المعاصر، فهي تعد من القضايا القديمة المتجددة التي ما تلبث أن تفرض نفسها، فالحديث عن المواطن والمواطنة تصدّر العديدَ من الكتابات والأدبيات والخطابات السياسية بشكل رهيب، لدرجة أن أصبح نعت هذه الحقبة الزمنية بعصر المواطنة، وكتاب “المواطنة: مفهومها جذورها التاريخية وفلسفتها السياسية” لصاحبه شريف الدين بن دوبه، يعتبر من الكتب المهمة التي سلطت الضوء على مفهوم المواطنة، وسعت إلى مقاربته في سياقاته اللغوية، والتيارات الفكرية والفلسفية الغربية التي قاربته بالتوصيف والنقد، وذلك بغية الكشف عن خباياه وما يحمله في طياته وأغوارها.
في دلالة المفهوم:
لقد قسم الكاتب كتابه إلى خمسة فصول، حيث توجه في الفصل الأول من كتابه إلى تعميق النظر حول مفهوم المواطنة في اللغة والاصطلاح، مشيرا إلى أن مفهوم المواطنة منحدر من الوطن، وهذا الأخير هو محل ومكان الإقامة ومكان يمارس فيه الإنسان نشاطاته الفردية والجماعية، وهذا ما نجده في كتاب لسان العرب لابن منظور الذي أشار إلى أن “الوطن هو المنزل الذي تقيم به وهو موطن الإنسان ومحله، والجمع أوطان، وأوطان الغنم والبقر مرابطها وأماكنها التي تأوي إليها، ووطن بالمكان وأوطن أي أقام، وأوطنه اتخذه وطنا”[1]. فالمواطنة بحسب تعبير الكاتب كلمة لها أصل عربي مرتبط بمواطن الإنسان ومستقره وانتمائه الجغرافي. بيد أن الموقع الجغرافي ليس كاف لتحديد المواطنة، لأن هذه الأخيرة استحدثت للتعبير عن الوضعية السوسيو-بوليتيكية والمدنية والحقوقية للفرد في الدولة.
واصطلاحا فالمواطنة Citizenship تشير إلى “مساهمة الأفراد في إدارة الشؤون السياسية للدولة عن طريق المشاركة في صياغة القرارات والأحكام التنظيمية”[2]، فالمواطنة ليست صفة جوهرية ذاتية تكون بالوجود، بل هي صفة تترتب عن مؤشرات منها السياسي والاقتصادي ومؤشر الولادة وكذا المؤشر الحقوقي ويبقى أهمها الانتماء إلى الوطن، فهذا الأخير هو الحقل العام الذي تمارس فيه المواطنة، ولا وجود لمواطنة دون وطن، فهي علاقة ولاء للسلطة السياسية وحماية للمواطن من هذه السلطة، بما في ذلك حماية المواطن في غير وطنه، كما أنها مشاركة في الحياة السياسية وممارسة للحقوق المدنية. كما اعتبر شريف بن دوبه أن ميلاد فكرة المواطنة مرتبط بالمدينة أو الحاضرة، فهي الرحم الثقافي الحاضنة للفكرة، بيد أنه ربطها بالمدينةCité وليس بالمدينة Ville باعتبار أن الأولى هي التي تؤسس للمدينة وقائمة على المواطنة، أما الثانية فهي تعتبر مؤسسة عمرانية مدنية ذات بعد مادي. وهذا ما ذهب إليه روسو بقوله إن “المنازل تشكل المدينة أما المواطنون فيكونون Cité“ [3] ، وقد ربط الكاتب بين المواطنة والدين، واعتبر أن المواطنة في الأصل اللغوي العربي رابطة بين فرد ووطن على أساس روابط روحية معنوية، وفي اللسان العربي هي علاقة بين فرد ومدينة تطفو عليها التجليات المادية. إلا أن المواطنة في رأيي المتواضع لا يجب أن تكون مع هذا أو ذاك وأن تسلك رؤية توفيقية بين المادي والأخلاقي، وقد خلص الكاتب إلى أن الدين لا يتعارض مع مبدأ المواطنة، فهو أصل وجداني للتلاحم والتكافل، وليس علامة للفرقة بين الأفراد واستثماره في التفرقة نابع من مصالح اقتصادية بحتة لا تمت بصلة إلى المعتقد الديني، وبالتالي فإن المواطنة ارتبطت عنده تاريخيا بالمعتقد الديني مستندا إلى المقولة الثابتة في الموروث الفردي والجماعي “حب الوطن من الإيمان” معتبرا أن العلاقة بين التأصيل اللغوي الديني والثقافي والممارسة السياسية تداخلية بين الوطن والدين. إلا أن هذا كله ليس صائبا بل يحتمل النقد، لذلك يمكننا القول إنه ليس هناك تعارض بين الدين والمواطنة، بيد أن الدين والإيمان هو علاقة بين الفرد وخالقه وليس بين الفرد ووطنه، ولا يجب أن نتبع مقولة قد تكون مؤدلجة من مثل “حب الوطن من الإيمان”، فمن قال لنا بأنها مقولة لا تصب في اتجاه معين وتهدف إلى المحافظة على الأوضاع كما هي. فنحن لا ننكر أن الممارسة السياسية هي عملية تداخلية بين الوطن والدين، إلا أن استغلال الدين استغلالا سياسيا وتحريفيا هو ما يشوه الأمر، وهذا ما زرعناه منذ زمن في بلداننا العربية، وهذا ما نحصده الآن في الاستغلال السياسي للدين، ولهذا فإذا كان الدين سيستغل كما هو وبطريقة إيجابية نافعة للوطن فمرحبا، أما إذا كان سيستغل بطريقة مؤدلجة الغرض منها تخدير المجتمع، فاللهم الفصل بين الدين والسياسة، فالدين علاقة بين الفرد وربه، أما الوطن فللجميع. وكما ذهب المؤلف في هذا الفصل إلى التفريق بين المواطنة والجنسية، باعتبار هذه الأخيرة وضعية مرتبطة بالمكان والولادة، فالبعض من رجال القانون ذهبوا إلى التفريق بينهما على مستوى الحقوق، على اعتبار أن التمتع بالحقوق على مستوى المواطنة يكون محليا، أما الجنسية فتمنح الفرد امتيازات حقوقية خارج الوطن. وهكذا فإنهما يعبران عن وجهين لعلاقة واحدة، تكتسب فيها الجنسية السمة الدولية، وترتكز المواطنة على الإطار الوطني.
الجذور التاريخية للمفهوم:
وفي الفصل الثاني من الكتاب حاول المؤلف أن يلقي الضوء على الجذور التاريخية لمفهوم المواطنة، حيث أقر بأن الممارسة اليونانية لمبدأ المواطنة من بين الأولويات التي أسست لمفهوم المواطنة المعاصرة، فمفهوم المواطنة عند اليونان لم يستقر على حالة واحدة، بل تطور من نظام سياسي إلى آخر، فقد كان مفهوم المواطنة ذو دلالة إثنية وكان المواطنون هم الذكور الأحرار مالكو الأراضي وأبناء الطبقات العليا، بينما جرى استثناء النساء والأجانب والأطفال والعبيد من حق المواطنة، وقد تمتع المواطنون بحقوق عديدة منها الحق في مجالات القضاء والتعليم وحق العضوية في الجمعيات والتنظيمات العامة، وحق الانتخاب للمؤسسات الرسمية والإسهام في المجتمع عن طريق الخدمة العسكرية، فطبقة المواطنين هي الطبقة الوحيدة التي تمتعت بكافة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلا أنه ومع مرور الوقت ظهرت التفرقة بين طبقة المواطنين نفسها، حيث تفرعت إلى فئتين، “فئة الأشراف ذوي الأصول النبيلة، وفئة العامة” ونادى العامة بضرورة زوال التفرقة القائمة على أساس عراقة الأصل ونسبة المولد، واستعيض عنها بمعيار الثروة، أي أن أرستقراطية المواطن أصبحت تعتمد على ماله لا على نبالة أصله. وإذا ما رجعنا إلى أرسطو سنجده قد حدد الأنظمة السياسية التي كانت سائدة في اليونان، وهي الأوليغارشية والديمقراطية والملكية، وهكذا فالاختلافات في حد المواطنة يرجع إلى الانتماء السياسي للنظام الذي يبعد تعريف المواطن عن سياق الموضوعية، فالمواطن الحقيقي عند أرسطو هو المالك لحق المشاركة في السلطة التشريعية وفي السلطة القضائية، فالمواطنة بالنسبة له هي “وظيفة لنظام الحكم، فالأشخاص الذين يكونون مواطنين في النظام الديمقراطي ليسوا كذلك في النظام الأوليغارشي، ومن ثم فهوية المدينة تتحدد أساسا عن طريق نوع نظام حكمها، ولا تتحدد عن طريق عوامل مثل الجغرافيا أو الجنسية”[4]، ومن هذا يتضح أن أرسطو يميل إلى النظام الأرستقراطي، أي نظام القلة كنظام نموذجي للمواطنة، وهذا ما أكده تايلور بقوله إن المثل الأعلى للدولة عند أرسطو هو نظام الحكم الذي يدبره الأرستقراطيون وإن كانوا قلة قليلة، إلا أنهم على تربية ثقافية عالية ويتمتعون بالفراغ دون أن يكون هناك من يملك أو يتميز عن غيره بالثروات الكبيرة. ومن خلال هذا يتضح أن النموذج اليوناني لمفهوم المواطنة يتميز بالقصور من حيث تهميشه للعديد من فئات المجتمع وعدم تغطيته لبعض الجوانب التي يتضمنها المفهوم المعاصر للمواطنة، إلا أنه يبقى مفهومها تأسيسيا وتأصيليا للمواطنة في العصر الحالي.
أما بخصوص المواطنة في الحضارة الرومانية فقد عرفت تغيرات بارزة، وذلك راجع إلى اتساع الرقعة الجغرافية للإمبراطورية، التي ضمت العديد من الثقافات المتغايرة والشرائح الاجتماعية المتفاوتة، بالإضافة إلى الحكم الجمهوري الذي فسح المجال للطبقات الدنيا للمطالبة بحقوقها، وهنا ظهر العديد من دعاة العدل والمساواة بين الطبقات الاجتماعية، ومن بينهم سيسيرون الذي يرى أن “الدولة لا تستطيع أن تضمن استمراريتها وبقاءها وهيبتها إلا إذا اعترفت بحقوق المواطنين، لأنها تمثل مصلحة الناس المشتركة”، وبهذا نجد أن الدولة الرومانية ابتعدت عما هو إثني، ومنحت المواطنة بعدا قانونيا ومنظما وذلك ابتداءً من أول إحصاء سكاني في العام 44 ق.م، الذي كان القصد منه تنظيم وإعداد القوائم التفصيلية من أجل ضبط قوائم المواطنين بما يتعلق بمسائل الخدمة العسكرية ودفع الضرائب، فالمواطن الروماني هو الذكر البالغ المنتمي إلى تراب الإمبراطورية وهو ذات قانونية يكتسب المواطنة من خلال وضعه القانوني لا من خلال أصله الإثني، بهذا يعكس المجتمع الروماني صورة مجتمع سياسي أكثر ديمقراطية، فالكل يشارك في الاقتراع، إلا أن المجتمع الروماني يشترك مع المجتمع الإغريقي في كون الكل لا يمكنه ممارسة الوظائف السياسية، لأن هناك تراتبية في المجتمع المدني الروماني الناتج عن الإحصاء الذي يؤدي إلى التمييز الدقيق لأقلية من المواطنين مدعوة للمشاركة في الحياة المدنية، وبالتالي فإن المواطنة في كلا المجتمعين لم تقدم على شكل نموذج مثالي فريد.
كما مر الكاتب في هذا الكتاب على المواطنة في العصر الحديث، خاصة في الفكر السياسي الإنجليزي الذي أشار فيه إلى الميثاق الأعظم Magna Carta والتي هي شرعة دستورية ترمي إلى حماية امتيازات البارونات أو طبقة النخبة من المواطنين، فهي وثيقة تقول للملك “لا تستطيع انتهاك حقوق هؤلاء البارونات، في حين يعتقد البعض أنها أول وثيقة تقيد صلاحية الملك الإنجليزي في القانون الدستوري الإنجليزي، فالماجنا كارتا تتضمن الأسس الأولية لمبدأ المواطنة، رغم أنها في صورتها العامة تقعيد قانوني النبلاء، إلا أنها في المادتين 30/31 نلمس فيها احتراما وحماية للذات الحقوقية للمواطن أمام جشع النبلاء. وهذا ما كان مرجعا تاريخيا لما يسمى حقوق الإنسان. كما انطلق المؤلف بالدراسة والتحليل إلى المواطنة في الفكر الحديث، فمبدأ المواطنة الذي يمنح للمواطنين صلاحيات التسيير والتغيير على مستوى التشريع والتنفيذ أيضا، هو وليد الحداثة والدولة القومية خصوصا حيث ارتبط المصطلح بالدولة الحديثة في الغرب، ففي هذا السياق أخدت المواطنة منحى آخر مختلف عما كان في الحضارتين اليونانية والرومانية، وهذا ما نلاحظه من خلال البيان الأمريكي لسنة 1776، الذي نادى بالمساواة العامة بين الأفراد المواطنين، فالمواطن يملك القدرة على تغيير وتوجيه مسار الحكومة إذا انحرفت عن مسارها الصحيح، بالإضافة إلى الثورة الفرنسية، حيث ساهمت حركة التنوير في بلورة مفهوم المواطنة، والتي لم تكن مقتصرة أو محصورة في فرنسا فقط بل اكتسحت جميع المناطق في أوروبا، فالحركات التنويرية كلها ذهبت إلى تقديس العقل ومنحه السلطة العليا على كل شيء، باعتباره مقياسا لصحة العقائد وأساسا للعلم ووسيلة للقضاء على الخرافة والجهل، لذلك ركز العديد من رواد هذا الاتجاه على أن مبدأ السيادة الشعبية، وأن “للإنسان بوصفه إنسانا حقوقا طبيعية تعطيه صفة حقوقية لا يمكن التنازل عنها”، كما أن القرار السياسي في هذه المرحلة نابع من قرار الأمة، باعتبار أنها مصدر كل سيادة ولا يمكن لأي فرد أو مجموعة من الأفراد أن يزاولوا أي سلطة ما لم تكن نابعة من صلب الأمة.
كما توجه الباحث بالدراسة والتحليل إلى العلاقة بين بين مفهوم المواطنة والعقد الاجتماعي، على اعتبار أن هذا الأخير (والذي تم تأسيسه على يد فلاسفة مرموقين من مثل توماس هوبز وسبينوزا وجون لوك وجان جاك روسو) يعتبر المحدد الرئيسي لطبيعة الدولة ونشأتها وبنية المؤسسة التشريعية والقضائية والتنفيذية. فلسفة العقد الاجتماعي تأخذ نموذجين في علاقتها بالمواطنة، نموذج الاتحاد، وميثاق الرعايا، وعليه فإن المواطنة تأخذ شكلين، مواطنة الرعايا ومواطنة المواطنين؛ فالأول يقوم على علاقة الولاء التام للحاكم من طرف الرعايا ويكون بين المواطنين والحكام، وليس بين المواطنين والماجنا كارتا نموذج لهذا العقد. أما الشكل الثاني فيظهر في ميثاق الاتحاد الذي هو تحول من الفردية إلى المواطنة أي أنهم أصبحوا مواطنين بعد أن كانوا أفراد. أما في الفكر الليبرالي فقد أخذ مفهوم المواطنة شكلا آخر يختلف عن سابقيه، باعتبار أنه قام على أن كل فرد يتمتع بمجموعة من الحريات الطبيعية التي تجد في الطبيعة الإنسانية مرجعيتها ومهمة السلطة السياسية هي حماية هذه الحقوق وليس لها الحق في أن تتدخل في نشاطات الأفراد إلا بقدر محدد، وهذا ما يظهر في المقولة الليبرالية الشهيرة “دعه يعمل دعه يمر”، فالمواطنة في الفلسفة الليبرالية هي النموذج الرئيس الذي قامت عليه المواطنة في الوقت الراهن، حيث يركز هذا الاتجاه على وضع حقوق الأفراد وحرياتهم فوق كل الاعتبارات، والمواطنة بهذا المعنى هي فضاء يساهم في تنمية القدرات الفردية مع الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية. بيد أن هذا المنحنى الذي تنهجه الليبرالية في المواطنة تعرض للرفض من طرف المدرسة الماركسية، باعتبار أنها تربطها بدفع الضرائب. لذلك نجد أن المواطنة في التصور الماركسي مرتبطة بالحقوق العامة للمواطنين، وهذا التصور يهدف إلى بناء مواطن اشتراكي ديمقراطي، نظرا لأن تاريخ المجتمع البشري وكما أشار ماركس هو تاريخ الصراع بين الطبقات، وكانت الطبقة العاملة هي الضحية الأولى للتفاوت، وبالتالي يجب بالبروليتاريا إلى وضع الطبقة الحاكمة لتحقيق الديمقراطية، والمواطنة في نظره لا تتحقق إلا بتحطيم نظام المجتمع البرجوازي، وخلق مجتمع اشتراكي قائم على العدالة والمساواة واتمتع بالحقوق وأداء الواجبات في ظل المواطنة الاشتراكية.
وما دمنا نتحدث عن المواطنة في الفكر الحديث فلا بد من الإشارة إلى أهم منظري الحداثة، ألا وهو يورغن هابرماس وهو من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية، هذا الذي سلك اتجاها مختلفا عن الماركسية، فالمواطنة عنده هي المواطنة الدستورية التي هي انسجام لأفراد المجتمع السياسي مع المبادئ القانونية ذات الأهداف الكونية، والمواطنة الدستورية في حاجة إلى ثقافة سياسية ليبرالية ومدنية وفضاء عمومي كوني تحكمه قيم ديمقراطية وتشريعات عالمية، والحقوق التي تميز هذا النموذج من المواطنة هي الحقوق المدنية، والمرتبة الأولى في الحقوق هي حق المواطن في الحياة بحرية وهكذا فإنه يميل في تفكيره إلى الاتجاه الليبرالي على حساب الاتجاه الماركسي.
أسس المواطنة:
وبما أن للمواطنة العديد من المقومات الأساسية والأسس التي تقوم عليها، فإن الكاتب أشار في الفصل الثالث من كتابه إلى عدة أسس تقوم عليها المواطنة؛ وهي الديمقراطية باعتبارها فضاء مناسبا للمواطنة والولاء، لكن ليس بمعناه السلبي الذي يعني الخضوع والاستسلام للسلطة، بل بمعناه المدني باعتباره ضرورة سياسية وقانونية، فالولاء للسلطة أو للدولة واجب يقابل الحقوق السياسية التي يتمتع بها المواطن، والمبدأ الثالث هو المشاركة السياسية، المساواة (والناس سواسية ولا فرق بين عربي أو أعجمي ). بالإضافة إلى حقوق المواطنة باعتبارها مبدأ قانونيا يقوم على علاقة تداخلية بين الحقوق والواجبات، فكل حق يقابله واجب، فحق الحياة يقابله واجب الحماية من طرف السلطة، وإذا أشرنا إلى الحقوق لابد من الإشارة إلى واجبات المواطنة والمتمثلة في الدفاع عن الوطن وكذا الحفاظ على البيئة باعتبارها المجال الفيزيائي والحيوي الأول الذي تمارس فيه الكائنات الحية نشاطاتها الطبيعية و العضوية، وللحصول على مواطنة جيدة فلابد من تربية مواطنية بما تعنيه من تربية الأفراد على المواطنة سواء من خلال الأسرة أو من خلال المجتمع والمدرسة وغيرها، هنا يمكن أن نستحضر مقولة كونفوشيوس حول التربية المواطنية التي تقول بأن كل مولود يولد في الصين يكون بالضرورة كونفوشيوسيا لأن “الصيني قد يعتنق البودية أو الطاوية أو الاسلام أو المسيحية لكن يضل في جوهره كونفوشيوسيا”[5] وبالتالي فتكوين الإنسان المواطن الحر والمستقل يبدأ من التربية.
انتقادات الأفكار السابقة:
وقد أشار الفصل الرابع من الكتاب إلى الانتقادات التي وجهها الكاتب لجميع الأفكار التي تم ذكرها مسبقا، حيث أكد الكاتب على أن الإغريق لم يستطيعوا بناء مجتمع سياسي ومدني موحد للمواطنين الإغريق وتم استثناء النساء والعبيد والأجانب، فمفهوم المواطنة عند اليونان لم يكن شاملا أو جامعا لجميع المواطنين، وبالتالي فإن المفهوم الإغريقي للمواطنة كان في بدايته التكوينية وكذلك الأمر بالنسبة للحكومة الرومانية التي منحت المواطنة للفئة المالكة لرؤوس الأموال. إلا أنه سرعان ما عرف مفهوم المواطنة بعض الانفتاح في العصر الحديث الذي تميز بسيادة مفاهيم مثل القومية الليبرالية والاشتراكية وأصبحت المواطنة في الفكر الليبرالي رابطة سياسية بين الفرد والدولة. وما يمكن أن نستشفه من هذا أن مفهوم المواطنة بدأ مقيدا بجغرافيا والتزامات سياسية معينة، ثم تحرر شيئا فشيئا من الانتماء والتقيد بالمؤشرات العقدية، ليصبح بعدها مرهونا بالمصالح الاقتصادية. إلا أن مبدأ المواطنة في العصر الراهن يعاني آلام الاحتضار نظرا لظهور مواطنة أخرى أكثر شمولية من المواطنة الوطنية، وهي المواطنة العالمية أو الكوسموبوليت cosmopolite والتي تعتبر من معالم النهاية لمبدأ المواطنة الكلاسيكي، فالمواطن العالمي شخص حضاري يعتبر العالم كله وطنا له وهو شخص يمتنع عن التركيز على الولاءات القبلية أو القومية والعرقية، وهذا ما ذهبت إليه المدرسة الرواقية التي تعتقد بأن البشر إخوة وليس بينهم أسياد وعبيد، فهم جميعا مواطنون موجودون في طبيعة واحدة هي أمهم وقانونهم، فالإنسان له إنسانية تجعله مواطنا عالميا أي مواطنا ليس في مدينة أو دولة ما بل وطنه العالم في دولة عالمية هدفها وحدة الجنس البشري، وهنا يقول سينيكا ” أنا لم أولد لأي جزء من هذا الكون فهذا العالم كله وطني”، وبالتالي فإن المواطنة عند الرواقيين تلغي الحدود الدولية وتسعى إلى تحقيق مواطن كوني أخلاقي.
علاقة المواطنة بالإسلام:
وفي الفصل الأخير من الكتاب اهتم الكاتب بدراسة وتحليل العلاقة بين المواطنة والإسلام، وقد اعتبر أن التشريع المدني في الحكومة الإسلامية اقترن بحوادث مميزة تعكس ملامح المدنية والمواطنية في الشريعة الإسلامية، ومنها المؤاخاة؛ التي هي في الحقيقة تعاقد وتأسيس للمجتمع المدني، وعقد المواطنة المعروف قانونا؛ والذي يقوم عليه المجتمع المدني وهو مؤاخاة بين العناصر والمكونات الاجتماعية للدولة سواء أكانوا نخبا فكرية، أم سياسية، أم أناسا عاديين، فالمؤاخاة بحسب الكاتب تعتبر بمثابة تأسيس موضوعي لعقد المواطنة. وإضافة إلى المؤاخاة فقد أشار الكاتب أيضا إلى الصحيفة المدنية؛ باعتبارها تأسيسا واقعيا للمجتمع المدني، فهي عقد مدني وسياسي مضبوط أخلاقيا، إذ تضمنت جملة من القيم الأخلاقية والمدنية يمكن إجمالها في التعددية، وحرية العقيدة، والمواطنة والمساواة والإدارة السامية للاختلافات. كما التفت الكاتب إلى مجموعة من المقومات الأخرى في الإسلام، وعلى رأسها رسالة في الحقوق؛ فهي بمثابة الأصل والقاعدة الرئيسية في بناء مجتمع مدني وحضاري متماسك وقوي، وتأصيل ديني للحقوق يبدأ بحقوق الله التي تتفرع إلى حقوق فرعية؛ حق الله الأكبر، حق النفس، حق اللسان وحق السمع، وغيرها من الحقوق الأخرى.
ومن هذا كله يتضح جليا أن الكاتب يحاول أن يبرز العلاقة الوطيدة بين الإسلام والمواطنة، فالإسلام باعتباره يؤسس للمواطنة في جانبها الأخلاقي لا المادي، واعتبر الكاتب أن الولاء للقيم الأخلاقية معلم عرفته الثقافات الشرقية، حيث اختلط عندها بالقداسة. وبالتالي فإن الشريعة الإسلامية ترى أن المواطنة هي تعبير عن الصلة التي تربط بين المسلم كفرد وعناصر الأمة، وهم الأفراد المسلمون، حيث تتوج هذه الصلات الصلة التي تجمع بين المسلمين وحكامهم من جهة وبين الأرض التي يقيمون عليها من جهة أخرى. بيد أن ما يؤخذ على الكاتب ما دام تحدث عن العلاقة بين المواطنة والإسلام كان لابد له من أن يشير إلى المواطنة في ظل نظام الشورى، إضافة إلى هذا فإن ما تم ذكره سابقا عن الإسلام والمواطنة قد يكون متجاوزا في الوقت الحالي، فأنا لا أنكر العلاقة بين المواطنة والأخلاق الإسلامية، إلا أن المواطنة لم تعد تبنى على ما هو أخلاقي فقط، بل على ما هو مادي أيضا، كما أن المواطنة تبنى على الدين أو العرق، وهذا ما لاحظناه في عصر الأنوار حيث تم ربط المواطن بالوطن الذي يقطن فيه وليس بدينه، وأصبحت الدولة من موقع واحد من كل المواطنين بغض النظر عن أديانهم واتجاهاتهم ومعتقداتهم، على عكس المواطنة في الدين التي كانت تفترض أن يكون المواطنون من دين معين. وما يمكن أن أقوله هنا هو أن الوطن ليس هذا أو ذاك، فالوطن ليس هو المكان الذي ولدت أو نشأت فيه، وليس الذي يوجد به أهلك وأصدقاؤك، وطنك هو المكان الذي تعامل فيه باحترام، وهذا ما أكده أريستوفان بقوله الجميل “الوطن هو حيث يكون المرء في سلام”.
خاتمة
وقد خلص الكاتب في خاتمة كتابه إلى أن المواطنة قيمة سياسة ومطلب مدني تغيب فيها الفوارق الثقافية والدينية، فالمواطنة الحقيقية هي التي تجعل من المواطنين سواء أمام السلطة القضائية أو التنفيذية، وهنا يمكن أن نشير إلى إحدى المقولات التي وردت في كتاب “ما المواطنة” لدومينيك شنابر وكريستيان باشولييه والتي يقولان فيها “إن المواطنة يوتوبيا خلاقة تحاول جاهدة تجاوز الإثنية والعرفية، وهي بهذا ترمي عن طريق القانون حل الخلافات القائمة بين المجموعات الاجتماعية التي تتعارض مصالحها، وهي رغم ذلك تستدعي مفهوم اللغة والتاريخ المشتركين، ولا يمكنها أن تكون عقلانية خالصة تحاول جاهدة الحفاظ على تنظيم سياسي مؤسس على الحق وفكرة الحرية والمساواة. والمواطنة هي أيضا أساس الشرعية السياسية؛ فالمواطن لا يعد فقط فردا في دولة القانون، بل يتمتع بجزء من السيادة السياسية”[6].
لائحة المراجع:
- ابن منظور، لسان العرب، المجلد الثالث، إعداد يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت، ص 949.
- الكيالي وآخرون، موسوعة السياسة، مجلد 5، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط3، 1996، ص 373.
- 3. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي ترجمة بولس غانم، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت 1992، ص26.
- ليو شتراوس، وآخرون، تاريخ الفلسفة السياسية، ترجمة محمود سيد أحمد، المجلس الأعلى للثقافة، مصر 2005، ص209.
- 5. فؤاد محمد شبل، حكمة الصين، الجزء الأول، دار المعارف، مصر، ص 63.
- دومينيك شنابر، كريستيان باشولييه، ما المواطنة؟، ترجمة سونيا محمود نجا، المركز القومي للترجمة، مصر، الطبعة الأولى 2016، ص371.
[1] – ابن منظور، لسان العرب، المجلد الثالث، إعداد يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت، ص 949.
[2]– الكيالي وآخرون، موسوعة السياسة، مجلد 5، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط3، 1996، ص 373.
[3]– جان جاك روسو، العقد الاجتماعي ترجمة بولس غانم، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت 1992، ص26.
[4] – ليو شتراوس، وآخرون، تاريخ الفلسفة السياسية، ترجمة محمود سيد أحمد، المجلس الأعلى للثقافة، مصر 2005، ص209.
[5]– فؤاد محمد شبل، حكمة الصين، الجزء الأول، دار المعارف، مصر، ص 63.
[6]– دومينيك شنابر، كريستيان باشولييه، ما المواطنة؟، ترجمة سونيا محمود نجا، المركز القومي للترجمة، مصر، الطبعة الأولى 2016، ص371.




شكرا جزيلا ..تحياتي للباحثة النحيب يوسف بنسالم
معذرة أخطأت في الكتابة ..ان امكن تعديلها او حذفها تقديرا الكاتب .. خالص التقدير للباحث النجيب بتسالم