في مقاله المنشور في مجلة “نيوستيتسمان” البريطانية تحت عنوان “How Islam shaped the West” (كيف شكل الإسلام الغرب) [[1]].يقدم روان ويليامز كبير أساقفة كانتربري (الزعيم الرمزي للكنيسة الأنجليكانية، الكنيسة الرسمية لإنجلترا) قراءة معمقة للكتاب المهم للمؤلف الانجليزي نويل مالكوم “أعداء مفيدون: الإسلام والإمبراطورية العثمانية في الفكر السياسي الغربي، 1450-1750” (دار نشر جامعة أكسفورد،2019)، وتتمحور مراجعته الرصينة لهذا الكتاب حول فكرة رئيسية مفادها أن الإسلام كان بمثابة منارة للإصلاح الغربي – في طريق “الحداثة”.
يشير ويليامز في بداية مقاله الطويل والماتع إلى أن القديس أوغسطين كان هو أول مفكر غربي كبير يناقش باستفاضة كيف تستخدم الدول أعداءها لأغراضها السياسية الداخلية، من خلال تتبعه للطريقة التي بدأت بها الجمهورية الرومانية في الانهيار بسبب توتراتها ونزاعاتها الداخلية عقب دمار قرطاج عدوها التاريخي الكبير، حيث يخلص أوغسطين إلى حقيقة أنه إذا لم يكن لديك وسيلة لإنتاج التماسك والعدالة داخل نظامك السياسي؛ فإنك ستبحث دومًا عن أعداء جدد كي تستطيع أن تستبدل بهم مواجهة التهديدات الناشئة عن إخفاقاتك السياسية.
يقول ويليامز إنه تحليل ينطبق بدقة غريبة على مجموعة من الظواهر السياسية الحديثة، من جنون سباق التسلح النووي في الحرب الباردة وصولاً إلى بعض التوصيفات الشعبية لـدى “الغرب” ضد “العالم الإسلامي”. ويشير إلى أن دراسة نويل مالكولم[[2]] القيمة تبحث في فترة لا تختلف تمامًا عن الحرب الباردة، وهي القرون الثلاثة التي كانت فيها الإمبراطورية العثمانية مصدرًا للقلق لدى أوروبا الغربية في بواكير حداثتها. حيث كانت تلك المرحلة حقبة من الاصطدام العسكري المتقطع والشديد في بعض الأحيان، وفترة من المواجهات المضطربة، التي تعقدت بسبب قدرة الإمبراطورية العثمانية الحقيقية على الدخول على خط الصراعات الدبلوماسية والعسكرية بين الدول الغربية. وهو ما أدى آنذاك إلى حالة من البهلوانية اللاهوتية لتبرير اتساق وتناغم السياسات الدبلوماسية المؤيدة للدولة العثمانية، لدولة مثل انجلترا، جنبًا إلى جنب مع تحالفاتها الإستراتيجية مع ملوك فرنسا الكاثوليك في ذات الوقت.
لكن اهتمام مالكوم لا ينصب كثيرًا على تفاصيل العلاقات الدبلوماسية ولا على التطور الفعلي للمؤسسات الاجتماعية والسياسية في العالم العثماني. إنما ينصب تركيزه على الطرق التي استخدم بها المفكرون الغربيون ما يعرفونه عن الإسلام والعالم الشرقي لتوضيح وجهات نظر محددة لقرائهم الأوروبيين. ويشير ويليامز إلى أن فائدة وجود هذا النوع من الصور المضادة لمجتمع المرء لا يساعده وحسب في حشد الناس في التضامن ضد تهديد واضح؛ وإنما يتعلق أيضًا بكيفية إلقاء عوامل القوة الحقيقية والمتخيلة لهذا العدو للضوء على الإخفاقات والضعف في بيئته الخاصة. حيث مدح المفكرون الغربيون: انضباط الجيوش العثمانية، والتقوى الملموسة للمواطنين المسلمين، وحفاظ المشرقيين على نظام العائلة؛ بغرض لوم وتقريع مجتمعاتهم.
يحذرنا مالكولم في هذا السياق من أخذ اللغة التي تحترم المجتمعات الإسلامية في ظاهرها مأخذ الجد. حيث فشل الكثير من المعلقين في تأسيس رؤية حقيقة لما يقوله المعلقون المسيحيون حول العالمين الإسلامي والعثماني (المترادفين تقريبًا في نظر معظم المسيحيين في هذا الوقت) حيث ينشر أولئك المعلقون استعارات مجازية متناقضة؛ فقد يشجبون الطغيان والقسوة العثمانية ثم يمدحون الانضباط والكفاءة العثمانية؛ وقد يضخمون خطر التوسع العثماني من جهة، ثم يتوقعون الانهيار الوشيك للإمبراطورية من جهة أخرى. هذا اعتمادًا على وجهة النظر المحددة التي يريدون إثباتها.
في ثلاثة فصول عن “الاستبداد”، يوجز مالكوم تتابع توصيفات الغربيين للنظام العثماني على أنه نظام “استبدادي” – أي نظام حكم مطلق وتعسفي تتركز خلاله كل السلطة في شخصية سيادية واحدة. فعلى عكس الأنظمة الملكية الغربية، لم تكن السيادة العثمانية جزءًا لا يتجزأ من حزمة من الولايات القضائية الفرعية والمترابطة أو من أنظمة إقطاعية تتعامل فيما بينها بالمثل. فمثلما قدم العالم الديني الإسلامي مشهدًا صارمًا جرى تطهيره من فوضى وساطة القديسين والواجبات المقدسة والسيطرة الكهنوتية على العلمانيين وما إلى ذلك؛ قدمت البيئة السياسية الإسلامية كذلك بالمثل صورة مركزية ومبسطة بشكل جذري، لا تعتد بالمكانة العامة، ولا بالملكية التقليدية للأراضي، ولا النبل الوراثي الراسخ الجذور، ولا بالنسيج الكثيف من “الحقوق” و “الامتيازات” و”الالتزامات المتبادلة” الذي تميزت به الإمارات والممالك الغربية.
يمكن اعتبار هذا إدانة للنظام العثماني. ولكن يمكن أيضًا اعتباره شيئًا يُحسد عليه؛ حيث سعت اتجاهات “التحديث” في الملكيات الغربية نحو سلطة مركزية أكبر للملوك والحد من التعدد غير المنظم للشبكات الإقطاعية والولايات القضائية شبه المستقلة، على شاكلة نظام الحكم الإسلامي كنمط يستحق النظر إليه بطريقة أكثر إيجابية. وكما رأى الموحدون “Unitarian” (تيار مسيحي ظهر خلال الإصلاح الديني) في القرن السابع عشر الذين رفضوا الثالوث المسيحي باسم الاتساق الفكري الحديث في الإسلام نموذجًا مبكرًا للإصلاح العقائدي. اعتبر بعض المنظرين السياسيين في القرن السابع عشر موقف السلطان بصفته فردًا واحدًا كمصدر لا لبس فيه للشرعية، على أنه نسخة جذابة للغاية من الاتجاه الذي يجب أن تسير فيه الدولة العقلانية.
يناقش مالكولم باستفاضة صورة الحكومة الاستبدادية التي رسمها مونتسكيو في أطروحته الكلاسيكية عن “روح القوانين“، ويلاحظ تأثير تلك الأطروحة على الكتاب الآخرين في تلك الفترة مثل تيرجو (المفكر والسياسي الفرنسي آن روبير جاك تيرجو). حيث يصف الأخير الحكم الاستبدادي بأنه ينطوي على السيطرة على السكان من خلال استهدافهم باستراتيجيات تعليمية، كما يصور عملية بناء صورة المستبد على أنها بعيدة الغور وفي نفس الوقت قادرة على التوغل المخيف الذي لا يمكن التنبؤ به في جميع مجالات الحياة المدنية. ويشير إلى أنه لا علاقة لهذا التوصيف بتركيا في القرن الثامن عشر، لكنه في المقابل توصيف يجسد بشكل مذهل أساليب الحكم الشمولية الحديثة.
ومن المثير للاهتمام، أن تيرجو يرى الإسلام على أنه يكثف الميل “الآسيوي” للحكم الاستبدادي، لأن الإمبراطورية العثمانية، في نظره، كانت أكثر عسفًا من الصين أو اليابان. ولكنه مثله مثل مونتسكيو، لا يملك أي معرفة بالشريعة الإسلامية، وينصب اهتمامه على إنشاء نموذج نظري مثالي لأغراض الجدل. فأولئك الذين ردوا على مونتسكيو وتيرجو وآخرين، دفاعًا عن النظام العثماني، لم يفشلوا بدورهم في ملاحظة أن وجود حكومة مركزية و “عقلانية” مطلقة (أي حكومة ذات سلطة سيادية واحدة واضحة) قد وفر أمانًا أفضل لحق الملكية الخاصة من التعددية المشوشة للأنماط الغربية القديمة.
إن ما يؤسس له مالكولم بنجاح، عبر ثروة من الدراسات المستقاة من أمهات الكتب في العديد من اللغات، هو أن الإمبراطورية العثمانية، وإلى حد ما العالم الإسلامي الأوسع، وفر لأوروبا الحديثة المبكرة لا مجرد نقيض شيطاني يجب إدانته ومقاومته مهما كانت الكلفة، بل لجنة استجواب لبعض جوانب التفكير الأساسية في الدين والسياسة: حول اختصاص الدولة في الشؤون الدينية؛ وطبيعة السيادة، وحدود التسامح الديني، وأهمية الجيوش النظامية الدائمة من أجل دولة مستقرة؛ والعلاقة بين الهويات العرقية المحلية والإدارة المتجانسة متعددة الجنسيات؛ وأشياء جيدة أكثر من هذا القبيل.
يتركنا مالكولم مع عدد كبير من الأسئلة المعاصرة ذات الصلة، مثل: كيف نستخدم الآن “الأعداء” لتعريف أنفسنا؟ وكيف نفكر الآن في التوازن بين سلطة سيادية تضمن المساواة القانونية العالمية والحاجة إلى الاعتراف بواقع الانتماءات والتضامنات المتنوعة التي لا تعتمد على الدولة؟ لكن ربما تكون أهم مساهماته هي مساعدتنا على التفكير مرة أخرى في الكليشيهات التي ما زلنا نعيد تدويرها والتي تفترض مسبقًا عدم وجود توافق أيديولوجي راديكالي أبدي بين إسلام ما قبل الحداثة والغرب الليبرالي أو التعددي. فقد ساعدت المناقشات الغربية حول الإسلام والمسيحية في تشكيل مفردات التفكير الغربي حول السيادة والقانون، حتى لو كانت تستند إلى نسخة مؤسفة لا ترى سوى جانب واحد من الحكم العثماني. وخلال هذه المناقشات، يمكن للإسلام أن يتموضع بطرق مختلفة، من بينها اعتباره المسودة الأولى نوعًا ما للمستقبل الديني والسياسي في أوروبا الغربية.
فالغرب لم يصل إلى تصوره “العقلاني” الحالي حول ذاته من خلال ممارسة التفكير التجريدي والمستنير، ولكن من خلال جدل ممتد ومناقشات معقدة حول تقاربه واختلافه مع خصم عظيم، ومن خلال التفكير في التوترات الداخلية الخاصة به عبر عمليات طويلة من التفكير والتكهن والملاحظة والجدل والتصورات شبه الخيالية حول هذا “العدو المفيد”.
[[1]]https://www.newstatesman.com/culture/2019/05/how-islam-shaped-the-west



