في مقاله المنشور في مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان “Modi’s Personality Cult Has Replaced India’s Democracy” (عبادة شخصية مودي حلت محل الديمقراطية في الهند) [[1]] يسعى المؤرخ والمفكر الهندي البارز راماتشاندرا جوها إلى وضع ظاهرة ما يسميه بـ”عبادة شخصية” رئيس الوزراء الهندي ناريندرامودي في سياق ثقافي مقارن. يبين كيف نشأت، وكيف سيطرت على المخيال السياسي الهندي، وعواقبها على المستقبل الاجتماعي للبلاد. وهو مقال يعتمد على خلفيته الأكاديمية كمؤرخ للجمهورية الهندية، وكذلك على تجاربه الشخصية كمواطن هندي.
يقول جوها إن الهند تدعي أنها أكبر ديمقراطية في العالم، وحزبها الحاكم، حزب بهاراتيا جاناتا (BJP)، يدعي أنه أكبر منظمة سياسية في العالم (يتمتع بقاعدة عضوية أكبر من قاعدة الحزب الشيوعي الصيني). وأنه منذ مايو\ أيار 2014، أصبح ذلك الحزب والحكومة الهندية مستعبدين لرغبات – وأحيانًا نزوات – فرد واحد، ألا وهو رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. حيث تم بناء عبادة شخصية على نحو غير عادي حول الأخير، وظهرت مظاهر تلك العبادة في الدعاية الحكومية والحزبية، وفي كلمات التأبين في الصحافة، وفي الابتهالات المتملقة الموجهة له من قبل رواد الأعمال والمشاهير ونجوم الرياضة في الهند. ويشير جوها إلى أن الهند ستصير قريبًا الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم، متجاوزة الصين في هذا الصدد، وبالتالي سيكون لهذه العبادة عواقب أعمق وربما أكثر خطورة من مثل هذه العبادات السياسية التي أقيمت في أماكن أخرى من العالم.
يشير جوها إلى أن صحف نيودلهي أصبحت تزخر اليوم بمقدمات افتتاحية لوزراء في مجلس الوزراء يثنون على مودي. وأن مودي بات في الواقع هو الهند، والهند باتت هي مودي. ويقول إن هذا قد أصبح هو الإيمان المعلن والسري لكل شخص في حزب بهاراتيا جاناتا، سواء كان وزيرًا أو عضوًا في البرلمان أو عاملًا متواضعًا في الحزب. ويشير إلى أنه في فبراير\ شباط 2021، انضم مودي إلى صفوف زعماء ديكتاتوريين تاريخيين مثل ستالين، وهتلر، وماوتسي تونغ، ومعمر القذافي، وصدام حسين، الذين أنشؤوا ملاعب رياضية باسمهم وهم على قيد الحياة وفي مناصبهم (إستاد الكريكيت في مدينة أحمد آباد). ويشير كذلك إلى أنه عندما تلقى المواطنون الهنود لقاحات كوفيد- 19 لأول مرة، تم إعطاؤهم شهادات التطعيم مع صورة مودي عليها. وقد تم تقديم جرعات ثانية ثم جرعة ثالثة معززة، واحتوت الشهادات الرسمية أيضًا على صورة رئيس الوزراء.
ويوجز جوها أسباب تمتع مودي بتلك الشعبية السياسية الكبيرة التي أكسبته تلك المكانة المتفردة في ستة أسباب، وهي:
1-أنه عصامي بالإضافة إلى أنه يعمل بجد للغاية
2-أنه خطيب جماهيري لامع
3- مودي يُقارن بشكل إيجابي جدًا بخصمه السياسي الأبرز راهول غاندي من حزب المؤتمر؛ حيث لم يشغل الأخير أبدًا أي نوع من المسؤولية الإدارية، بينما كان مودي رئيسًا للوزراء في ولاية كبيرة ألا هي ولاية غوجارات، لمدة أكثر من عقد من الزمان قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء.
4- يُنظر إلى مودي مع تزايد سيطرة الأغلبية الهندوسية على السياسة والمجتمع الهنديين، على أنه المخلص العظيم للهندوس والهندوسية. فقد تربى مودي في منظمة راشتريا سوايامسيفاك سانغ الهندوسية المتشددة (RSS)، ويلهب مشاعر الجماهير بحديثه عن إنقاذ البلاد من “آلاف السنين من العبودية” وعن إيذان ببدء نهضة الهند الوطنية والحضارية التي تأخرت كثيرًا.
5- امتلاكه آلة دعاية ضخمة. حيث يظهر وجه مودي عادةً، على جميع الملصقات واللوحات الإعلانية والإعلانات والمواقع الإلكترونية الصادرة عن الحكومة الهندية أو تحت رعايتها. وبالتالي فهو قادر على استخدام الموارد العامة لتلميع عبادة شخصيته على نطاق أوسع وفعالية أكبر بكثير من الزعماء المستبدين المنتخبين الآخرين حول العالم (بما فيهم بوتين).
6- امتلاكه ذكاء ومكرا استثنائيا، واستيعابه قدرًا هائلاً من المعلومات حول جميع أنواع الموضوعات – الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية؛ وذلك بحكم خلفية عمله الحزبي التنظيمي الطويل، وعمله لمدة 13 عامًا كرئيس لوزراء ولاية غوجارات.
يشير جوها إلى أن عبادة شخصية مودي كان لها أثر وبيل على الأداء الديمقراطي في الهند، وأدت إلى إضعاف، إن لم يكن إضعاف عدة مؤسسات تهدف في أي نظام ديمقراطي إلى مساءلة السلطة المطلقة ومنع إضفاء الطابع الشخصي على السلطة السياسية وتنامي الاستبداد، مثل مؤسستي الصحافة والقضاء.
يشير جوها إلى سمتين إضافيتين لعبادة الشخصية في الهند وغيرها من الأنظمة شبه الديمقراطية. الأول هو أنها تميل إلى الترويج لرأسمالية المحسوبية، حيث يحقق عدد قليل من رجال الصناعة المفضلين مكاسب غير متوقعة بسبب ولائهم وقربهم من الزعيم وحزبه. والثانية هي أنها تميل إلى الترويج للأغلبية الدينية أو العرقية. حيث يُروج لأن مجموعة الأغلبية العرقية أو الدينية هي من يمثل الجوهر الحقيقي للأمة، وأن القائد يجسد، بامتياز وفعالية فريدة، جوهر هذه المجموعة ذات الأغلبية. على الجانب الآخر، يقال إن الأقليات الدينية أو العرقية مثل المسلمين في الهند، غير مخلصين للأمة أو يمثلوا نقيضًا لها.
يقول جوها أن المؤسسات الديمقراطية أضعف بكثير في الهند منها في الديموقراطيات الغربية مثل المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة. وكفرد أيضًا، يمثل مودي تهديدًا أكبر بكثير لمستقبل بلاده الديمقراطي مما يمكن أن يكون عليه سياسيون شعبويون مثل بوريس جونسون أو دونالد ترامب؛ فهو يجسد الأغلبية الهندوسية بطريقة أكثر شمولية من شخصية ترامب بالنسبة للتفوق الأبيض أو بالنسبة لتجسيد جونسون لكراهية الأجانب في أنجلترا، ولديه أداة قوية في يده ألا وهي منظمة ( (RSSالهندوسية المتشددة، التي تتجاوز قوتها التنظيمية وقدرتها على تعبئة الموارد أي منظمة يمينية في المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة. ويشير إلى أنه إذا استمر نظام مودي في الحكم لفترة أطول، فقد يُذكر بتجريده الهند من تعدديتها وسيتذكره الناس أيضًا بتفكيكه الديمقراطية الهندية.
يقول جوها أخيراً:
” التاريخ يقدم لنا بعض الدروس، إحداها هي أنه – كما تظهر نماذج ستالين وماو وهتلر وموسوليني وبوتين وآخرين – دائمًا ما تكون عبادة الشخصية ضارة للبلاد التي ترعاها وتشجعها. وقد أصدر المؤرخون حكمهم على الضرر الذي ألحقته عبادة إنديرا غاندي بالديمقراطية والأمة الهندية. وسيأتي اليوم، وإن لم يكن في حياتي، حيث سيصدر المؤرخون حكمًا مشابهًا على تأثيرات عبادة مودي على سعادة الهند ورفاهها.”
[[1]]https://foreignpolicy.com/2022/11/04/modi-india-personality-cult-democracy/



