الاسكندر ثورسطون (ALEXANDER THURSTON)
ترجمة التحرير
التفكير بمنطق “الأمة” لا يتطلب فقط وعيًا عالميًا، ولكن يتطلب الاهتمام أيضًا بالعلاقات بين مجتمعات ومناطق معينة داخل الأمة. بالنسبة للمسلمين في الولايات المتحدة، ثمة علاقة ترابط مع غرب إفريقيا. الأبحاث الجارية على الأصل التاريخي الطويل للإسلام في ما يعرف الآن بالولايات المتحدة، تؤكد وتسلط الكثير من الضوء على دور مسلمي غرب إفريقيا المستعبدين في التاريخ الأمريكي، وأشهرهم عمر بن سعيد (المتوفي عام 1864). في الوقت الحاضر، تربط عدد من أواصر الشتات والمؤسسات التعليمية والسياسية أجزاء مختلفة من الجالية المسلمة الأمريكية بمختلف المجتمعات المسلمة في غرب إفريقيا. علاوة على هذا، يكتسب التراث الإسلامي لغرب إفريقيا بثرائه المعاصر اعترافًا وتقديرًا متزايدًا.
لفترة طويلة جدًا، شكلت الافتراضات العنصرية (من قبل بعض العلماء الغربيين، ولكن أيضًا من قبل بعض المسلمين غير الأفارقة) وجهات النظر حول إفريقيا جنوب الصحراء باعتبارها جزءًا هامشيًا، بل وحتى كجزء مهمل من التاريخ الإسلامي. ومع ذلك، لم يقتصر الأمر على مدينة تمبكتو الشهيرة فحسب، بل كانت أيضًا مواقع مثل شنقيط، وولاتة، وتيفوان، وتوبا (طوبى)، وكاولاك، وجني (جينيه)، وصكتو، وكانو، وكاتسينا، وبورنو (سلطنة بورنو). والعديد من المواقع الأخرى مواقع لإنجازات فكرية وسياسية كبيرة. ينتمي هذا التراث إلى منطقة غرب أفريقيا على وجه الخصوص، ولكنه ينتمي أيضًا، بمعنى من المعاني، إلى جميع المسلمين، بمن فيهم المسلمون في أمريكا. ويمكن لفكرة التعامل مع غرب إفريقيا كجزء أساسي من التاريخ الإسلامي أن تكون مصدر إلهام خاص للأمريكيين، سواء كانوا من أصل أفريقي أم لا – فإذا كانت الولايات المتحدة جزءًا من “العالم الأطلسي”، فإن المسلمين الأمريكيين ينتمون أيضًا إلى نوع من “الإسلام الأطلسي” الذي يضم أوروبا إلى جانب غرب وشمال وحتى وسط إفريقيا.
ومع ذلك، هناك نوعان من التعقيدات الرئيسية في العلاقة بين المسلمين الأمريكيين ومسلمي غرب إفريقيا. الأول هو الأشكال الرومنطيقية المختلفة التي تصور ماضي غرب إفريقيا أو حاضر غرب إفريقيا كنموذج روحي. ومع ذلك، فإن مثل هذه الرومنطيقية تتجاهل التعامل مع بعض القضايا الحاسمة، الموضحة أدناه. والثاني هو إضفاء الطابع الأمني على التعامل مع غرب إفريقيا في سياسة الحكومة الأمريكية وفي كثير من الصحف وتحليلات المراكز الفكرية وبرامج “مكافحة التطرف العنيف”. يمكن لهاتين المسألتين أن تتضاربا، خاصة عندما تحرص حكومة الولايات المتحدة نفسها على تجسيد ودعم جوانب ما يسمى بـ”الإسلام الأفريقي” على حساب النماذج الأخرى. لا يتطلب التفكير بمنطق الأمة، بالمعنى العابر للمناطق، الاحتفاء فقط، بتراث ومساهمات المسلمين في أماكن أخرى، ولكن أيضًا بالتفكير في الطرق التي تشكل القوى الخارجية بها العلاقات بين المسلمين من مناطق مختلفة – والطرق التي تؤثر بها تلك القوى الخارجية على كيفية رؤية المسلمين لبعضهم البعض.
دعوني أكن واضحًا: إشارتي إلى الرومنطيقية ليست طريقة مستترة لانتقاد المسلمين الأمريكيين من أصل أفريقي الذين يفخرون ويستلهمون ماضي مسلمي غرب إفريقيا. في الواقع، يتعلق أحد النماذج الإشكالية لإضفاء الطابع الرومنطيقي على غرب إفريقيا بالصمت حول مناهضة السود وأشكال أخرى من التمييز بين المسلمين في أجزاء من غرب إفريقيا نفسها، على سبيل المثال في موريتانيا. بالنسبة للعديد من المسلمين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة، أصبحت موريتانيا بجدارة رمزًا ومؤسسةً وموقعًا للتعليم الإسلامي التقليدي المعمق، وهي وجهة يمكن فيها الحصول على تعليم إسلامي صارم للغاية في الفقه والقواعد وغيرها من المجالات. ومع ذلك، فمن الصحيح في الوقت نفسه أن أشهر العلماء في البلاد ما يزالون بأغلبية ساحقة من “البيضان” أو “البيض”، وأن العنصرية المؤسسية في البلاد لا تفيد فقط النخبة السياسية للبيضان ولكن أيضًا النخبة العلمية من البيضان. مشاكل موريتانيا المستمرة مع العبودية وإرث العبودية أقل استثنائية مما قد يدركه الإعلام الغربي. لكن العبودية وآثارها لا تزال مصدر صدمة عميقة في البلاد – وحالات إصدار علماء “البيضان” فتاوى تدين العبودية الموجودة حاليًا لا تزال استثنائية بما يكفي، بحيث تغطيها وسائل الإعلام المحلية عند حدوثها. في الوقت نفسه، وقعت في الذاكرة الحية حلقات من مسلسل عنف موجه ضد السود في موريتانيا، وما زالت آثار تلك الأحداث أيضًا محسوسة. يمكن أن تكون موريتانيا معقلًا للتعليم الإسلامي وموقعًا للعنصرية الخبيثة (تمامًا كما أن الولايات المتحدة تعد حقلاً للابتكار المذهل ومجتمعًا غير متكافئ بشكل مروع)، وهذا هو بالضبط التعقيد الذي يجب على مفكري الأمة التعامل معه.
علاوة على هذا، فإن العبودية لها طبقات متعددة في تاريخ المنطقة، حيث كان مسلمو غرب إفريقيا ضحايا لتجارة الرقيق، وفي بعض المناطق، لحكام المجتمعات المالكة للرقيق. إن ظروف ونطاق تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي تجعلها ظاهرة مختلفة اختلافًا جوهريًا عن الرق في شمال نيجيريا قبل الاستعمار مثلاً. لكن المجتمعات الإسلامية في غرب إفريقيا، حتى في أوقات ما قبل الاستعمار، كانت تعاني من مستويات تفاوت داخلية عميقة.
فكرة السنغال كاستثناء (عن باقي غرب أفريقيا) تقودنا إلى مناقشة الحرب على الإرهاب وكيف تتأرجح التصورات عن غرب إفريقيا، لا سيما في واشنطن ولكن حتى داخل أجزاء من الجالية المسلمة الأمريكية. أدت الحرب على الإرهاب، من بين آثار ضارة أخرى، إلى زيادة ميل واشنطن إلى تصنيف المسلمين على أنهم “مسلمون صالحون” و”مسلمون سيئون”. على المستوى التخيلي لواشنطن، يحتل الصوفيون السنغاليون مرتبة قريبة من أعلى قائمة “المسلمون الصالحون”. لا يمكنني إحصاء عدد الاجتماعات المتعلقة بالسياسات التي كنت فيها وسمعت أشخاصًا لا يعرفون سوى القليل عن الصوفية، أو حتى عن السنغال، يشيرون إلى “الأخوة الصوفية في السنغال” كنموذج مثالي. ومع ذلك، يتجاهل إضفاء الطابع المثالي على الصوفيين السنغاليين، من بين قضايا أخرى، حقيقة تواجد الصوفيين في العديد من دول غرب إفريقيا الأخرى أيضًا، ومن بينها الأجزاء التي مزقتها النزاعات في مالي ونيجيريا حاليًا.
على الرغم من أن تفضيلهم من قبل واشنطن، هو شيء لا يسعى وراءه بنشاط الصوفيون في غرب إفريقيا، إلا أن الاهتمام الإيجابي غير المرغوب فيه، قد يحمل مع ذلك جوانب سلبية. في بعض التحليلات الموجهة سياسيًا وحتى في التناولات الإعلامية، غالبًا ما يُفهم ضمنيًا أن الصوفيين الأفارقة هم “مسلمون جيدون” على وجه التحديد لأنهم “توفيقيون” – وفقًا للعديد من الصحفيين وصانعي السياسات… غالبًا ما تقارن الصحافة الخاصة بالإسلام في إفريقيا بين صورة الصوفية التي يُفترض أنها سلمية و”غير تقليدية” مع الصورة المشوهة المبالغ فيها “للتشدد” “الوهابي” الذي نشأ في الشرق الأوسط. يشير الصحفيون وصانعو السياسة أحيانًا إلى أن كثرة الاتصالات مع العرب ستدمر المسلمين الأفارقة، وهي فكرة تعود أصولها جزئيًا إلى المخاوف البريطانية والفرنسية بشأن “الدعاية السياسية الإسلامية” التي هددت بتقويض سيطرتهم على أماكن مثل شمال نيجيريا.
خلال إدارتي بوش وأوباما، تركز اهتمام واشنطن غالبًا على الشرق الأوسط وأفغانستان – ولكن عندما وصل اهتمام صانعي السياسة الأمريكيين إلى غرب إفريقيا، كانت هناك طموحات كبيرة ليس فقط بشأن تفكيك المنتسبين إلى القاعدة (ولاحقًا إلى تنظيم الدولة الإسلامية). ولكن أيضًا بخصوص إعادة تشكيل إسلام غرب إفريقيا ككل. افترض أن العديد من المجتمعات- حتى المجتمعات التي أظهرت القليل من الميل للعنف- بحاجة إلى إرشادات حول معاني القرآن ورسائله، وحول العلاقة الصحيحة بين الإسلام والليبرالية، وما إلى ذلك. الجهود المبذولة “لتضخيم الأصوات المعتدلة” هي في الواقع محاولة لتقرير من سيتحدث باسم الإسلام – فالمعتدل، في النهاية، من يحدده في هذا السياق، هو الحكومة الأمريكية. تلاشت أجندة مكافحة التطرف العنيف قليلاً في ظل أجواء السياسة الفوضوية تحت حكم ترامب، لكنها قد تعود (تحت أي اسم) تحت قيادة بايدن.
أظهر صانعو السياسة الأمريكيون القليل من التردد في إعادة صياغة التاريخ الإسلامي لغرب إفريقيا في صور تخدم أجندات اللحظة الراهنة. ومن الأمثلة على ذلك زيارة جون كيري، وزير الخارجية آنذاك، إلى صكتو في نيجيريا، عام 2016، حيث أعاد صياغة تاريخ المدينة باعتباره أحد (نسخه) عن “المساواة والتسامح؛ العدل والرحمة، الرحمة والتواضع”. هذه كلها قيم نبيلة، لكن المرء يتساءل ما الذي فهمه كيري حقًا عن الأسس العنيفة، لما يسمى، في الغالب، بخلافة صكتو، التي أسسها العالم العظيم عثمان دان فوديو (توفي عام 1817) في أوائل القرن التاسع عشر. دراسة دان فوديو وشجاعته تستمر في إلهام المسلمين في نيجيريا وحول العالم، ولكن من المهم أن تأخذ القائد كما كان – وهو ما يعني، على الأقل، التفكير في سبب اعتبار بعض المسلمين في عصره مشركين وكافرين. يمكن للمرء أن يعجب بدان فوديو، لكن من المبالغة أن نتخيل أنه سيجد الكثير من القواسم المشتركة مع شخص مثل كيري. إن استعداد سلطان صكتو الحالي للسماح لنفسه ولتاريخ صكتو بأن يكونا أدوات في أيدي وزير خارجية أمريكي يثير أسئلة غير مريحة أيضًا حول كيف تخلق السياسة الوطنية والدولية المعاصرة حوافز للقادة المسلمين في إفريقيا وأماكن أخرى، لحشر أنفسهم في صناديق بنتها القوى الغربية.
الثنائيات الغربية – سواء كنت “متطرفًا عنيفًا” أو صانع سلام ليبرالي – محدودة ومقيدة بطبيعتها ويبدو أنها في الواقع تمنع بناء السلام الفعلي. التفكير بمنطق الأمة يعتمد جزئيًا – على الأقل من وجهة نظري – على قدرة المسلمين على رؤية بعضهم البعض خارج الثنائيات والفئات التي تسعى الدول الغربية (أو أي دولة) إلى فرضها وتعميمها على أرض الواقع.
تلقي الحرب على الإرهاب بظلالها أيضًا على المناقشات الدينية بين المسلمين في غرب إفريقيا أو بين المسلمين الأمريكيين الذين يهتمون بغرب إفريقيا أو يقضون وقتًا فيها أو يدعون إليها. بالطبع من الطبيعي بالنسبة للصوفيين، بعد أن أطلق عليهم “مبتدعين” أو “مشركين” أو “كفار” حتى، أن يتصدوا للسلفيين بشدة. ومع ذلك، فإن بعض التعبيرات المعادية للسلفية يمكن أن ترتد بطرق خطيرة في بيئة صنع السياسات التي تُعادل فيها السلفية العقائدية أحيانًا نوعًا من الإرهاب الخفي. نظرًا لأن العديد من المعلقين السياسيين المسلمين في غرب إفريقيا يحاججون بأن عنف اليوم هو نتيجة مباشرة للوعظ “الوهابي” في الثمانينيات، علاوة على ذلك، قد يكون من المغري لبعض المسلمين وغير المسلمين أن يراكموا على هذه الحجة – لكنها في النهاية تبسيط، بل وحجة مضللة حتى؛ نظرًا إلى أن الكثير من أشكال التشدد تبدو أنها استجابة للأحداث السياسية، وانتهاكات حقوق الإنسان، والتوترات الكامنة بين الطوائف، وليس مجرد نتيجة لـ”الوعظ الوهابي”. أحد التطورات المفيدة، على صعيد تهدئة النقاشات العقائدية وامتداداتها إلى السياسة، هو أن العداء الصوفي السلفي الذي بلغ ذروته في الثمانينيات والتسعينيات في غرب إفريقيا، بدأ يضعف قليلاً في بعض الأوساط. ومع ذلك، لا يزال الدفاع عن عقيدة المرء ممارسة محفوفة بالمخاطر، نظرًا لأن الأقوياء من غير المسلمين قد قرروا الآن أن لديهم مصلحة في تلك المناقشات.
الأمة المسلمة هي مجتمع فريد ولكن ضمن هذا المجتمع توجد شبكات من الروابط أكثر خصوصية، وذات أبعاد تاريخية. حاول هذا المقال إعطاء مثال واحد على ذلك، ولكن هناك العديد من الأمثلة الأخرى – حتى من حيث العلاقات الثنائية فقط بين المجتمع المسلم الأمريكي (أو أقسام منه) وبين قطاعات مميزة أخرى جغرافيًا أو ثقافيًا من الأمة، وهي قائمة ستكون طويلة جدًا. يتم تشكيل كل هذه العلاقات الثنائية بعد ذلك من خلال التاريخ ولكن أيضًا من خلال السياسة المعاصرة، ومن خلال السياسة الداخلية للأمة والأطر السياسية التي تفرضها قوى مثل “الحرب على الإرهاب”، يمكن أن تستغل الانقسامات داخل الأمة.
يتمثل الترياق، جزئيًا، في البحث عن توضيحات حول الظروف والتحديات الحقيقية التي يواجهها المسلمون، من بينها تلك التحديات في بعض الأماكن الفقيرة للغاية والتي تمزقها النزاعات، ولكن دون السماح لأطر الغرباء أو حتى للتعاطف الديني الفردي بأن يقود المرء إلى التبسيط والرومنطيقية، أو إلى تبني وجهات نظر متشائمة. يبدأ التفكير بمنطق الأمة بدعوة أو تطلع إلى وحدة وتضامن مسلمين عالميين لكنه لا ينتهي عند هذا الحد. يمكن لشبكات العلاقات الأكثر تحديدًا بين الشعوب والأماكن، على الأقل عندما يتم التعامل معها بطريقة مفتوحة والنظر إليها كجزء من ذلك الكل الأوسع، أن تعزز وتثري الهدف العام للوحدة.



