لا يندرج مفهوم الشكل المدرسي forme scolaire في مصطلحات الوجدان المشترك، بخلاف مصطلح التمدرس scolarisation ونزع الصفة المدرسية déscolarisation، فإنهما يثاران بصفة متواترة في الجدل السياسي والفلسفي حول التربية.
من المؤكد أن الشكل المدرسي في زمننا الحاضر يمثل نموذجا ثقافيا قائما ومعروفا في كل دول العالم، مهما كانت درجة النموّ الفعلي للتمدرس في بلدانها. ونظرا لبلوغ الشكل المدرسي هذا المستوى من العالمية يمكن اعتباره “مؤسسة كونية” (موليني، 2005، ص. 150).
إن ابتكار الشكل المدرسي أمر سابق على التمدرس المكثف للمجتمعات، ومع ذلك فقد سمح بتعليم أعداد متزايدة في صفوف الأطفال، فالراشدين.
واليوم تتقاطع وتتنافى أو تتعارض ممارسات تربوية شكلية formelles (في المدارس) ولاشكلية informelles (داخل هذه المدارس أو خارجها) وغير شكلية non-formelles (معارف مكتسبة من غير طريق الدراسة، خارج المؤسسات التعليمية).
تندرج دراسة الشكل المدرسي في تحليل الظاهرة تعقّد الظواهر التربوية. فهذا الشكل يتعلق في الآن نفسه بالتنظيم، وبالمأسسة، وبالفلسفة التربوية، وبالبيداغوجيا، وقد تم تنزيلها معا في إطار تربوي واحد (فرانكوم، 2010، ص. 14).
إن “الشكل المدرسي” للتربية هو تنظيم لتعليم منهجي بما هو نقطة عبور اضطرارية [للمتعلمين] في مكان وزمان مخصوصين، يقيم منوال تنشئة اجتماعية دائم في تشكيلة تاريخية معينة. وهذا الشكل/ التنظيم يختص بـ” مجموعة متجانسة من الملامح، التي نجد في مقدمتها إقامة عالم منفصل للطفولة، وأهمية الالتزام بقواعد معينة في التعلم، والتنظيم العقلاني للزمن” (فنسان وآخرون، 1994، ص. 39).
ما يميز الشكل المدرسي للتربية عن المنوال التعليمي القديم، هو تفضيله للكتابي (في مقابل الشفهي) في تمرير المعارف النظرية والعملية، وفصله للتلميذ عن عالم الراشدين والسياقات الحية لهذا العالم. فضلا عن ذلك، يفرض الشكل المدرسي للتربية الخضوع لقواعد ولمدونة سلوكية مخصوصة تتسم بعقلنة صارمة تأخذ مكان العلاقة الشخصية القديمة المشوبة بقدر من النزعات الوجدانية (عواطف- انفعالات- مشاعر وأحاسيس) وهو ما يوجِد علاقة اجتماعية من نمط جديد.
هنا لا يسمح للطفل في التصرف في طاقته ووقته، ولا حتى في فضاء نشاطه، كما يحلو له. فعليه أن يلتزم بالتنظيم الصفي في القسم، وبجدول أوقات معين وأن يطيع القواعد السلوكية المدونة على جدار قاعة الدرس، وعليه خاصة الالتزام بقاعدة الصمت. أما المعلم، فعليه أن يكتفي بالمراقبة وبتسيير القراءة والتمارين المدونة في الكتب المدرسية، وأن يطبق بكل برودة دم قائمة العقوبات المعدّة بكل عناية بحسب كل نوع من أنواع المخالفات. هذا التحول في التربية مرتبط بطبيعة الحال بتغييرات أخرى جرت في المجالات السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية الحضرية وغيرها (شارتيي، 1976، فنسان، 1980، ذكره فانسان، 2008، ص. 49).
من الناحية التاريخية، لم يتشكل الشكل المدرسي دفعة واحدة ولا في مكان واحد، ولكنه ظهر على التدريج وفي أماكن مختلفة (ربما بشكل ما لدى اليونان والرومان، ثم لدى المسلمين). وقد اختفى هذا الشكل (في أشكاله الأولى) لمدة قرون، ثم عاود الظهور في أوروبا خلال القرن السادس عشر للميلاد واستقر بصفة نهائية وبصفة صريحة وواضحة منوالا عالميا للتربية (أودجييه، 2008، ص. 9).
من أهم خصائص الشكل المدرسي للتربية:
- إقامة ظرف مكاني- زماني (المدرسة- السنة الدراسية) معين حيث يوزع الأطفال في مجموعات بحسب سنهم ومستوياتهم التعليمية، للارتقاء تدريجيا في السلم الدراسي.
- تلقي معارف مقسمة وموزعة على مواد مدرسية بحسب سلم زمني معين.
- يتعامل مع هذه المعارف كما لو أنه مستقرة لا تتبدل ولا تتطور، ولذا فهي تودع في مناهج (من مدخل المحتويات) وفي كتب مدرسية يتم العمل بها لسنوات مديدة تفوق أحيانا حتى في الوقت الحاضر في بعض البلدان، العشرين سنة.
- هذا الشكل المدرسي لا يمثل قوقعة فارغة من الناحية القيمية، بل يمثل نمطا مخصوصا من التنشئة الاجتماعية. هذا النمط يفرض على التلميذ إخضاع سلوكه لجملة من القواعد، لا بدافع الخوف أو الخنوع، [ولا بدافع الرغبة]، بل من باب ممارسة تمرين شخصي وجماعي للعقل (القواعد المحايدة التي يخضع لها الجميع) (أودجييه، 2008، ص. 9)..
بعد قرون من سيادة الشكل المدرسي على التربية، بدأت تظهر تعابير نقد واحتجاج عليه. ومن بين أهم ما يعاب عليه:
- طابعه الاصطناعي في التربية، الناتج عن فصل المدرسة عن العالم، بشقيه الطبيعي والاجتماعي. وهو ما يمثل هدرا، بل غيابا للمعنى (أودجييه، 2008، ص. 9).
- هذا الفصل عن العالم ينتج عنه افتقاد المتعلمين لمهارات وكفايات يستخدمونها لاحقا في الحياة العامة وفي الحياة المهنية، ومن هنا عدم ملاءمة ملامح خريجي المدرسة لمتطلبات سوق الشغل.
- كما ينتج عنه اكتساب معارف مذررة لا تنفع في مواجهة الوضعيات- المشكل فائقة التركيب والتعقد التي توجد خارج المدرسة.
- إجراء نقول تعليمية transpositions didactiques تؤدي إلى تعليم معارف لا هي بالنظرية الحقة ولا هي بالتطبيقية حقيقة. أي معارف هجينة تفتقد للمتانة العلمية وللنجاعة وللفعالية التطبيقية
- تقديم دروس على أساس أنها أجوبة، ولكن لأسئلة لم ينتظر طرحها (من قبل المتعلمين).
- الطابع الجامد للعلاقة التربوية…علاقة بدون روح…ومن هنا يأتي الملل وكراهية الدراسة..
- · …الخ.
لم يكتف المعترضون على الشكل المدرسي المهيمن على التربية بمجرد الاحتجاج والنقد، بل بادر العديد منهم إلى اقتراح البدائل، التي جاءت في شكل “تطوير” أحيانا، وفي شكل ثورة بيداغوجية مؤسسية أحيانا أخرى، بل وصل الأمر ببعضهم إلى المناداة بتفكيك هذا الشكل بالكامل…ولكن هذا أمر يختلف عن مجرد التربية خارج المدرسة، لأن الشكل المدرسي لا ينطبق على التربية المدرسية فقط بل أصبح يغزو العديد من دوائر النشاط والتكوين في محيط المدرسة القريب والبعيد.
يمكن اعتبار حركة البيداغوجيا النشيطة مع فريني وديوي ومونتسوري وكلاباراد وغيرهم، والتي كان روسو من بين روادها في مستوى التنظير التربوي، أشكالا مختلفة من البدائل عن الشكل المدرسي المهيمن.
كما أن دعوة البعض (من أمثال فانسون، 2008) إلى اعتماد “التنشئة الديمقراطية ضد الشكل المدرسي” بديلا عن نمط التنشئة الاجتماعية السلطوي الجاف الذي يكرسه هذا الشكل في التربية.
المدرسة التكوينية المفتوحةّ: مقترح بنموذج جديد في الشكل المدرسي
لسنا بالتأكيد من بين الأوائل الذين دعوا إلى تجديد الشكل المدرسي والقطع مع النموذج القديم منه، فقد ظهرت منذ روسو إلى يومنا هذا محاولات عديدة في هذا المضمار، من أبرزها مدرسة فريني الديمقراطية الاجتماعية الشعبية وورشات جون ديوي ضمن منظور التعليم الديمقراطي الموجه لغايات عملية، وحتى المحاولة الفاشلة لمدرسة سومرهيل جديرة في نظرنا بالتنويه، رغم لا تسييرتها المفرطة، إذ أنها قد حملت روحا تجديدية ثورية ولكن على نحو مبالغ فيه. وقد أشرنا منذ حين كذلك إلى مقترح غي فانسون Guy Vincent (2008) بخصوص التنشئة الاجتماعية الديمقراطية وتطويع الشكل المدرسي لهذا الضرب الجديد من التنشئة.
من جهتنا، نقترح بعض العناصر الأولية لشكل مدرسي جديد، نضعه تحت مسمى “المدرسة التكوينية المفتوحة” école pour une formation ouverte
نبدأ تقديم هذا الشكل المدرسي التكويني ببعض المقدمات الفلسفية التربوية.
أولا- الفلسفة التربوية للمدرسة التكوينية المفتوحة:
التربية والثقافة:
هل التربية جزء من الثقافة أم إدماج فيها؟ ما الفرق بين المكتسبات الثقافية (اللغة- السلوك الاجتماعي- العادات..الخ) والمكتسبات التربوية؟ الثقافة بما هي تربية في وضعيات حية حقيقية والتربية بما هي ثقافة في وضعيات اصطناعية.
خصائص التربية التكوينية المفتوحة:
تتكون الفلسفة التربوية لهذا النموذج الجديد المقترح من التوجهات والمبادئ الأساسية التالية:
– رفع الحواجز بين التربية والثقافة والتقنية، أي الاقتراب أقصى ما يمكن من وضع التربية في السياقات الثقافية الحية، التي تستمدج تعلّم اللغة والقيم والتقنية والحساب والحجاج عن الأفكار بضروب شتى من الحجج العقلية والواقعية والثقافية.
- الديمقراطية الاجتماعية، أي الديمقراطية بما هي أسلوب لإدارة شأن الجماعة والتوزيع العادل للإمكانيات المادية والمعنوية المتاحة لها.
- البنائية الاجتماعية والثقافية، وهي من روافد الديمقراطية الاجتماعية على المستوى المعرفي.
- تربية الحرية: التربية بالحرية على الحرية، وهو ما يستتبع المشاركة في صياغة العقد التعليمي والمنهاج وفي صنع القرار داخل المجموعة، وحسم النزاعات واحترام الآخر المختلف، والمساعدة على التفكير المتشعب الذي هو من خاصيات الإبداع الفكري.
- تربية المواطنة بمنوال ديمقراطي اجتماعي
- الجمع بين النجاعة والقيم (الانضباط- التضامن- الإنصاف- الإبداع- التنوع- التعايش).
- اعتماد نمط تكويني للشخصية مرن يخفف من الضغط النفسي على الأطفال وعلى المربين (plus ou moins informel).
- يمكن للأولياء أن يسهموا في أنشطة الأطفال بكل أريحية. كما يمكنهم تلقي تكوين على كيفية مساعدة أبنائهم على التخلص من صعوباتهم التكوينية وعلى تملك الكفايات والمهارات المرغوب فيها.
- غايات التكوين هي إعداد الأطفال والشباب ومساعدتهم على تفتيق مواهبهم وتفتح شخصيتهم وبنائها بناء سويا وإعدادهم إعدادا مباشرا للحياة العملية وحل المشاكل الاجتماعية في جوانبها التقنية والتنظيمية والقيمية والتخلق بأخلاق المواطنة مع تجنب حشو أدمغتهم بما لا يفيدهم في كل ذلك (استبدال مدخل المحتويات بمدخل الحاجات الوظيفية) وتحصينهم ضد التطرف والنزوع إلى العنف غير المشروع.
ثانيا- هندسة فضاءات التكوين:
يجب أن تكون هندسة فضاءات التكوين وظيفية وتواصلية.
– تغيير الأقسام وقاعات الدرس التقليدي المصندقة بـ:
- روضات ونواد في المرحلة الماقبل-مدرسية وفي المرحلة الأولى من التعليم الأساسي.
- ● وبنواد وورشات وحلقات تكوينية ومخابر في ما تبقى من المستويات.
وهذا يحول المدرسة إلى مركّب ثقافي وعلمي ورياضي (مركب ثقافي وعلمي للأصاغر- للأواسط- للفتيان). وهو ما يعني بداهة التخلي عن الشكل الصندوقي للقاعات وتحولها إلى مسارح صغيرة ومخابر وورشات وحدائق وفضاءات للعب تشبه الفضاءات الطبيعية (للتدرب على مواجهة الصعوبات الحقيقية خارج فضاء التكوين) ومكتبات عصرية وقاعات إعلامية وملاعب رياضية وقاعات سينما وفضاءات لتربية الحيوانات الأهلية.
- النوادي المتنقلة (رحلات إلى المحيط القريب والبعيد مع إقامة ومن دون إقامة).
- يحتوي كل مركب ثقافي-علمي- رياضي على مطعم للأطفال والمنشطين معا وعلى بيت صلاة ومركب صحي عصري.
ثالثا- المناهج:
- استبدال الدروس التقليدية بالنوادي والورشات التالية:
- القراءة والإنتاج الكتابي ودروس النحو والصرف بنادي القصة (الورقية والرقمية مع المراوحة بينهما).
- درس التعبير الشفوي بنادي المسرح وبنادي التواصل الرقمي وبمخبر اللغات.
- درس الإيقاظ العلمي بنوادي ومخابر العلوم والجغرافيا وعلم الفلك. التاريخ والجغرافيا يقع التكون فيهما بطريقة المعاينة الميدانية خارج فضاء التكوين (في المحيط القريب والبعيد: تضاريس- آثار-متاحف.. الخ) مع الاستعانة بخرائط ورسوم وبيانات.
- درس الحساب بنادي الألعاب الفكرية في السنة التحضيرية والسنة الأولى والثانية.
- حصص التربية الفنية والتقنية بنادي الفنون الجميلة والسينما والموسيقى والإعلامية وبورشات الصناعة والفلاحة.
- حصص التربية الاجتماعية بنادي المواطنة وآداب السلوك الحميد والتربية على النزاهة والإنصاف- التربية على الحوار وعلى السّلم (حوارات مباشرة- مراسلات- تخاطب عبر الفضاءات الاجتماعية الافتراضية).
- حصص التربية الدينية بنادي القرآن والحديث والسيرة النبوية وبممارسة الصلاة في بيت عبادة يتميز بمواصفات تجلب الراحة النفسية والبدنية لمرتاديه ومجهز بمكتبة ورقية ورقمية دينية.
- حصص للتربية الصحية والبدنية في ملاعب مهيأة ومجهزة بطريقة مناسبة.
رابعا- المقاربة البيداغوجية والديداكتيكية:
- العمل بروح بنائية.
- استبدال مفهوم التعلم بمفهوم النشاط والتكوّن واستبدال مفهوم التعليم بمفهوم التنشيط والتنظيم والتكوين.
- اعتماد كبير لمفهوم الممارسات الاجتماعية المرجعية في النقل التكويني.
- اعتماد التركيب والإدماج ثم التحليل وإعادة التركيب الواعي.
- التسامح مع الخطإ واعتماده منطلقا لبناء استراتيجيات تكوين وتكوّن.
- العمل ببيداغوجيا المشروع والبيداغوجيا المؤسسية.
- دمج الأبعاد العرفانية والوجدانية والمهارية
- يختار الأطفال بحرية التنقل بين النوادي والورشات.
- في مستوى السنة الخامسة والسادسة تقدّم قواعد اللغة بصفة صريحة ضمن حلقة اللغات.
- توظيف التقنيات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي الافتراضي.
خامسا- التكوين:
- يكوّن “المعلمون” تكوينا معرفيا في مجالات علمية مختلفة وعلى تقنيات وأساليب التنشيط وعلم نفس الطفل.
- ينتدب مختصون في التربية البدنية ومدربون على الرياضات الفردية والجماعية.
سادسا- التوجيه المدرسي والمراحل التكوينية:
- يوجه الأطفال بصفة مبكّرة إلى الشعب والتخصصات التي يميلون إليها ويظهرون فيها كفايات ومهارات متميزة.
- التعليم الإعدادي يتمثل في وحدات تكوينية مختصة تعدّ لمناظرة الدخول للتعليم الثانوي المختص: آداب- فنون جميلة- علوم/رياضيات- إعلامية- تقنية- علوم اقتصادية..الخ.
سابعا- التقييم:
– تجرى اختبارات في نهاية كل وحدة تكوينية من أجل مزيد تجويد كفايات المتكونين.
– تتحول الباكالوريا إلى مجموعة شهادات تكوين تجد ما يناسبها في مراحل التكوين اللاحقة ثم في سوق الشغل.
ثامنا- خطة التنفيذ:
- البدء مثلا بتجربة نموذج المركب الثقافي والعلمي والرياضي في مدرسة نموذجية حديثة بتمويل مشترك من وزارة التربية واليونسكو.
- التعميم المتدرج بتطبيق مبدأ التمييز الإيجابي أي البدء من الجهات والمناطق المحرومة وصولا إلى الجهات والمناطق الأكثر حظا اجتماعيا وثقافيا.
يمكن أيضا في صورة العمل بقانون الوقف طلب التوقيف على بعض فضاءات التكوين النموذجية وحتى المعمّمة لاحقا.



