مايكل هيرش[1]
في غضون ما يزيد قليلاً عن الشهر، غيّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالفعل مسار هذا القرن الفتي والمضطرب. لقد أحيا خطر الغزو الإقليمي والحرب النووية. وهز أوروبا الغربية وأيقظها من سباتها الطويل بعد الحرب؛ مما زاد من احتمالية إعادة تسلح ألمانيا سريعًا. لقد فرض تتويجًا لعقدين من سوء قيادة الولايات المتحدة من خلال تحديه القوة والنفوذ الأمريكيين.
قبل كل شيء، مع غزو بوتين لأوكرانيا، يحاول الأخير إكمال العمل على مشروع تدمير ضخم مدعوم ضمنيًا من قبل العديد من قادة العالم الآخرين، وخاصة الرئيس الصيني شي جين بينغ. يريد هؤلاء القادة معًا كسر ما يرونه هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي وتقويض الفكرة القائلة بأن العالم مرتبط بمجموعة مشتركة من القيم المنصوص عليها في القانون الدولي، تدعمها مؤسسات مثل الأمم المتحدة.
النظام العالمي الجديد الذي يهدف هؤلاء إلى تثبيته تهيمن عليه الحضارات المتنافسة – والاستبدادية على نحو متنام – كل منها يسيطر على الفضاء الجيوسياسي الخاص به. يعتزم بوتين بوضوح أن تكون روسيا الكبرى التي تشمل على أقل جزء من أوكرانيا، واحدة منها؛ ما يعطي صدى وحشيًا لإعلانه عام 2020 بأن “روسيا ليست مجرد دولة. إنها حقًا حضارة منفصلة “.
قال تشارلز كوبتشان، المسؤول الأمريكي الكبير السابق والباحث الآن في جامعة جورج تاون: “يجب النظر إلى هذا الصراع من منظور حضاري، وليس فقط من منظور جيوسياسي”. “إنه صراع فريد من نوعه في الوقت ذاته، لاسيما بالنسبة لبوتين وروسيا، ولكنه أيضًا جزء من تنامي أوسع في القومية الإثنية ودورها في السياسة العالمية، فضلاً على أنه رد فعل عكسي على العولمة.”
هل بوتين ما زال بإمكانه أن ينجح – على الرغم من الفوضى الدموية التي أحدثها بسبب غزوه المزمع (غير المكتمل) حتى الآن؟ لا تزال النتيجة معلقة في الهواء، ومعها شكل عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي اعتقد العديد من الخبراء أنه لا يزال قيد العمل، قبل غزو بوتين، على الرغم من الإخفاقات العديدة للعولمة والديمقراطية في العقدين الماضيين.
قد يستغرق الأمر عدة أشهر أو حتى سنوات قبل الوصول إلى نتيجة. بعد عقدين من التراجع نحو القومية والاكتفاء الذاتي واللامبالاة منذ عام 2001، يعيد النظام الدولي تأكيد نفسه في مواجهة عدوان بوتين. فرضت الدول الغربية الكبرى، إلى جانب حلفاء الولايات المتحدة مثل اليابان، عقوبات غير مسبوقة وسعت إلى خنق موسكو اقتصاديًا. ويرجع الفضل في ذلك جزئيًا إلى القرارات المتبادلة بقطع المدفوعات الدولية عن العديد من البنوك الروسية. وقد توقع الاقتصاديون الذين شملهم الاستطلاع من قبل البنك المركزي الروسي تسارع التضخم إلى 20 في المائة، ويقولون إن اقتصادها قد ينخفض بنسبة تصل إلى 8 في المائة هذا العام.
بحسب جميع الروايات تقريبًا، فإن حرب بوتين هي كارثة عسكرية، فالقيادة والسيطرة “في حالة من الفوضى” إلى درجة رفض بعض الجنود الروس تنفيذ الأوامر وتخريب معداتهم الخاصة، كما يقول جيريمي فليمنغ، مدير وكالة استخبارات الإشارات البريطانية، بحسب تقييم له، في خطاب ألقاه في 31 مارس\ آذار. في الوقت نفسه، فإن ألمانيا – التي خصصت 2 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، في تحول جريء عن ضبط النفس العسكري لها بعد الحرب (العالمية الثانية) – قادت الاتحاد الأوروبي إلى نقل الأسلحة بسرعة إلى أوكرانيا. قالت وزيرة الدفاع الألمانية كريستين لامبريشت في فاعلية للمجلس الأطلسي في 29 مارس/ آذار إن حرب بوتين “وحدت الغرب، ووحدت حلف شمال الأطلسي، ووحدت أوروبا أيضًا”.
بين الانتكاسات الروسية المدمرة في الحرب، والعقوبات الطاحنة المفروضة على الاقتصاد الروسي، والانقسامات داخل الدائرة الداخلية لبوتين التي جرى الإبلاغ عنها، “من الواضح على نحو متزايد أن حرب بوتين كانت خطأً استراتيجيًا فادحًا جعل روسيا أضعف على المدى الطويل. كما قالت كيت بيدينجفيلد، مديرة الاتصالات بالبيت الأبيض في 30 مارس/ آذار.
ولكن ما مدى عزلته حقًا؟ ( أي بوتين) هناك مشكلة. من الواضح أن الأوكرانيين – وأنصارهم في البلدان المجاورة – متحالفون مع الغرب، خاصةً مع ظهور أدلة على الفظائع الروسية. لكن هذا ليس صحيحًا في أي مكان آخر – حتى داخل روسيا. المثير للدهشة أن تقييمات بوتين شهدت ارتفاعًا منذ بدء العمليات العسكرية في أوكرانيا، حيث قال أكثر من 80 في المائة من الروس الذين شملهم الاستطلاع إنهم يدعمون غزوه. هذا وفقًا لمركز ليفادا المحترم، والذي يعد مستقلاً إلى حد ما عن الكرملين، على الرغم من أن النتيجة تعكس بلا شك النظام الغذائي المستمر لدعاية الكرملين الذي يتم إطعامه للجمهور الروسي.
بينما أدانته (أي بوتين) 141 دولة في الأمم المتحدة في أعقاب الغزو مباشرة، القليل من الدول أتبعت ذلك بالأفعال. على العكس من هذا، يبدو أن قادة البرازيل وباكستان وجنوب إفريقيا ودول أخرى أكثر انفتاحًا على منح بوتين تصريحًا للعبور، جزئيًا، على الأقل. قررت دول أوبك أيضًا الوقوف إلى جانب اتفاق مع روسيا بدلاً من الامتثال للضغط الأمريكي لزيادة إنتاج النفط لتخفيف ضغط الأسعار.
قد يكتسب بوتين دعمًا سياسيًا في دول رئيسية أيضًا – أو على الأقل لم يخسره. في المجر نهاية الأسبوع الماضي، في أول انتخابات كبيرة منذ الغزو، هزم بقوة رئيس الوزراء فيكتور أوربان، حليف بوتين، المعارضة التي دعت المجر إلى دعم أوكرانيا. قال أوربان، وهو يوجه إهانة محسوبة إلى الاتحاد الأوروبي: “لقد فزنا بانتصار كبير للغاية بحيث يمكنك رؤيته من القمر، ويمكنك بالتأكيد رؤيته من بروكسل”. كما هاجم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ووصفه بأنه “خصم” وأداة لـ “اليسار الدولي”. كما فاز ألكسندر فوتشيتش، رئيس صربيا المتحالف مع الكرملين، بإعادة انتخابه في نهاية الأسبوع…
على الأرض في أوكرانيا، من الممكن تمامًا لبوتين أن يستمر في تحقيق بعض أهدافه الرئيسية. اتضح هذا الأسبوع أن القوات الروسية تحول اهتمامها إلى تأمين أجزاء كبيرة من شرق وجنوب أوكرانيا بعد توقف هجومها على العاصمة كييف. بدون المزيد من الدعم العسكري الواسع النطاق من الغرب، لن تملك أوكرانيا القدرة على إخراج روسيا. وبالتالي، قد يكون بوتين استقر على حرب طويلة الأمد غير قابلة للحل، حرب يمكن أن تكون لصالحه جيوسياسيًا إذا تولى السيطرة على منطقة دونباس، حيث قاتل الانفصاليون المدعومون من روسيا الجيش الأوكراني لمدة ثماني سنوات. يقول العميد كيريلو بودانوف، رئيس المخابرات العسكرية الأوكرانية، أواخر الشهر الماضي: أنه يعتقد أن بوتين يريد “إنشاء كوريا شمالية وجنوبية في أوكرانيا”، وهي مواجهة لا نهاية لها مثل تلك التي سادت منذ ما يقرب من 70 عامًا في شرق آسيا. قد ينجح بوتين في فرض “حقائق على الأرض” في أوكرانيا. قبيحة، ولكن لا تنمحي، مثلما فعل الإسرائيليون لعقود في الأراضي الفلسطينية المحتلة. (بالمناسبة، إسرائيل تواصل التعامل مع روسيا أيضًا) (إشارة من الكاتب إلى أن إسرائيل مثلها في هذا مثل الدول التي تهادن بوتين والمشار إليها أعلاه كالبرازيل وباكستان وجنوب إفريقيا).
يراهن بوتين أيضًا في المستقبل المنظور على أن الكثير من بلاد العالم لا يستطيع الاستغناء عن النفط والغاز الروسي – وأن بعض هذه البلدان على الأقل، ولاسيما الصين، تشاركه في مناهضته للولايات المتحدة، وفي الأيديولوجية المعادية للغرب. في الواقع، اتبعت بكين خطى موسكو في لوم الولايات المتحدة إلى حد كبير على عدوانها. أعاد المسؤولون الصينيون التأكيد في الأسابيع الأخيرة على أنهم يمقتون “الثورات الديمقراطية الشعبية الملونة” كما يمقتها بوتين. وهي الثورات التي يُفترض أن واشنطن تنظمها.
بعد أن التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع نظيره الروسي، سيرجي لافروف، في أواخر مارس، أكد المتحدث الصيني مجددًا أنه “لا يوجد سقف للتعاون بين الصين وروسيا” من أجل “معارضة الهيمنة”، في إشارة رمزية لنفوذ الولايات المتحدة. ولا شك في أن هذا التعاون سوف يمتد إلى ما أصبح يُعرف بظاهرة “splinternet” (الانقسام والتجزئة المتزايدة لشبكة الإنترنت بسبب قيام الدول بتصفية المحتوى الرقمي لبعض المواقع أو حظرها بالكامل لأغراض سياسية بشكل يتعارض مع عالمية البيانات وحرية تبادلها والوصول إليها)– والتي من خلالها تقوم دول مثل الصين وروسيا بتقسيم ما كان في السابق شبكة إنترنت عالمية إلى مناطق خاصة بها تخضع للمراقبة بعناية. بالتأكيد ليس من قبيل المصادفة، أن بكين كانت تبيع لموسكو بعضًا من أحدث تقنيات جدر الحماية الألكترونية.
مع غزوه لأوكرانيا – التي يعتبرها جزءًا تاريخيًا لا ينفصم من روسيا – لم يتخذ بوتين سوى درجة أكثر تطرفًا مما أدى إل سعي شي (الرئيس الصيني شي جين بينغ) ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى القيام به، وإن كان ذلك بحذر أكبر. وصف شي تجديد الثقافة والحضارة الصينية بأنه “أعظم حلم للأمة الصينية في التاريخ الحديث”. في كتابه The China Wave: Rise of a Civilizational State (الموجة الصينية: صعود دولة حضارية) ، تفاخر المنظر السياسي الصيني تشانغ ويوي، بأن “الصين هي الآن الدولة الوحيدة في العالم التي وحدت ودمجت أطول حضارة مستمرة في العالم في دولة حديثة ضخمة.”
بالمثل، عززت أيديولوجية مودي، أو القومية الهندوسية، وحزبه اليميني بهاراتيا جاناتا من هوية حضارية منفصلة، اكتسبت تعريفها من مناهضتها للإسلام. فمنذ الغزو الروسي، قاد مودي بعناية مسارًا وسطيًا بين شراكة الهند الإستراتيجية المستمرة مع واشنطن وتحالفها طويل الأمد مع موسكو ضد الصين. أو كما كتب سي.راجا موهان مؤخرًا في فورين بوليسي: “تستفيد الهند إلى أقصى حد من استمالة الجانبين”.
ساعدت كل هذه المماطلة، وبدعم من صندوق موسكو الضخم لاحتياطيات العملة، في استقرار الروبل الروسي، وإعادته إلى ما كان عليه تقريبًا قبل الغزو، في نطاق 80 إلى 90 روبل للدولار في 23 فبراير\ شباط. ارتفاع أسعار النفط وأسعار الغاز معًا، ساعدا الروبل من خلال زيادة عائدات الطاقة الروسية. قال سيرجي غورييف، كبير الاقتصاديين السابق في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، إنه ليس من الواضح بعد مدى خطورة تأثير العقوبات على الاقتصاد الروسي. وقال في رسالة بالبريد الإلكتروني: “نحن لا نعرف. لأن بيانات مارس\ آذار لم تظهر بعد. من المحتمل أن الصادرات تراجعت لكن الأسعار ازدادت (ولكن النفط الروسي يتداول مرة أخرى بتخفيضات كبيرة في السعر). لقد انخفضت الواردات بشكل كبير، لذا فمن المرجح أن تمتلك روسيا بالفعل دولارات أكثر من ذي قبل. ستنفق هذه الدولارات لشراء التكنولوجيا والمعدات من خلال بلدان ثالثة “.
لا عجب أنه حتى زيلينسكي يعتقد أن الصراع الكبير القادم لا يتعلق فقط بأوكرانيا ولكن أيضًا على بقاء النظام الدولي نفسه. في خطاب تحريضي أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 5 أبريل\ نيسان، تحدى زيلينسكي شرعية المنظمة العالمية على نحو فعال، واستنكر إخفاقاتها السابقة في وقف العدوان، بما في ذلك اعتداء بوتين. وقال إنه إذا لم تتمكن الأمم المتحدة من تحرير نفسها من حق النقض الروسي (الفيتو) والتصرف بنهاية المطاف، “فسيكون الخيار التالي هو حل نفسك تمامًا”.
ولكن مع ترسخ كل من روسيا والصين في مواقع تحمل حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، قد لا تكون الأمم المتحدة قابلة للإصلاح. حتى ماكرون الفرنسي، الذي يرى نفسه بطلًا للقيم الغربية، شعر بالقلق في خطاب ألقاه في عام 2019 من أن “النظام الدولي يتعرض للاضطراب بطريقة غير مسبوقة” من قبل “دول حضارة أصيلة” مثل روسيا والصين والهند. وأضاف ماكرون أن تلك الدول “أعادت تشكيل النظام السياسي والتفكير السياسي الذي يتماشى معه بقوة شديدة، بإلهام أكبر بكثير مما لدينا”.
ماكرون ليس الشخص الوحيد الذي يعتقد أن الصراع الحقيقي على المستقبل قد ينجم عن السردية العولمية عنه، والتي يتردد صداها بشكل أكبر. كما لاحظ العالم السياسي صموئيل هنتنغتون صراحًة منذ أكثر من عقدين في كتابه “صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي”، يُعتبر مفهوم النظام العالمي بالنسبة للعديد من الثقافات حول العالم مجرد رمز لـ “الهيمنة الثقافية الغربية”. كتب هنتنغتون في كتابه عام 1996: “في عالم ما بعد الحرب الباردة، تحدد الدول بشكل متزايد مصالحها من منظور حضاري”. “إنهم يتعاونون مع دول ذات ثقافة متشابهة أو مشتركة ويتحالفون معها وغالبًا ما يكونون في صراع مع دول ذات ثقافة مختلفة.”
لقد ركز بوتين وغيره من المعارضين على هذا الموضوع بشكل كبير. في خطابه يوم 21 فبراير\ شباط الذي يبرر حربه على أوكرانيا، سعى بوتين بغضب لقلب الطاولة على أولئك الذين اتهموه بخرق القانون الدولي. أعلن أن المنافق الأكبر هو واشنطن. كما قال بوتين: “أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى إعادة تقسيم العالم، وأدت قواعد القانون الدولي التي تطورت منذ ذلك الوقت – وأهمها القواعد الأساسية التي تم تبنيها في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأضفت الطابع الرسمي على نتيجتها إلى حد كبير – إلى أن يكون ذلك في صالح أولئك الذين أعلنوا أنفسهم الفائزين في الحرب الباردة. ثم هاجم العمليات العسكرية الأمريكية والغربية ضد يوغوسلافيا وليبيا وسوريا آنذاك، قائلاً إنها لا تتمتع بشرعية الأمم المتحدة أيضًا. وأضاف: “لكن المثال الذي يختلف عن الأحداث المذكورة أعلاه هو بالطبع غزو العراق دون أي سند قانوني”.
إلى درجة ما معترف بها في واشنطن، لا يزال هذا النقد الموجه لإساءة استخدام القوة الأمريكية يتردد في جميع أنحاء العالم – وسرعان ما التقطت بكين رواية بوتين. قال تشاو ليجيان، المتحدث “الناري” باسم وزارة الخارجية الصينية، في الأول من أبريل\ نيسان: “بصفتها الجاني والمحرض الرئيسي على الأزمة الأوكرانية، قادت الولايات المتحدة الناتو في خمس جولات من التوسع باتجاه الشرق في عقدين أو نحو ذلك منذ عام 1999”.
اكتسب الخطاب المعادي للغرب زخمًا حقيقيًا بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة عام 2016. كان ترامب نفسه أحد المؤلفين المحتملين لمشروع التدمير المناهض للعولمة، واعتنق بفخر أجندة “أمريكا أولاً”. أبدى ستيف بانون، كبير المنظرين الأيديولوجيين السابق لترامب، تعاطفه العلني مع أجندة بوتين الحضارية، قائلاً إن “الغرب اليهودي المسيحي” أيضًا معرض للخطر. حتى أن ترامب، الذي يتنافس على استعادة الرئاسة في عام 2024، أشاد بغزو بوتين في البداية، ووصفه بأنه عمل “عبقري”. (اعترف لاحقًا بأنه على الرغم من غزو بوتين “قطعة أرض كبيرة”، إلا أنه كان “خطأً كبيراً” أن يفعل ذلك). لكن بوتين استفاد كثيرًا من رئاسة ترامب المشوبة بالفضائح والتي تعرضت للسخرية على نطاق واسع. في خطابه يوم 21 فبراير\ شباط، أشار بوتين إلى أن النقاد الأمريكيين كانوا ينتحبون على الكيفية التي قوضت بها أكاذيب ترامب وتحريفاته، الديمقراطية، وشكلت “إمبراطورية أكاذيب”. وقال إن “ما يسمى بالكتلة الغربية التي شكلتها الولايات المتحدة على صورتها ومثالها، بشكل كامل، هي في مجملها” إمبراطورية أكاذيب “.
بعبارة أخرى، أصبحت الديمقراطية على النمط الغربي فاسدة بشكل لا يمكن إصلاحه من وجهة نظر بوتين. كان لديه بعض الأدلة التي تدعمه. قبل أن يقرر بوتين غزو أوكرانيا – التي تعتبر نفسها ديمقراطية مضطربة أصابتها آفة الفساد الجامح – كانت الديمقراطيات الليبرالية في حالة تدهور بالفعل. في العقد الماضي وحده، ارتفعت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في أنظمة استبدادية من 49 بالمائة في عام 2011 إلى 70 بالمائة في عام 2021. وهو ما يعيد العالم إلى مستويات عام 1989، وفقًا لدراسة حديثة أجراها معهد V-Dem، مما يشير إلى أن كل الآمال في انتشار الديمقراطية الليبرالية بعد الحرب الباردة قد تبددت. وقد وجدت دراسة مجموعات المراقبة أن 34 دولة فقط يمكن اعتبارها ديمقراطيات ليبرالية – بعبارة أخرى، الأماكن التي يتم فيها حماية حرية التعبير والصحافة الحرة والانتخابات النزيهة.
نتيجة لذلك، دفعنا عدوان بوتين إلى الاستيقاظ على حقيقة أن العالم المعولم قد يكون في خطر أكبر من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية. في أحد الأفعال الرهيبة التي أدت إلى تقويض التقدم الذي تحقق منذ أكثر من قرن، باختيار بوتين الاكتفاء الذاتي، أعاد الأخير الواقع الناشئ المتمثل في أن العالم قد يعيش بالفعل صراعًا للحضارات، كما توقع هنتنغتون.
وبقدر ما نشهد صدامًا للحضارات، فإننا نشهد أيضًا صدامًا للقرون. فقد كان الغزو المسلح للدول الأخرى من قبل القوى الكبرى، كما اعتقد الكثيرون ذات يوم، انتهى منذ ما يقرب من 80 عامًا مع العصر النووي، اعتقد الكثير منا خطأً أن الحرب العالمية الثانية، التي تخللتها في النهاية سحابتان رهيبتان من المشروم “عيش الغراب” (السحابة النووية)، كانت حقًا الحرب التي أنهت جميع الحروب. الأمر ليس كذلك. عندما أعلن بوتين في الأسبوع الأول من الغزو أن الترسانة النووية الروسية الضخمة كانت تستعد لـ “مهمة قتالية خاصة”، حتى سياسة حافة الهاوية النووية عادت فجأة إلى الطاولة.
لكن دعونا لا نكتب أي نعي لنظام ما بعد الحرب حتى الآن. كلنا ما زلنا هنا، وربما لم يكن هنتنغتون محقًا تمامًا أيضًا. فبفضل بوتين، أعاد الغرب اكتشاف سبب وجوده. لا يريد معظم الأوكرانيين أي جزء من مفهوم بوتين الشرير لحضارة منفصلة – خاصة الآن بعد أن قتل جيشه الرجال والنساء والأطفال بشكل عشوائي تحت ما يمكن أن يسمى جرائم الحرب فقط. لقد تم تنشيط الديمقراطية أيضًا في أحلام الشعب الأوكراني، الذي أُعطي صوتا بليغا من خلال زيلينسكي صاحب الشخصية الجذابة. لا تزال الأمم المتحدة، على الرغم من استخدام روسيا لحق النقض (الفيتو)، تشرف على المساعدات الأوكرانية وإغاثة اللاجئين. هذا العالم المعولم لا يزال سليما إلى حد كبير – وقد استجاب بقوة مذهلة. النظام الدولي لا يزال صامدا إلى حد بعيد.
تعمل وحشية تصرفات بوتين على تغيير الحسابات داخل أقوى دولة في العالم، الولايات المتحدة. هذا مهم لأن تحول أمريكا الداخلي، الذي جرى أولاً، تحت قيادة الرئيس باراك أوباما ثم ترامب الذي ربما قام أكثر من أي طرف آخر بتشجيع بوتين على عدوانه الإمبراطوري. فكما أشار كريس ستيروالت، الخبير السياسي في معهد أمريكان إنتربرايز، في رسالة بريد إلكتروني، فإن حصة السياسة الخارجية في كل انتخابات رئاسية أمريكية منذ عام 2004 – عندما تحول العراق إلى كارثة – “باتت بمثابة دعاوى قضائية حول قضايا انسحاب القوة الأمريكية والتأثير في الخارج. بحلول عام 2020، كان كلا الحزبين السياسيين قد اتفقا على نفس الجانب من القضية “. وقف الديمقراطيون والجمهوريون جنبًا إلى جنب على حد سواء في عام 2014 عندما قام بوتين بضم شبه جزيرة القرم واحتلال أجزاء من شرق أوكرانيا، وفرضوا عليه عقوبات خفيفة فقط. حتى الرئيس جو بايدن اعتنق مفهوم ترامب أمريكا أولاً إلى حد ما من خلال متابعة خطة سلفه للانسحاب السريع من أفغانستان واعتماد سياسة اقتصادية حمائية جديدة، لاسيما تجاه الصين.
إن موقف عدم التدخل هذا قد يتغير الآن – حتى بالنسبة للعديد من الجمهوريين الذين ما زالوا مدينين بالفضل لترامب. يقول ستيروالت: “مفهوم ترامب (أمريكا أولاً) لم يكن مناسبًا بشكل طبيعي للحزب الجمهوري الذي كان يؤيد المشاركة وإبراز القوة الأمريكية لمدة 70 عامًا”. “عندما غزا بوتين أوكرانيا، لم يدمر فقط فكرة أن روسيا شريك في الاستقرار، بل طوى الصفحة إلى حقبة جديدة من الصراع العالمي؛ على نحو لن يتمكن معه معظم الناخبين الجمهوريين أبدًا من التسامح مع فكرة قبول أمريكا لمطالب الكرملين.”
قد تكون العقوبات غير المسبوقة المفروضة على روسيا قد بدأت أيضًا في التأثير على حسابات أقرب حليف لها، الصين، التي اغتنت، بعد كل شيء، من خلال تجارة العالم المعولم.
بينما تقف بكين رسميًا إلى جانب بوتين، ظهر معارضون. في الشهر الماضي، كتب هو وي “Hu Wei”، نائب رئيس مركز أبحاث السياسة العامة، الذي يشرف عليه مجلس الدولة الصيني، أن الصين ستصبح أكثر عزلة من قبل العالم إذا لم تتحرك لقطع العلاقات مع بوتين. وكتب: “لا يمكن ربط الصين ببوتين ويجب عزلها عنه في أسرع وقت ممكن”. الشركات الصينية تراهن بالكاد على نجاح نصيب شراكتها مع روسيا. وفقًا لتقرير حصري لرويترز، قامت مجموعة سينوبك الصينية التي تديرها الدولة، وهي أكبر شركة لتكرير النفط في آسيا، مؤخرًا “بتعليق المحادثات بشأن استثمار كبير في البتروكيماويات ومشروع لتسويق الغاز في روسيا … استجابة لدعوة حكومية للحذر مع تصاعد العقوبات بسبب غزو أوكرانيا. “
الأسباب واضحة. على الرغم من الدعوات إلى الانفصال عن الغرب، لا تزال الصين تقوم بالتجارة مع أوروبا أكثر بأضعاف مما تقوم به مع روسيا، حتى في مواجهة التوترات التجارية الحالية، تظل واشنطن أكبر شريك تجاري لبكين، حيث تستحوذ الولايات المتحدة على ما يقرب من نصف تريليون دولار سنويًا من السلع والخدمات الصينية.
كتب خبراء في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي (PIIE) الشهر الماضي: “من المؤكد أن الأهداف الجيوسياسية العالمية للصين قد تتوافق جزئيًا مع أهداف روسيا”. وتتشارك موسكو وبكين الرأي القائل بأن الولايات المتحدة ضعيفة اقتصاديًا وأن سلوكها يشكل تهديدًا أمنيًا. لكن المصالح الاقتصادية للصين تختلف عن مخاوفها الأمنية”. على عكس روسيا، التي تعد مصدرًا رئيسيًا للطاقة، فإن اقتصاد الصين مندمج بعمق في الاقتصاد العالمي. أشار تقييم PIIE إلى أن حصة الصين من التجارة العالمية “زادت بشكل ملحوظ خلال الوباء العالمي كما زاد نصيبها من تدفقات الاستثمار المباشر العالمي.” وخلصت إلى أن محاذير بكين الحالية بشأن مساعدة بوتين ماديًا وماليًا – على الرغم من خطابها الرسمي الصارم – يستند على الأرجح إلى إدراكها أن “الجهود الكبيرة لدعم روسيا التي تنتهك العقوبات الحالية يمكن أن تؤدي إلى فرض عقوبات مماثلة عليها”.
خلاصة القول هي أن بكين ببساطة لا تستطيع تحمل العزلة الاقتصادية التي تعاني منها موسكو الآن. لا شك في أن شي يشارك بوتين في طموحاته الحضارية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسعي للسيطرة على بلد آخر يعد في نظر بكين، إقليمًا انفصاليًا مثل أوكرانيا: تايوان. لكن شي، الذي يسعى إلى الحصول على ولاية ثالثة كرئيس، من المرجح أن يبحث الآن عن بديل لغزو تايوان أكثر قبولًا من الناحية الجيوسياسية. ففي عام 2019، رداً على التعليقات المتشددة من إدارة ترامب، أعلن شي أنه سيكون “من الغباء”، ” إذا اعتقد شخص ما أن عرقه وحضارته متفوقة، وأن يصر على إعادة تشكيل الحضارات الأخرى أو استبدالها”.
لذا فإن النضال من أجل النظام العالمي سيستمر، ربما لفترة طويلة جدًا. كما كتب برونو ماسايس، وزير الدولة البرتغالي الأسبق للشؤون الأوروبية، في مقال صدر في عام 2020 بعنوان “هجوم الحضارة-الدولة”، جرى الاستشهاد به كثيرًا:
ما فشل هنتنغتون في رؤيته هو أن الزهو الغربي بحضارة عالمية لم يختف ببساطة. لم نعد إلى عالم هابسبورغ والعثمانيين والمغول…. في هذا العالم، الحضارات المختلفة عالمية في الخبرة والتقاليد إن لم تكن في الطموح؛ قد تتنافس جيدًا على القوة العالمية، لكنها جميعًا تنتمي إلى مشهد سياسي واقتصادي مشترك ومتكامل على نحو متزايد “. صيغة هذا المشهد يتم اختبارها بشكل لم يسبق له مثيل “الآن بعد اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية).
[1] https://foreignpolicy.com/2022/04/10/russia-ukraine-war-postwar-global-order-civilization/



