ذات يوم من أيام بروكسيل المشمسة كنا على موعد، نحن مجموعة من الطلبة في ماستر علوم التربية، مع حصة خاصة بالتدريس في أقسام مختلطة، والاختلاط معناه هنا تعدد الثقافات والأعراق والديانات في القسم الواحد. الطلبة وجلّهن طالبات هنّ أستاذات في الثانوي أو المدارس العليا، أما أستاذتنا فهي سيدة متخصصة في علم النفس، وأذكر أنها كانت متمكنة ومتواضعة وذات حس نقدي، وكانت تحدثنا بين الفينة والأخرى عن ظاهرة توجد في الوسط الجامعي بين المتخصصين في الميدان العلمي الذي تنتمي إليه، ألا وهي وجود صنف من الأساتذة ذوي النفوذ ممن يتشبث بنظريات في علم النفس تجاوزها الزمن، وهم مصرون على فرضها كتيار موجه لهذا الحقل من العلوم! يبدو أن الجمود ظاهرة إنسانية عامة تمس جميع المجالات العلمية وليس الدين فقط كما قد يتبادر للأذهان!!
وإن تغيير الفكرة واستبدالها بأخرى ليس بالأمر الهين، فكأننا نستبدل جزءا من كياننا بجزء آخر، وكأنها عملية صعبة ومرهقة يتم خلالها بتر عضو وغرس آخر غريب عن ذواتنا. وكذلك هي الصور النمطية الملتصقة بالشعوب والأفراد فهي مجموعة من الأفكار الجاهزة حول الآخر تستعصي على التغيير، خاصة إذا أيدتها بعض الشواهد من الواقع أو التجارب الشخصية. حول الصور النمطية بيننا وبينهم سيكون حديثنا في هذا المقال.
لقد استدعت أستاذتنا في صباح ذلك اليوم شخصا قدمته لنا على أنه خبير بظاهرة تعدد العرقيات والديانات في مدارس بروكسيل وأنه محيط بالخلفيات الثقافية والدينية والأسرية للتلاميذ؛ فأن يفهم الأستاذ تلاميذه يقتضي ذلك أن يفهم المحيط الذي يأتون منه فيسهل عليه التعامل معهم. قلت في نفسي باسم الله نبدأ وكلّي آذان صاغية. بدأ الرجل يتكلم وكان جلّ حديثه وصف الأوساط التي يأتي منها التلاميذ خاصة ذوي الأصول المغربية، وللإشارة فهم كثر في المدارس ببروكسيل. وأشار ضمن حديثه إلى أن آباء هؤلاء التلاميذ أميون، وأن البون شاسع بين ثقافتهم الشعبية وثقافة المدرسة المبنية على العلم والعقل. وخص بالذكر هنا لجوؤهم للخرافات والشعوذة.
انتهى عرضه وفُتح باب النقاش، فقلت: “أنا أعرف وكذا العديد من الناس يعرفون أن الرئيس الفرنسي فرونسوا ميترون كانت له منجمة يستشيرها في كل شؤونه، بل يستشيرها في شؤون الدولة، وغيره كثير من المثقفين وأصحاب النفوذ والفنانين ممن لا يستغنون عن خدمات المنجمين والمنجمات. إن المسألة ذات بعد إنساني نفسي متعلق بالمستقبل المجهول والمقلق وهي غير مرتبطة بشعب دون آخر أو فئة دون أخرى.” ولم أرد أن أستطرد لأذكره بما لا شك أنه على علم به وهو فقرة الأبراج القارة التي كانت تذاع في الصباح الباكر قبل الأخبار على أثير الإذاعة البلجيكية العمومية، فلمدّة دقيقة تحدثك سيدة بصوت هادئ جميل عن حظك في الحب والمال والصداقات والصحة!!
يبدو أن الرجل قد باغته جوابي لثوان معدودة، فتجمَّدت عضلات وجهه! أظن أنه تعود أن يطلق كلامه هكذا، بكل ثقة، على مسامع الحضور ودون أن يناقشه أحد!
أتذكر أن أستاذة لمادة الفيزياء وهي يونانية جاءتني في نهاية الحصة لتطري عليّ قائلة “إنك شديدة الذكاء ولا أقول لك هذا لأضخم الأنا لديك!” شكرتها، وأجبتها: “لا أعتقد أنني ذكية لهذا الحد. إن ما ذكرته يعرفه الكثيرون فليس لي شرف سبق اكتشافه!”.
فعلا، يصيب بعضهم الانبهار، خاصة إذا كانت امرأة مسلمة ومحجبة، ليس لأننا شديدات الذكاء، بل لأن حضورنا يزعزع تلك الصورة النمطية التي لديهم فينبهرون. وقد يعجزون عن الاستيعاب فيعتبرونك الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. ثم جاءتني أخرى أصولها إيطالية لتحدثني عن فعاليتهم هم، وعن عمق تفكيرنا نحن. ولا يسعني إلا أن أعترف بنشاطهم في العمل، وقدرتهم على إنجاز أعمالهم في مواعيدها المحددة. المُهم أن ما حدث في ذلك الصباح شاهد على عملية متواصلة لوصفنا وللتحدث باسمنا في غيابنا فهناك أناس ينتمون للأنتلجينسيا intelligentsia الغربية المكونة من المفكرين والأساتذة والفنانين والإعلاميين القريبين من مراكز النفوذ والسلطة، ممن رسموا ويرسمون صورة لنا نحن العرب والمسلمون ويروجونها، فالمرأة –في نظرهم- إما خاضعة لسلطة مجتمع أبوي ظالمة ومستسلمة، أو ثائرة نافرة من مجتمعها ساخطة، وله كارهة. فالأولى وجب تحريرها والثانية ينبغي دعمها وحمايتها واستقبالها وتوشيحها بالأوسمة، توضع على صدرها تقديرا لجرأتها. ورجالنا غلاظ جفاة يعانون من الكبت والعنف المزمنين المُتلازمين، وشعوبنا عاطفية مُغيَّب عقلها، وهي متخلفة في مُحافظتها، وصعب تحديثها وعصي كسر جمود تفكيرها … وأبناؤنا في صراع دائم مع أسرهم وآبائهم الذين يقفون في وجه انطلاقهم وحريتهم. وهذه الصور –بالمناسبة- كلّها وجدتها مجتمعة وأنا أتصفح كتيبا صغيرا يقدم الأفلام التي عُرضت في مهرجان سنيما البحر الأبيض المتوسط ببروكسيل.
لا أظن أن يد أحدنا ستقع على كتيب يعرض أفلاما إنتاجها عربي وتمويلها عربي ونظرتها “عربية مسلمة” تجوب العالم وتتطرق لنقد المجتمعات الغربية، نسائها ورجالها، وأسرها وأبنائها، وأشياء أخرى، فيرى الإنسان الغربي كيف ننظر إليه، وكيف قد نختزله في صور نمطية قد تعلي من قدره، وأخرى قد تصدمه وقد تغضبه أو تهينه! كلها موجودة عندنا وبيننا لكنها لا تروج في الإعلام وفي قوالب فنية وأدبية زاهية.
وفي لقاء مع نساء بلجيكيات حول المرأة المسلمة سألتنا إحداهن عن الصور النمطية للمرأة الغربية عندنا… حقا هذا سؤال لم يسألنِه أحد منهم من قبل، فالإنسان الغربي على العموم واثق من نفسه آمن في سربه، مؤمن بتميزه مزهو بحضارته، فهو المعيار والأصل والباقون تبع وهو يسأل ولا يُسأل ويُنمِّط ولايُنمَّط! لن أحدثكم هذه المرة عن صورتهم عندنا بل سأترككم تستحضرونها!
ويبقى أن الشعوب والأمم الإنسانية شديدة التركيب والتعقيد، واختزال حقيقتها وحصرها في صور نمطية معينة وتعميمها، يجانب الواقع وينافيه!



