في دراسته المنشورة حديثًا تحت عنوان «Islamism, Islamic Modernism and the Search for Modern Authenticity in an Imaginary Past » (الإسلاموية والحداثة الإسلامية والبحث عن الأصالة العصرية في الماضي المتخيل) يقول الباحث ديتريش جونغ إن السؤال المهيمن في التطور الأيديولوجي للعديد من الحركات الدينية والقومية في العالم الإسلامي خلال نهاية القرن التاسع عشر كان هو سؤال الأصالة والحداثة. ويزعم جونغ أن الحركات الإسلامية لم تكن استثناءً في هذا السياق، بل كانت تأكيدا لهذه القاعدة العابرة لمختلف الانقسامات القومية والطائفية والأيديولوجية في تلك الحقبة.[[1]]
يقول جونغ إن الفكر الإسلامي الحديث والفكر المحافظ الألماني المعاصر ظهرا في وقت واحد تقريبًا في الفترة ما بين عامي 1860 و1880، ويشير إلى أن كلتا الحركتين الفكريتين أرادتا الانخراط في التحديث مع الحفاظ في نفس الوقت على التقاليد وربط الحاضر بالماضي، ويشير كذلك إلى أن الحركتين الفكريتين أسستا أصالتهما الخاصة في سياق المواجهة الثقافية مع الغرب.
يشير جونغ إلى أن الروائي الألماني الحائز على جائزة نوبل في الأدب توماس مان (1875-1955) قدم لنا في كتابه (تأملات رجل غير سياسي، “المنشور عام 1918”) لمحة عن النظرة الكونية المبكرة للبرجوازية الفكرية الألمانية المحافظة، التي عبرت عن التباين بين الثقافة الألمانية والحضارة الغربية. لقد أعلن توماس مان من منظور “الجمالية الرومانتيكية” بحسب جونغ الدفاع عن الثقافة الألمانية ضد الحداثة التي حددها في الجمع بين الديمقراطية السياسية والمجتمع الجماهيري (1858).
يشير الباحث كذلك إلى أن عالم الاجتماع والاقتصاد الألماني فيرنر سومبارت (1863-1941) نشر كتابًا بعنوان (التجار والأبطال). وفي هذا الكتاب المثير للجدل، رحب العالم الألماني باندلاع الحرب العالمية الأولى باعتبارها “حربًا مقدسة” بين وجهتي نظر متعارضتين للعالم بشكل جوهري، حرب بين النزعة التجارية المعيبة لبريطانيا العظمى من ناحية والثقافة الألمانية البطولية، وبين نقاء الثقافة الألمانية وسطحية الحضارة الغربية من ناحية أخرى.
يؤكد جونغ على أن هذه النظرة للعالم تشكلت على هذا النحو العميق بسبب الصراع السياسي بين فرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى و- لاحقًا- الولايات المتحدة. ويؤكد كذلك على أن كتابات المؤلفين المذكورين كانت نقدًا جوهريًا للحداثة أيضًا؛ حيث أراد المثقفون المحافظون الدفاع عن تميز الثقافة الألمانية وأصالتها ضد قوى المادية والعقلانية في العصر الحديث. بناء على هذا يبني جونغ في هذا المقال فرضية تقوم على أن الإسلاميين العصريين والمحافظين الألمان تعاملوا مع تحديات الحداثة بناءً على مجموعة مشتركة من الأفكار هدفت إلى الحفاظ على الأصالة في الحياة الحديثة.
يقول جونغ إن “ثالوث” الحداثة جمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905) ورشيد رضا (1865-1935)، وهم الآباء المؤسسون للحركات الإسلامية في القرن العشرين فسروا الإسلام على أنه “نشاط” يتطلب انخراطًا اجتماعيًا، وهو ما يلعب دورًا هامًا بحسب الباحث في بناء الهويات الفردية والجماعية. ويشير في المقابل إلى أن الرومانتيكية الألمانية كانت منشغلة بالبحث عن الأصول، ويقول إن هذا البحث عن الأصول لا يظهر فقط في الأيديولوجيات القومية، بل ظهر أيضًا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في حركات مختلفة للإحياء الديني. ويشير إلى أننا في القومية الرومانتيكية والإحياء الديني نجد أفكارا متشابهة عن الأصالة الفطرية والطبيعية التي يجسدها أبطال العصر الذهبي.
يشدد جونغ أكثر من مرة على تشابه الوعي التاريخي لدى الفكر الإسلامي المعاصر والفكر الألماني المحافظ، وهو وعي مضاد للتصور الخطي للتاريخ في الفكر التنويري الغربي، فالتاريخ بالنسبة للطرفين هو سيرورة تدهور وانحلال وفقدان مستمر للقيم الثقافية الثمينة التي تعود إلى الماضي الذهبي المتخيل.
في ختام مقاله يعيد جونغ التأكيد بشكل خاص على الفكرة السابقة ويقول إن الفكر الإسلامي بات نموذجًا لهذا النمط من الوعي التاريخي، الذي ينظر إلى التاريخ كعملية تفسخ وانحطاط، وباتت تلك البديهية نقطة مركزية في خطاب الحداثة الإسلامي؛ ولذلك تبنت الأيديولوجيات الإسلامية المعاصرة قضية الدعوة إلى استعادة المجتمعات الإسلامية في مواجهة التفوق السياسي والاقتصادي والثقافي الراهن لـ “الغرب”. وأصبحت مهمة السياسة الحديثة لدى الإسلاميين هي مراجعة عملية الانحلال هذه من خلال الرجوع إلى المبادئ الإسلامية النقية في العصر الذهبي. ومن ثم تحولت تصورات الإسلام المبكر إلى مصدر فكري لكل دعوات التغيير الاجتماعي والنضال من أجل الاستقلال السياسي لدى الإسلاميين.



