مارتن إنديك
ترجمة التحرير
إن كيسنجر فيما يتعلق بالملف الإيراني لا يدعو إلى إسقاط النظام. بدلاً من ذلك، يسعى إلى إقناع إيران بالتخلي عن سعيها لتصدير ثورتها والعودة عوضًا عن ذلك إلى سلوك يشبه الدولة. في غضون ذلك، يجب على واشنطن أن تسعى إلى توازن جديد يتم فيه احتواء الدوافع الإيرانية الثورية وموازنتها من خلال تحالف من الدول السنية المتعاونة مع إسرائيل والولايات المتحدة. وبمجرد أن تقرر إيران اللعب وفقًا للقواعد، يعتقد كيسنجر أن الولايات المتحدة بحاجة إلى العمل بشكل متوازن، على نحو يجعلها أقرب إلى جميع القوى الشرق أوسطية المتنافسة.. يقول كيسنجر: “تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق أهدافها الإستراتيجية الخاصة، ويمكن أن تكون عاملاً حاسمًا – وربما العامل الحاسم الرئيسي- في تحديد ما إذا كانت إيران تتبع طريق الإسلام الثوري أو طريق أمة عظيمة تشارك بشكل شرعي ومهم في نظام وستفاليا للدول” [[1]].
لأنه كان يعمل في بيئة تعاني من التقشف والانكماش، كان كيسنجر مدركًا تمامًا لمخاطر التجاوز. ولكن كما يلاحظ في كتابه (عالم مستعاد): “ليس التوازن هو ما يلهم الرجال بل العالمية، وليس الأمن بل الخلود”. وكما أوضح في كتابه الضخم “الدبلوماسية”، الذي نُشر عام 1994، فإن رجال الدولة الأمريكيين نادرًا ما يفهمون أو يحترمون قواعد اللعبة التي يتطلبها مفهومه عن النظام الدولي. غالبًا ما تكون مثالياتهم مدفوعة بإحساس بالعناية الإلهية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط. إنهم يتصورون أن السعي لتحقيق السلام وبناء الأمة ليس فقط رغبة ولكن أمر يمكن تحقيقه وأن المشكلة الوحيدة هي التوصل إلى صيغة صحيحة. وهنا تكمن المعضلة في قلب الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط.
كما فهم كيسنجر، يتطلب الحفاظ على النظام جهدًا موثوقًا به لحل نزاعات المنطقة، لكن حجم طموح رجل الدولة يمكن أن يقوده إلى زعزعة استقرار هذا النظام.
نظرًا لأن حدس نيكسون المبدئي كان هو العمل مع الاتحاد السوفيتي لفرض السلام على عملائهم المتمردين في الشرق الأوسط، سافر كيسنجر في منتصف حرب يوم الغفران إلى موسكو للتفاوض على شروط وقف إطلاق النار مع الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف. في الطريق، تلقى كيسنجر تعليمات صريحة من نيكسون بـ “بذل كل الجهود” لتحقيق تسوية عادلة “الآن” والعمل مع بريجنيف “لممارسة الضغط اللازم على أصدقائنا”. وقد هدد ذلك بقلب استراتيجية كيسنجر الأكثر تواضعًا التي تهدف إلى وقف لإطلاق النار يليه مفاوضات مصرية إسرائيلية مباشرة.
غاضبًا، تجاهل كيسنجر تعليمات الرئيس. كان قادرًا على فعل ذلك لأن نيكسون أرسل هذه الرسالة في الوقت نفسه الذي أمر فيه بإقالة أرشيبالد كوكس، المدعي الخاص في ووترغيت. وأدت “مذبحة ليلة السبت” [[2]] التي أعقبت ذلك – والتي استقال فيها اثنان من كبار المسؤولين في وزارة العدل بدلاً من تنفيذ أمر نيكسون – إلى دفع قادة الكونجرس لبدء إجراءات عزل الرئيس. مع سيادة الاهتمام بالسياسة الداخلية في الولايات المتحدة، تمكن كيسنجر من استئناف العمل على أولوياته الخاصة في الشرق الأوسط.
وقد نجح كيسنجر في تحقيق إنجاز مماثل تحت قيادة فورد التي خلفت نيكسون. فعندما انهارت المفاوضات بين السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في فبراير 1975، أراد فورد عقد مؤتمر في جنيف مع الاتحاد السوفيتي لفرض تسوية سلمية شاملة على إسرائيل وجيرانها العرب. وقد قاد كيسنجر هذه المبادرة لصالحه من خلال العودة إلى الدبلوماسية المكوكية *[[3]]، التي جعلت مصر وإسرائيل أقرب إلى اتفاق السلام النهائي بينهما.
كان رؤساء الولايات المتحدة الذين جاءوا بعد نيكسون وفورد يميلون أيضًا إلى متابعة أهدافهم المثالية للشرق الأوسط دون الاهتمام الكافي بالحفاظ على النظام الإقليمي الذي أسسه كيسنجر. أحيا الرئيس جيمي كارتر فكرة العمل مع الاتحاد السوفيتي لإعادة عقد مؤتمر جنيف لفرض سلام شامل. هذه المرة كان السادات هو الذي قاد وجهة الرئيس الأمريكي، من خلال رحلته إلى القدس في نوفمبر 1977. في كامب ديفيد بعد ذلك بعام، سعى كارتر إلى اتفاق سلام مصري – إسرائيلي منفصل عوضًا عن تسوية شاملة تتضمن حلاً نهائيًا للقضية الفلسطينية.
بعد أكثر من عقدين من الزمان، وافق كلينتون على إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك على محاولة التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في كامب ديفيد في تموز / يوليو 2000، متخليًا عن سياسة كيسنجر «الخطوة بخطوة» التي نفذها رابين في اتفاقيات أوسلو. لقد فهم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أن باراك وكلينتون يعتزمان فرض قرار نهائي على الفلسطينيين، ورفض الموافقة. كانت تلك خطوة قصيرة نحو اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية والقمع الإسرائيلي الذي أعقبها، في حريق عنيف استمر لمدة خمس سنوات، وأدى إلى مقتل الآلاف، ودمر كل الثقة بين الطرفين. رغم ذلك، فإن الرئيسين الأمريكيين باراك أوباما ودونالد ترامب سيحاولان لاحقًا ويفشلان أيضًا في التوصل إلى اتفاقيات لإنهاء الصراع.
قاوم بوش صفارات الإنذار لكي يصنع السلام الشامل، لكنه استسلم للحاجة إلى ما أطلق عليه كيسنجر منذ زمن بعيد “الخلود”. بعد الإطاحة بطالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق، أعلن عن “أجندة الحرية” في الشرق الأوسط، معلناً أن تعزيز الديمقراطية في جميع أنحاء المنطقة “يجب أن يكون محور السياسة الأمريكية لعقود قادمة”. وكانت النتيجة كارثية، أدت في الغالب إلى تمهيد الطريق لمحاولة إيران للسيطرة على العراق وعلى جميع أنحاء المنطقة.
وقد حول بوش أيضًا هدف الولايات المتحدة في أفغانستان من مكافحة الإرهاب إلى مكافحة التمرد وبناء الدولة. وقد أدى هذا القرار أيضًا إلى الإذلال والفشل. بعد عشرين عامًا تُرك الأمر لكيسنجر التسعيني لكي يخبرنا أن “الأهداف العسكرية كانت مطلقة للغاية ولا يمكن تحقيقها والأهداف السياسية تجريدية ومراوغة جدًا”.
على عكس صانعي السياسة الأمريكيين الذين جاءوا من بعده، كان كيسنجر مصممًا على تجنب التجاوزات في الشرق الأوسط. ولكن كانت هناك عدة حالات أدى فيها حذره وشكه إلى حدوث قصور. هذا هو الخطر الذي يواجهه أيضًا الرئيس جو بايدن الآن في الشرق الأوسط بعد أن أنهى الحرب في أفغانستان.
بالنسبة إلى كيسنجر، يأتي النموذج الأول في التصويب المنخفض للغاية[[4]] في يوليو 1972، عندما أعلن السادات فجأة طرد 20 ألف مستشار عسكري سوفيتي من مصر. كان هذا شيئًا دعا إليه كيسنجر قبل عامين. ولكن عندما حدث ذلك، لم يشعر كيسنجر بالحاجة إلى الرد.
أصيب السادات بخيبة أمل. فقد كان قبل خمسة أيام من إعلانه عن الطرد، بعث برسالة إلى كيسنجر أعرب فيها عن رغبته في إرسال مبعوث خاص إلى واشنطن. سيستغرق كيسنجر سبعة أشهر لترتيب لقاء مع حافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومي للسادات. استحوذ العرض التقديمي الذي قدمه إسماعيل على اهتمام كيسنجر. وأوضح المبعوث المصري أن بلاده مستعدة للتحرك بسرعة، قبل الدول العربية الأخرى، وستؤيد حتى بقاء وجود أمني إسرائيلي في سيناء بشرط أن تعترف إسرائيل بالسيادة المصرية على المنطقة.
لكن عندما أطلع كيسنجر رابين، الذي كان آنذاك سفير جولدا مائير في واشنطن، رفض الإسرائيلي عرض إسماعيل ووصفه بأنه لا يقدم شيئًا جديدًا: “لا شيء جديد”، ورفضته مائير أيضًا، وتنازل كيسنجر بهدوء عن الفكرة. التقى إسماعيل بكيسنجر مرة أخرى في مايو لكنه خرج من الاجتماع معتقدًا أن اندلاع أزمة فقط هو ما سيغير من حسابات كيسنجر. بعد أربعة أشهر، أطلق السادات حرب يوم الغفران.
لا يمكن معرفة ما إذا كان الرد الأكثر حيوية من كيسنجر كان سيؤدى إلى وقف الحرب أم لا. والواضح أنه لم يخلص إليه بسبب ثقته الخاطئة في استقرار التوازن الذي أقامه. لقد أغفل كيسنجر في الممارسة العملية شيئًا كان قد أدركه من الناحية النظرية ألا وهو أن: استقرار أي نظام دولي يعتمد “على الدرجة التي تشعر بها مكوناته بالأمان ومدى اتفاقها على “العدالة” و”نزاهة “الترتيبات القائمة”. لهذا السبب، بعد الحرب، قرر مواجهة نقص العدالة من خلال إطلاق مفاوضات مباشرة لإنتاج انسحابات إسرائيلية من الأراضي العربية.
ومع ذلك، لم تكن العدالة للفلسطينيين على أجندة كيسنجر، لأن منظمة التحرير الفلسطينية كانت ممثلة لهم، وكانت آنذاك جهة فاعلة وحيدة غير حكومية تستخدم تكتيكات إرهابية في محاولة للإطاحة بالمملكة الهاشمية في الأردن والقضاء على الدولة اليهودية. فضل كيسنجر ترك القضية الفلسطينية لإسرائيل والأردن. في هذه الحالة، أدى تحذيره إلى إضاعة فرصة ظهرت عام 1974 لتعزيز دور الأردن في التعامل مع المطالبات الفلسطينية. كانت تلك هي اللحظة الأخيرة التي كان من الممكن فيها معالجة المشكلة الفلسطينية في مفاوضات بين دولة ودولة (بين إسرائيل والأردن).
في ذلك الوقت، كان للأردن علاقة خاصة مع فلسطينيي الضفة الغربية، الذين كانوا مواطنيها. ويرجع الفضل في ذلك جزئيًا إلى البريطانيين، كان للمملكة الهاشمية أيضًا مؤسسات حكومية عاملة، بما في ذلك جيش موثوق به ومؤسسة استخباراتية فعالة. على عكس منظمة التحرير الفلسطينية، التي دخلت عملية السلام في عام 1993 بدون مؤسسات حكومية، كان بإمكان الأردن ضمان تنفيذ أي اتفاق تم التوصل إليه مع إسرائيل، كما فعلت مع التزامات معاهدة السلام الخاصة بها. ومن هناك كان يمكن أن يتطور اتحاد كونفدرالي بين دولة فلسطينية في الضفة الغربية والمملكة الهاشمية على الضفة الشرقية.
لتحقيق ذلك، كان على كيسنجر أن يسعى إلى اتفاق فك الارتباط بين إسرائيل والأردن بعد أن أبرم الاتفاقات بين إسرائيل ومصر وإسرائيل وسوريا. كان الملك حسين حريصًا على استعادة موطئ قدمه في الضفة الغربية، وكان الإسرائيليون على استعداد للانخراط بل وحتى على إظهار بعض المرونة. لكن كيسنجر تجنب مرارا المشاركة في هذا الجهد. شجع حسين على التعامل مباشرة مع الإسرائيليين، وهو ما فعله الملك. حذر كيسنجر الإسرائيليين من أنهم إذا لم يستجيبوا، سينتهي بهم الأمر إلى التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية – وهو توقع حكيم. ولكن بعد ذلك، أصر مرارًا وتكرارًا على أنه لن يكون هناك أي ضغط منه وأنه “لا يوجد سبب (للولايات المتحدة) لأن تكون وسيطًا”.
بدون مشاركة أمريكية، لم يتمكن الإسرائيليون والأردنيون من التوصل إلى اتفاق. وفي أكتوبر 1974، في قمتها في الرباط، بالمغرب، أعلنت جامعة الدول العربية منظمة التحرير الفلسطينية “الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني”، وبذلك وضعت حدًا لفرصة حل المشكلة الفلسطينية في سياق أردني. في وقت لاحق، اعترف كيسنجر صراحة بأنه ارتكب “خطئاً كبيرًا”.
كان لديه أسبابه. على الرغم من أنه كان يحب الملك، إلا أنه لم ينظر إلى الأردن كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط، وكان يعتقد أن ذلك يعني أنه لا يحتاج إلى بذل جهود دبلوماسية نيابة عنه. عوضًا عن ذلك، كرس كيسنجر جهوده لاتفاق مصري-إسرائيلي ثانٍ، لأن إخراج مصر من الصراع مع إسرائيل كان هدفه الاستراتيجي الأهم. كان من الممكن في هذا السياق أن يتابع السعي وراء الخيار الأردني، وربما يثير قضية الصراع بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، ويثير مسألة من سيسيطر على القدس، وهي قضية خلافية للغاية سعى إلى تجنبها بأي ثمن.
ساعد إيمان كيسنجر بالتسلسل الهرمي للسلطة الأخير على تحديد الأولويات، ولكنه كان يعني أيضًا أنه لم يولِ اهتمامًا كبيرًا للطريقة التي يمكن بها للدول الأقل قوة وحتى الجهات الفاعلة غير الحكومية أن تعطل من نظامه الذي تم تحقيقه بشق الأنفس، بسبب عدم تمكن النظام الذي أنتزع فرصة تدشينه بالتملق والملاطفة، من توفير قدر ضئيل من العدالة لهم على الأقل.
يمكن لأخطاء كيسنجر وإنجازاته أن تقدم دروسًا قيمة لبايدن وهو يتعامل مع الشرق الأوسط في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان. بينما يحول بايدن انتباهه إلى أولويات أكثر إلحاحًا في أماكن أخرى، يجب أن يكون هدف دبلوماسية الأخير في الشرق الأوسط تشكيل نظام إقليمي تدعمه الولايات المتحدة لم تعد فيه الولايات المتحدة هي اللاعب المهيمن، رغم أنها لا تزال الأكثر نفوذاً. في جوهره، سيحتاج هذا النظام إلى توازن قوى يتم الحفاظ عليه من خلال دعم الولايات المتحدة لحلفائها الإقليميين، أي إسرائيل والدول العربية السنية.
لكن سيحتاج بايدن أيضًا إلى العمل مع الجهات الفاعلة المستعدة للعب أدوار بناءة في استقرار نظام الشرق الأوسط. وهذا سيجعل بعض الرفقاء غير مرتاحين، حيث سيتضمن ذلك التعاون مع المصري عبد الفتاح السيسي في غزة، ومع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سوريا، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الخليج. ومعهم جميعها لاحتواء طموحات إيران في الهيمنة وتطوير برنامجها النووي.
قلة من هؤلاء الحلفاء والشركاء سوف يتصرفون وفقًا لقيم الولايات المتحدة. ومع ذلك، وكما تظهر تجربة كيسنجر في الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة سوف تحتاج إلى تعزيز الشعور الكافي بتحقق العدالة والإنصاف لإضفاء الشرعية على النظام الناشئ. في جميع أنحاء المنطقة، يصرخ الناس مطالبين بحكومات مسؤولة. لا يمكن للولايات المتحدة أن تأمل في تلبية هذه المطالب. هذا من شأنه أن يتجاوز الحدود مرة أخرى. لكنها لا تستطيع تجاهل ذلك أيضًا.
بالمثل، سيكون من المهم في معالجة مظالم المنطقة، تعزيز عملية سلام تعمل على تحسين واقع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. هذا أدنى بكثير في قائمة أولويات بايدن. في عام 2014، أثناء عمل الأخير كنائب للرئيس، شهد بايدن بشكل مباشر عدم رغبة القادة الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء في المخاطرة المعقولة من أجل السلام، ولا يتصور أنه سيحقق الخلود من خلال محاولة إجبارهم على القيام بذلك. إنه يقبل حجة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت بأن الحكومة الائتلافية الإسرائيلية اليمينية واليسارية لا يمكنها أن تنجو من عملية سلام تتطلب إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة. مثله مثل كيسنجر في عام 1973، يفترض بايدن أن الوضع الراهن مستقر. ومثل كيسنجر أيضًا في عام 1974، يرى بايدن أن المشكلة الفلسطينية هي مشكلة إسرائيل وعليها أن تتعامل معها، وسيتجه إلى تنحية أي ضغوط لمحاولة حل القضية جانبًا.
لكن علامات التحذير موجودة. السلطة الفلسطينية على وشك الانهيار، وفقد الرئيس الفلسطيني محمود عباس كل مصداقيته بين الشعب الفلسطيني، في حين أن حماس – بعقيدتها في المقاومة المسلحة – تكتسب شعبية. انتصار طالبان في أفغانستان سيعزز من حجة حماس بأن إستراتيجيتها هي السبيل الوحيد لتحرير الأراضي الفلسطينية. علاوة على ذلك، فإن وفيات الفلسطينيين جراء المواجهات مع الجيش الإسرائيلي تتصاعد بمعدل ينذر بالخطر، وللمرة الأولى، تسمح الحكومة الإسرائيلية لليهود بالصلاة في ما يعرف بـ “جبل الهيكل” لدى اليهود و”الحرم القدسي الشريف” لدى المسلمين – في حركة تحريضية باعثة على إثارة الشغب. إن الأوضاع قابلة للاشتعال إلى حد تحول مجرد عملية هروب من السجن من قبل ستة سجناء فلسطينيين في سبتمبر إلى قضية أثارت خطر اندلاع انتفاضة أخرى.
لسنوات، حذر صناع السياسة الأمريكيون من أن الوضع الراهن الإسرائيلي الفلسطيني غير مستدام – ومع ذلك يبدو باقيًا ومتواصلاً. حذر الخبراء من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لكن عندما فعل ترامب ذلك، لم يحدث شيء. يبدو الأمر كما لو أننا في سبعينيات القرن الماضي، عندما هدد السادات بالحرب لسنوات، ولم يحدث شيء – حتى حدث ذلك في يوم من الأيام.
لتقليل احتمالية انفجار العنف، سيحتاج بايدن إلى تشجيع عملية سلام إسرائيلية فلسطينية تدريجية لإعادة بناء الثقة وتعزيز التعايش العملي، تمامًا كما فعل كيسنجر في جهوده لإخراج مصر من الصراع مع إسرائيل. اقترح بينيت تغييرات اقتصادية، مثل السماح لمزيد من الفلسطينيين بالعمل في إسرائيل، كخطوة أولية. ومع ذلك، فإن مثل هذه التحركات وحدها لن تكون كافية لإضفاء المصداقية على عملية شوهتها الإخفاقات السابقة. تتطلب هذه الجهود عملية سياسية أيضًا، وإن كانت عملية متواضعة وواقعية يمكن أن تشمل وقف إطلاق نار طويل الأمد في غزة ونقل بعض الأراضي الأخرى على مراحل إلى السيطرة الفلسطينية الكاملة في الضفة الغربية.
في أعقاب الانسحاب من أفغانستان، من غير المرجح أن يتجاوز بايدن الشرق الأوسط. ولكن كما أخبر كيسنجر الأخير، سيكون من الخطأ كذلك أن يدير ظهره للمنطقة.
[[1]] معاهدة وستفاليا هي الصلح الذي أنهى حرب الثلاثين عامًا في أوروبا، وقدْ أرست تلك المعاهدة نظاماً جديداً في أوروبا الوُسطى والغربيّةِ مبنياً على مبدأِ سيادةِ الدولِ. (المترجم)
[[2]] سلسلة من الأحداث وقعت في الولايات المتحدة مساء يوم السبت 20 أكتوبر\ تشرين الأول 1973 أثناء فضيحة ووترغيت، حيث أمر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون المدعي العام إليوت ريتشاردسون بإقالة المدعي الخاص أرشيبالد كوكس فرفض ريتشاردسون واستقال فورًا ، ثم أمر نيكسون نائب المدعي العام ويليام روكلسهاوس بطرد كوكس. فرفض واستقال أيضاً. (المترجم)
[[3]]هو مفهوم في الدبلوماسية الدولية يتمثل في دور طرف خارجي كوسيط في النزاعات دون اتصال مباشر بين طرفي الصراع، وتستلزم تلك العملية السفر المتعاقب بين الطرفين المتنازعين. (المترجم)
[[4]]aiming low (التصويب المنخفض) هو مجاز أو استعارة تستخدم في اللغة الانجليزية للتعبير عن السعي إلى تحقيق أهداف بسيطة ومحدودة، ويعني بها الكاتب في هذا السياق عدم الطموح الزائد في العمل الدبلوماسي على نحو قد يخل بالنظام المستقر. (المترجم)



