أودّ في البداية التأكيد على أن هذه المقالة ليست تحليلا سياسيا لما آل إليه وضع الإسلاميين في المغرب بعد الانتخابات الأخيرة. لكنها قراءة فكرية مختصرة جدا، للوضع من زاوية غير سياسية. لقد انخرط في تحليل الهزيمة من المشرق والمغرب، الكثير من المحللين، والقليل من المفكرين. والسبب معروف جدا وهو أن التحليل السياسي في حقيقته اليوم، لم يعد يحتاج الكثير من المهارة والعمق الفكري والتاريخي. مقارنة بما تتطلبه التحليلات ذات الطابع الفكري والاجتماعي.
باستثناء نسبة قليلة من المحللين الذين يمتلكون مهارات تسمح بالنظر إلى كلامهم بجدية وإنصات وتركيز كبير. التحليل السياسي لما وقع عقب الانتخابات المغربية الأخيرة هو نفسه جزء من المشكلة العامة. وكثير من المحللين تساهم تحليلاتهم في مزيد من غموض الصورة، بإثارتهم الزوايا الأقل أهمية في تفسير الوضع.
اريد أن أكون شديد التركيز، فالإسلاميون المغاربة حاليا لازالوا يفكرون من داخل نفس الصندوق، في تحليل الإخفاق وفي استشرافهم للمستقبل. بل من عمق الصندوق السحيق. لكنهم سيكونون مضطرين إلى التفكير خارج منطق الإسلام السياسي نفسه. كفكرة وُلدت ونمت، ثم شاخت. أن يفكروا خارج الفكرة نفسها، التي تأسست قبل قرن من الزمن. إذا أرادوا التموضع من جديد في العالم.
إن المراجعات التي يمارسها الإسلاميون، كلما واجهوا الأبواب المسدودة سياسيا وفكريا وتنظيما. لن تكون كبيرة الفاعلية مستقبلا. إن ممارستهم لنوع من السلطة لم يختبر قدراتهم السياسية والتدبيرية فقط. بل امتحن خلفيتهم الفكرية بشكل كبير. لقد سمحت المراجعات في السابق للإسلاميين بالاندماج الاجتماعي والسياسي. لكن مع اقتراب غروب شمس فكرة الإسلام السياسي، من حيث قدرتها على بناء العصبيات الفكرية والتنظيمية، ستكون المراجعات بلا طائل.
النقاش الجدي والتفكير العميق ينبغي أن يجيب على هذا السؤال: ماذا بعد الإسلام السياسي؟ وفي رأيي فإن النواة الصلبة لفكرة الإسلام السياسي نفسها، يستنفد مخزون طاقتها باستمرار، بالنظر إلى أعمار الأفكار من الولادة إلى الشيخوخة والموت. إنها فكرة تقترب من الموت بتعبير مالك بن بني شيئا فشيئا.
ربما كان على الإسلاميين أن يحاولوا إقناع الناس بشيء جديد مختلف عن السابق. ربما بات عليهم إعادة تعريف مفهوم الدعوة التي تأسست عليها فكرتهم الأولى. وإعادة النظر في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي لم يتخذ في الغالب طابعا تنظيميا في التاريخ السني. بل كان من اختصاصات الدولة. إن ” كتالوج” التدين ومواصفاته لدى الإسلاميين سيكون تحت ضغط إعادة التفكير.
يرتبط الإسلاميون بشكل عاطفي بحركاتهم ومؤسساتهم. وهذا جزء أساسي من تأثير فكرة التنظيم على الوجدان والعاطفة. وهو ما يجعل التفكير خارج هذا الصندوق أمرا معقدا من الناحية النفسية، قبل الناحية الفكرية والسياسية. إن فك الارتباط ليس سهلا. ولذلك تبدو فكرة حلّ التنظيم الدعوي أمرا صعبا بالنظر إلى الميراث النفسي والوجداني الكبير. لكن فكرة حل التنظيمات الدعوية ستكون خيارا مستقبلا.
لن يتأخر الوقت لاكتشاف أن فكرة التنظيم الدعوي ستشكل عبئا ثقيلا. وعائقا أمام تطور أي فكر خارج منظومة الإسلام السياسي. هناك حاجة إلى التسليم إذن بأهمية تجاوز هذه الأطر الدعوية التي تعتبر حاليا في غرفة الإنعاش. وهذا يعرفه المطلعون بشكل جيد. ويبقى إعلان موتها مسألة وقت.
سيطرح البعض مسألة الحفاظ على الهوية والدفاع عنها. ويمكنني أن أقول أيضا إن مسألة الهوية الآن قد باتت مندرجة في سياق الدولة القطرية وهويتها القومية. ولأوضح هذا الأمر، فإن كونك مغربيا أو تركيا، هو ما بات يحدد تموضع الهوية ومكانها في تدبير نظام الحياة، لا العكس. بمعنى أن الهوية نفسها والاقتصاد والثقافة، كلها تقع من حيث الترتيب تحت مفهوم الدولة، التي تدير كل هذه الملفات. لم يعد هنالك مبرر لفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل مستقل عن الدولة.
لقد جرب الإسلاميون مزاحمة السلطة في المشاريع الفكرية، وآن لهم نسيان هذا الأمر. لأنهم حتى في لحظات المشاركة السياسية لم يهتموا به كثيرا، بل تعاملوا معه بكل براغماتية. لقد زاحم الإسلاميون النخب السياسية وتدافعوا معها على الأفكار لعقود. لكن مزاحمتهم للنخب الاقتصادية والاعلامية في التجربة العربية كانت الأضعف. كان الإسلاميون عموما يجدون في السابق في كل تصرف أو موقف للسلطة مدخلا لصراع وصدام فكري معها. في موضوع المرأة وقضايا المواريث والموقف من الحجاب ومسألة اللغة والهوية.
أما السلطة فتحب توظيف الصراعات الفكرية. وهي في الوعي التاريخي والسياسي السني ميالة الى الاحتكار والاستحواذ على المشاريع الفكرية، وجعلها ذات صيغة وإطار رسمي. كارهة في نفس الوقت أن تتمتع المجموعات الأخرى بالأفكار المناقضة لها. والاسلاميون والتيار الديني عموما لم يعد خصما فكريا ومعرفيا للسلطة. فقد تحول إلى مجرد مختلف في السياسة والتدبير.
ربما بات التحليل الفكري مكروها لدى كثير من الإسلاميين. لذلك يجدونه ثقيلا ويفضلون عليه التحليلات السياسية سريعة الهضم. وقد كنت على المستوى الشخصي أسمع عن درجة كراهية عدد من قيادات الإسلاميين للفكر وللمفكرين أيضا. ويبدو أن الكثير منهم لم ينتبهوا إلى هذا التحول الخطير في الوعي بمفهوم السياسة وبناء الدول لدى المسلمين. وبعبارة أكثر وضوحا، لقد نسي الإسلاميون أن أفكارهم البسيطة أو حتى الغبية، وهي كثيرة بالمناسبة، هي من أتى بهم إلى مربع السلطة. لكنهم لغلبة التدبير السياسي نسوا الأفكار، فهي بطبيعتها مزعجة. ولا يتم اللجوء إليها إلا عند المآزق.
في وعي الإسلاميين هنالك ميل إلى التحليل من منطلق دينامية الفرد، ورمزيته والبطولات التي يحققها. ولذلك تجد النقاشات الدائرة حاليا بشأن الحلول، تدور حول فكرة استعادة زعيم قد رحل، أو عدم استعادته. معتقدين مثل اعتقاد مشجعي فريق برشلونة أن استعادة الرقم 10 سوف يعيد للفريق أمجاده. في النهاية يحق للناس العاديين أن يفكروا بهذه الطريقة الغبية. لكن بالمقابل يحرُم على ذوي العقول أن يصبحوا صغارا في إدراكهم لطبيعة حركة التاريخ.
الوعي باللحظة الحالية يشبه العصبية، من حيث أن كلا منهما يتأسس على التفكير والعمل المشترك. فإذا أردنا تعريف الوعي العام لمجموعة بشرية كبيرة، فهو مكوّن من عناصر التفكير والإدراك المشترك بينها. وإذا أردنا تعريف العصبية بالنسبة لمجموعة كبيرة، فهي عناصر عدة للعمل المشترك بين مكوناتها. فالوعي والعصبية كلاهما يربطان المجموعات الكبيرة، حول سلوك أو مفاهيم مشتركة. من هنا أود الانتقال إلى المسألة الأهم في نظري. وهي قضية العصبية لدى الإسلاميين وتفككها بتوصيف ابن خلدون. وهو الجزء الأهم في تفسير تحولات ما قبل وما بعد هزيمة الإسلاميين في الانتخابات.
إن دورة آباء المجموعات الدينية، تختلف عن دورة الأبناء. وقبل أكثر من قرن تمكّن الإسلاميون من بناء عصبية فكرية واجتماعية، أثرت بشكل كبير في الوعي المعاصر. غير أن هذه العصبية قد دخلت مرحلة التفكك. لقد وصلت المجموعات الإسلامية إلى حالة” الإنهاك”. وباتت في حاجة إلى التخفف من أعباء كثيرة، هم من سيفكرون فيها.



