صدر مؤخرًا عن دار رياض الريس للكتب للنشر في بيروت كتاب جديد للكاتب والصحفي والمعلق السياسي اللبناني حازم صاغية بعنوان «رومنطيقيو المشرق العربي». الكتاب يرصد التحولات التي جرت في المنطقة بعد انهيار الدولة العثمانيّة وولادة الدول الوطنية، التي تولى مقاليد الحكم فيها ضباط وموظفون عثمانيون سابقين، عزز تأثّرهم بمرجعيّة التجربة العثمانيّة، ومن ثمّ التركيّة، المتأثّرة بدورها بالضبّاط الألمان، بحسب صاغية، الاتّجاهات الفكرية التي وضعت المقدّمات التأسيسية لكثير من النشاط والتفكير السياسيين اللاحقين في المشرق العربيّ.[[1]]
يشير صاغية في مقدمة كتابه إلى أنه من بين المعاني الكثيرة التي تُقرن عادةً بالرومنطيقية (الرومانسية\ الرومانتيكية)، يعتمد كتابه معنىً محدّداً للأخيرة هو ضعف الصلة بالواقع، وأحياناً انعدامها، الأمر الذي يتأتى من كون هذا الواقع قد تشكّل على إيقاع السيادة الغربيّة على العالم، وهو ما رفضه المنظرون السياسيون في المشرق العربيّ. ويشير إلى أن الرومنطيقيّة، ظاهرة ولدت في أوروبا، لا في البلدان العربيّة والإسلامية. ولكن «على تلك الرومنطيقيّة الأوروبيّة تحديداً يقاس ما هو رومنطيقيّ عندنا» على حد تعبيره. [[2]]
مفردات الوعي الرومنطيقي بحسب صاغية هي: (القرية، الطبيعة، الأرض، الصوفيّة، الوحدة، القوة، الجيش، الأمّة، الجذور، البطل، الذات ومبادرتها) في مقابل العقل والعلم والعالم. وهي مفردات تقف بالتضادّ مع التنوير والرأسماليّة ومفردات وعيهما: (الفرد الذي يصنع نفسه، الكونيّة، الحداثة، المدينة، العلم، التقدّم، الديمقراطيّة، التجربة والتجريب). [[3]]
يقول صاغية في مقدمة كتابه: «إنّ أحد التيّارات القويّة في الفكر والإبداع السياسيّين المشرقيّين رومنطيقيّ متطرّف ومتصلّب، وإنّ هذا التيّار أكثر تيّارات هذين الفكر والإبداع نفوذاً وتأثيراً، من غير أن يُنتج تلك الأعمالَ الفنّيّة والإبداعيّة الباهرة التي سجّلتها الرومنطيقيّة الأوروبيّة. فـ”الإنكار”، بوصفه رفضاً للاعتراف بواقعيّة ما هو واقع، يحتلّ موقع القلب من هذا التيّار، وكلّما صُفعنا بالواقع كما هو، وكلّما كانت الصفعة مؤلمة، تصاعد الإنكار ليغدو هذياناً. وفي هذا المعنى يتقلّص، هنا، الانشغال بالفوارق الإيديولوجيّة (والتنظيميّة) التفصيليّة لأجل الاهتمام بالواحد الجامع، حيال الغرب والدولة والديمقراطيّة والتغيير والمستقبل والتقنيّة».[[4]]
ينقسم الكتاب الذي يقع في 560 صفحة إلى أحد عشر فصلاً، يتناول الفصل الأوّل معنى ومفهوم الرومنطيقية في مهدها الأوروبيّ وما يكتنفه من تناقضات، دون توسع يتجاوز غرض هذا الكتاب المعني بالسياسة والفكر السياسيّ المشرقيّ على الامتداد الواصل بين مصر والعراق. يتتبع صاغية في الفصل الثاني تأثيرات الرومنطيقيّة الألمانيّة في رحلتها شرقاً، والدور الذي لعبته تركيّا كجسر انتقال إلى العالم العربيّ، على خلفية التأثر العربي بتجربة ضبّاط “الاتّحاد والترقّي”.
يتناول الفصل الثالث انعكاس المفهوم الرومنطيقيّ للزعامة، منذ فترة الثلاثينيّات في العراق، وانتعاش الأفكار القوميّة المتأثرة بالنازيّة وبالقوميّة الرومنطيقيّة الألمانيّة، وصولاً إلى النصف الثاني من الخمسينيّات في مصر الناصرية، التي تأثرت أيضًا برافد جديد هو التجربة السوفيتية. في الفصل الرابع يسلط صاغية الضوء على قضيّة فلسطين التي غذت الرومنطيقيّة في حياة المشرق وأفكاره وسياساته.
في الفصلين الخامس والسادس يتوقف صاغية لدى تجربة الإسلام السياسيّ، السنّيّ والشيعيّ، ويشير في هذا السياق إلى أن الرومنطيقيّة ضعفت مع حسن البنّا ولكنها عادت لتشتعل لدى سيّد قطب في مناخ النظام العسكريّ والأمنيّ الناصري، ويشير كذلك إلى عدم تطور أيّة رومنطيقيّة سياسيّة شيعيّة بأيّ معنى حديث، واقتصار الجانب الشيعي في هذا الإطار على سرديات شخصية عن المظلومية وحسب. في الفصل السابع يتطرق صاغية إلى الماركسية والشيوعية التي يشير إلى أن الجانب العقلانيّ فيها قد ضمر لمصلحة الشعبويّ والرومنطيقيّ، وأن المسرح العربي قد تفوّق في تبني هذا التحوّل وفي تضخيمه.
في الفصل الثامن يتناول صاغية بعض الأعمال الأدبيّة والشعريّة العربية ويسلط الضوء بشكل خاص في هذا السياق على أعمال أدونيس وعبد الرحمن منيف، وما احتوته أعمالهما من قيم رومنطيقيّة وعدميّة واكبت وكمّلت الفكر السياسيّ الرائج على حد تعبيره. وفي الفصل التاسع يتوقف صاغية عند ادوارد سعيد والاتّجاهات الأخرى في مناهضة الاستشراق ومدرسة “ما بعد الكولونياليّة” بوصفها تعزيزاً للرومنطيقيّ في الحياة والفكر العربي.
في الفصل العاشر يزعم صاغية أن مختلف الجماعات الراديكاليّة ومثقّفيها في المشرق العربي، لديها ميل مشترك إلى إنكار الطائفيّة أو التخفيف من أثرها وحضورها، في حالة تعبر بحسبه عن التطهّر الذاتيّ وتبرئة الذات الجمعيّة. في الفصل الحادي عشر والأخير، يصف صاغية تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بأنه: «الابتذال الأعلى للرومنطيقيّة». ويشير ختامًا إلى أن أول شروط انكسار «الدائرة الرومنطيقية» التي كانت داعش أحدث تجسداتها هو «أن ترحل الأنظمة السياسية وتصطحب معها عدداً هائلاً من الأفكار والقناعات التي تحكمت بأهل هذه المنطقة».[[5]]
بحسب الكاتب والباحث السوري ياسين الحاج صالح في مقاله «الانكفاء والواقعية والكرامة: رومنطيقيو حازم صاغية» فإن: «حازم هو من جيل من المثقفين خَبِر في حياته الشخصية وفي حياة بلده لبنان والعالم العربي القضايا والتيارات الفكرية والسياسية التي يتناولها في الكتاب. هذا يلون صفحات ما يكتب – مثلما يحدث لأكثرنا وربما لجميعنا – بسخط معتق، لا يخفيه مؤلف رومنطيقيو المشرق العربي، ولا يستسلم له. وهو من قلة في المجال العربي كله اليوم ممن يمكنهم تغطية شؤونه مسلحين باطلاع واسع وبمعرفة غنية»[[6]].
[[1]]حلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة… من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة «رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة، جريدة الشرق الأوسط.
[[2]]مقدمة “رومنطيقيو المشرق العربي” لحازم صاغية، موقع المدن.
[[5]] ياسين الحاج صالح، الانكفاء والواقعية والكرامة: رومنطيقيو حازم صاغية، موقع الجمهورية



