ما الإسلام؟ هل الرائج في أذهاننا – اليوم – وفي تعبيراتنا الثقافية عن الإسلام صحيح وسالم من العيوب أم أن فيه بعض الخلل في التصور والنظر؟، وذلك بعدما تعددت وتشعبت وتفرعت أفهام الناس حول الإسلام، وأمسى المسلمون ينكر بعضهم على البعض، وأمسى دارجا في الإعلام ولدى كثير من المثقفين الحديث عن إسلامات وليس إسلام واحد…
إن هذا السؤال يعكس في جانب منه مشكلة المفاهيم التي يعاني منها الفكر الإسلامي، فالإسلام – اليوم – في نظر الكثير من أبنائه هو الجوانب السلوكية والأحكام التشريعية..، فلا إسلام في نظر هؤلاء بدون التزام سلوكي أو بدون ما يسمى بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية؛ الإسلام – اليوم – في نظر الكثيرين هو ثقافة أكثر منه “دين”، فعندما نركز على الجوانب الشكلية والمظاهر نكون بصدد أعراض وشكليات تنتمي للثقافة أكثر من انتمائها للدين بمعناه الروحي والأخلاقي.
ولهذا قد تجد شخصا – رجلا أو امرأة- متحققا من المظاهر الشكلية للإسلام وحريصا عليها، وملتزما بمظاهر الإسلام، لكنه في العمق فاقد لروحه التخليقية، فاقد لبواطنه..، هو عَرضٌ وظاهر لا جوهر له، وقشرةٌ لا لب لها؛
إن هذه الملاحظة التي نلاحظها اليوم كانت حافز الإمام أبي حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري التي حفزته على كتابة «إحياء علوم الدين» أو ما أسماه بعلم طريق الآخرة، وذلك بعدما تضخم الجانب الشكلي والفقهي في معنى الإسلام والذي تجلى بحسب تعبيره – هو – في المترسمين أصحاب الشكليات والمظاهر.
ومقابل هذا الكثير يوجد آخرون – اليوم – لا يقلون عنهم عددا، يختزلون الإسلام في المعتقد الغائر والعميق في النفس، والذي لا تكاد ترى له أثرا في الحياة والسلوك والثقافة..، وكأن الإسلام – بحسب هؤلاء – نزعة روحية مجردة منفصلة عن الحياة، وليس ديانة اجتماعية وثقافية تخاطب الإنسان في أبعاده المختلفة، وتتدخل في علاقاته الاجتماعية والاقتصادية.. إلخ.
إن الدين الإسلامي يشبه الطائر، لا يمكنه التحليق إلا بجناحين: جناح الحقيقة وجناح الشريعة بمعناها العام، وشأنه شأن سائر الأديان السماوية، فلا يوجد دين من الأديان لا يرخي بظلاله على واقع الناس والحياة، والدين الذي يسعى للطيران بجناح واحد، هو في الحقيقة عاجز عن ذلك، وانتقائي في مفهومه للإسلام ومقتضاه كدين.
قال تعالى في سورة آل عمران: «إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم» (19).
وقال أيضا في نفس السورة: «قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين» (83، 84).
وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه المعروف بحديث جبريل قال : «بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك». (رواه مسلم والبخاري في كتاب الإيمان)؛
وفي حديث آخر رواه البخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان»؛
وفي حديث آخر رواه البخاري: «قالوا يا رسول الله أي الإسلام أفضل قال من سلم المسلمون من لسانه ويده».
– كيف يمكننا أن نعرف الإسلام انطلاقا من هذه النصوص؟
يمكننا القول بكثير من الاطمئنان، إن الإسلام انطلاقا من هذه الآيات والأحاديث يختلف كثيرا عما وقر في ذهن الكثيرين اليوم، وهو من آثار الزمان، فالإسلام هو عنوان لدين جامع مستوعب ومعترف بسائر الأديان التي سبقته من يهودية ونصرانية وغيرهما، فلا يصح إسلام المرء من منظور القرآن إذا لم يكن مؤمنا ومصدقا بما نزل على إبراهيم وموسى وعيسى.. فالإسلام في هذا السياق هو رسالة كمال وتمام لما جاءت به الأديان السماوية التي سبقته، ولهذا لم يجنح الإسلام إلى الانغلاق والتمييز السلبي بينه وبين الأديان التي سبقته..، فكلها صدرت عن مشكاة واحدة..، ومن ثم فالذي يريد أن يجعل من الإسلام ديانة منغلقة وإقصائية هو بالضرورة يقع خارج القرآن ومنطق القرآن.
قال تعالى: «قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين». ولما نزلت هذه الآية قال أتباع الملل الأخرى – كما يروي عدد من المفسرين – “نحن مسلمون” (تفسير مجاهد (ت. 104هـ).
إن المشكلة من هذه الناحية لا توجد في الإسلام الذي يعترف بالرسالة الروحية للأديان السماوية الأخرى في أصلها، بل توجد لدى هذه الديانات التي جعلت من نكران الإسلام عقيدة لها.
ومن جهة أخرى إن الإسلام كما عرَّفه من أنزل عليه هو الفرائض الخمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع، وإخراج الزكاة. وتزيد بعض الأحاديث، علامات أخلاقية أخرى من قبيل: إفشاء السلام، والسعي بين الناس بالخير والإحسان وتجنب إذايتهم.
إن معنى الإسلام انطلاقا من هذه النصوص ليس معنى كثيفا، ومشبع، بل على العكس من ذلك، هو مفهوم خفيف لا يحيل على كثير من الالتزامات، فهو من جهة يحيل على مستوى العقيدة إلى ديانة توحيدية، مستوعبة، ومتسامحة مع غيرها، ومعترفة بها..، ولهذا وجدنا كثيرا من اليهود والنصارى يدخلون الإسلام في الماضي والحاضر، وهم بدخولهم هذا لا يخرجون بالضرورة من صحيح ديانتهم الموسوية أو العيسوية بل يتممونها ويكملونها، فالله في صحيح هاتين الديانتين واحد والقيم نفسها؛ ويحيل الإسلام من جهة ثانية على أربع فرائض عبادية كالصلاة والصوم والحج والزكاة.. بالإضافة إلى إفشاء السلام بين الناس، ليس السلام كتحية ولكن السلام كممارسة وتصرفات ومسعى بين الناس..، فالذي يفشي الخوف بين الناس ولا يبعث على الآمان هو بالضرورة وبالتعريف خارج معاني الإسلام.
فالانتساب للإسلام انطلاقا من هذه المقدمات يتحقق بالتوحيد عقيدة، والعبادات الأربع، وإفشاء السلام بين الناس الذي هو أصل الشريعة وبابها الواسع، فأي معنى لشريعة الإسلام وأحكامه إذا لم تكن غايتها إقرار الأمن والسلام الاجتماعي ومع الآخرين..؟
ومن ثم، فالذي يتوسع في تعريف الإسلام ويضيف إليه خارج هذه الأركان، ويسرع إلى تكفير الناس أو تفسيقهم، أو تضليلهم، هو في الحقيقة مبتدع في الدين، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يجعل من بدعته أمرا فوق التاريخ ولازما لكل زمان ومكان. والابتداع هنا ليس بالمعنى الديني الذي يجعل صاحبه خارج الإسلام، ومعتدٍ على الدين، بل الابتداع باعتباره تنزيل ثقافي للإسلام أو تكيف مع الظروف من منطلق العقيدة..
والقرآن من هذه الناحية وخاصة في جوانبه التشريعية هو تنزيل للمقتضى العقدي والأخلاقي للإسلام على مستوى التاريخ والمجتمع والثقافة والاقتصاد..، هذا المقتضى الذي يتعلق أساسا بمبدأ العدالة وإفشاء السلام وتعميم الأمن، وذلك وفق طاقة زمن التنزيل.
إن المشكلة التي تثار من هذه الناحية، هي أن التعريف السائد للإسلام هو التعريف الثقافي الذي أضاف لمعنى الإسلام جملة من المعاني لم يكن يعنيها في بدايته، ومن ثم غفل الناس عن الأصول الخمسة التي بُني عليها الإسلام: الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج، وغفلوا أيضا عن معنى السلام فيه، واتجهوا إلى طلب أشياء هي في الحقيقة مقتضى غير مباشر للإسلام وثانوية، فهل مكانة الزكاة اليوم في الخطاب الإسلامي تتماشى مع مكانتها الدينية؟ هل مكانة الصلاة في الخطاب الوعظي تتناسب مع مكانتها في الدين؟ هل إفشاء السلام بين الناس والعالمين اليوم في خطاب المسلمين يتماشى مع مركزيته في الدين الإسلامي؟.
إن الإسلام أخذ معاني تاريخية مختلفة بحسب حاجات وظروف الزمان، ولهذا وجدنا المفسرين القدامى يفسرون ويشرحون معنى الإسلام بحسب ظروفهم وحاجات عصرهم، فعلى سبيل المثال لا الحصر:
كان الإسلام عند مفسري القرن الثاني الهجري يعني التوحيد (مقاتل (ت. 150هـ))؛
ثم تطور هذا المعنى في القرون التالية، فأمسى هو الدخولُ في السِّلْمِ والانقيادُ والطاعَة. ومن قولهم في هذا المعنى المنسوب لقتادةَ: (هُوَ شَهَادَةُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ؛ وَالإقْرَارُ بمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ (الطبري ت. 360هـ)
أما عند المتأخرين فقد أمسى الإسلام هو: مجموع التكاليف التي يدين بها العباد لله فيكون بمعنى الملّة والشرع. (رشيد رضا)
وقد عرفه سيد قطب رحمه الله على النحو التالي: الإسلام ليس مجرد دعوى، وليس مجرد راية، وليس مجرد كلمة تقال باللّسان؛ ولا حتى تصوراً يشتمل عليه القلب في سكون؛ ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام.. لا. فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس ديناً سواه. إنما الإسلام الاستسلام. الإسلام الطاعة والاتباع. الإسلام تحكيم كتاب الله في أمور العباد...
لقد تأثر مفهوم الإسلام بالظروف التاريخية والصراعات الثقافية التي مر بها المسلمون، والتي نبهنا إلى بعض آثارها فيما تقدم؛ وعرف تحولات نوعية في علاقته بتغير الظروف والأحوال أبعدت المسلمين كثيرا عن الأصل الثابت في هذه الديانة السمحة، حيث تحول الإسلام في سياق هذا التطور من عقيدة التوحيد إلى عقيدة الحاكمية.. وهو انزلاق خطير، واختزال مخل بحقيقة الإسلام.
إن الإسلام وباختصار شديد هو: عقيدة التوحيد المشتركة مع سائر الديانات التوحيدية قبل أن يعرض لها التحريف، هو الفرائض الخمسة، هو إفشاء السلام بمعناه العام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. وكلُّ الشريعة وغايتها وروحها ما هو إلا تحقيق لهذه الغاية أي إفشاء السلام. وما أحوجنا اليوم لإحياء هذا المعنى الأصيل للإسلام..، خاصة في هذا الظرف الانتقالي الذي يمر به المسلمون..
إن الإسلام دين سلام وأمن للنفس والجماعة والإنسانية، فالتوحيد وسلسلة القيم التي تفيض منه أو تتفرع عنه مقوم روحي وأخلاقي للأمن والاستقرار والطمأنينة للنفس والمجتمع والإنسانية جمعاء..، وما أحوجنا اليوم لهذا المعنى في الإسلام.



